قصص وحواديت من العالم القديم (19) أنطونيو وكليوباترا

محمد زكريا توفيق
zakariael@att.net

2021 / 9 / 21

الثلاثي الثاني. وفاة سيسيرو:

بعد مقتل يوليوس قيصر، أسرع ابن أخيه ووريثه، أوكتافيوس، إلى روما. أخذ اسم قيصر، وحاول كسب حب الشعب. كان مارك أنطونيو آنذاك هو القنصل. حاول توحيد الصفوف ضد المشتركين في قتل يوليوس قيصر. لكن سيسيرو كان يعارض أنطونيو من أجل السلام العام.

عارض أنطونيو في البداية أوكتافيوس الشباب. ولكن، عندما وجد أنه يلقى قبولا عاما من الشعب، عمل أن يشركه في الحكومة. وهكذا، تشكل الثلاثي الثاني من أوكتافيوس، مارك أنطونيو، وليبيدوس، عام 43 ق م.

قبل تكوين هذا الاتحاد الثلاثي، وافق كل عضو على التخلص من صديقه المفضل. أنطونيو تخلى عن عمه. ليبيدوس عن أخيه. أوكتافيوس عن صديقه سيسيرو.

أعقب ذلك عملية قمع عام، مثل قمع ماريوس وسيلا من قبل، بل أكثر فظاعة. ثلاثمائة عضو في مجلس الشيوخ وثلاثة آلاف فارس ذبحوا بدم بارد، لإرضاء المشاعر الخاصة لثلاثي الحكم.

لم يشترك سيسيرو في المؤامرة، لكنه كان مكروها من قبل أنطونيو. إلا أنه قد مات. فهل يمكن لأوكتافيوس، أن يتهم بقتل صديق عزيز وطيب مثل سيسيرو في سبيل الوصول للسلطة؟

وفاة سيسيرو:

سيسيرو، وهو يعلم بغيرة أنطونيو، قرر أن يقضي فصل الصيف في أثينا. لكنه عاد إلى إيطاليا، عند سماعه أن مشاعر أنطونيو تجاهه قد تغيرت كثيرا. بعد ذلك، بذل جهده لخدمة أوكتافيوس، الذي أطلق عليه من جانبه لقب "الأب".

كان سيسيرو في فيلته، عندما سمع بالقمع الدموي. وعزم على الفور وضع نفسه تحت حماية بروتوس، الذي كان في مقدونيا. قام سيسيرو وشقيقه كوينتوس بهذه الرحلة الكئيبة وحدهما.

كان معهما القليل من المال. يحملون على نقالات. كانا مكتئبان لأنهما قد طردا من وطنهما بسبب جحود شخص أحباه وخدماه من قبل. أثناء رحلتهما، عندما قرر كوينتوس الرجوع إلى منزله للحصول على بعض المؤن والأشياء اللازمة، تم القبض عليه في الطريق، واغتيل من قبل بعض الأشرار، جاءوا لهذا الغرض.

خدم سيسيرو وضعوه في مركب. لكن المركب عادت إلى الشاطئ عندما رأت البحارة مجموعة من الطيور تعتبر نذير شؤم. إلا أن الخدم أقنعوه بالعودة إلى السفينة. ووضعوه فوق نقالة ليحملوه إليها، عند وصول القتلة.

عندما رآهم سيسيرو، أمر خدمه بإنزال النقالة، ووضع يده على ذقنه كعادته، ثم نظر إلى قاتليه بثبات. لمس شكله البائس وطلعته الحزينة قلوب مرافقيه. لكن، مد سيسيرو رقبته لكي يتلقى الضربة. فقام الضابط المكلف بقطع رأسه بضربة واحدة. وقطعت يداه أيضا.

وبأمر من أنطونيو، علقت رأسه ويداه في المنصة، التي كان يخطب منها ببلاغة ويقنع الناس بما يراه حقا. عقب الناس على هذا السلوك بأن: "المشهد لم يعرض رأس سيسيرو للناس، بقدر ما عرض قلب أنطونيو".

قتل سيسيرو في السنة الأولى من ثلاثي الحكم الثاني، عام 43 ق م.

معركة فيليبي. موت بروتوس:

كان يرغب بروتوس في أن تكون بلاده حرة، لذلك رفع خنجره ضد قيصر. ولهذا السبب، انضم إلى كاسيوس لتكوين جيش في اليونان ضد ثلاثي الحكم في روما.

سار أنطونيو وأوكتافيوس ضد المتآمرين قتلة قيصر. وفي فيليبي، وهي بلدة في مقدونيا، أقيمت في شرف الملك فيليب، انتصر أنطونيو انتصارا كاملا. أوكتافيوس، كان شابا صغيرا في ذلك الوقت.

بذل كاسيوس كل جهد ممكن لمواجهة ثلاثي الحكم. معربا عن أسفه لأنه كان يحارب مواطنيه. قال لصديق له، "اشهد، ميسالا، أنني، مثل العظيم بومبي، مضطر للمخاطرة بحرية بلدي في نظير فرصة قد تأتي بالنصر".

في إحدى الليالي، عندما كان في آسيا الصغرى، رأى بروتوس شبحا، في شكل رجل طويل القامة، يدخل خيمته، ويقف إلى جانبه. "من أنت؟ " قال بروتوس، "وماذا تريد مني؟" أجاب الشبح: "أنا عملك السيء، يا بروتوس. ستراني في فيليبي". "إذن سوف ألتقي بك هناك"، أجاب بروتوس.

كان بروتوس وحيدا في خيمته، في وقت متأخر من الليل، وكان عقله مشغولا بالمعركة المتوقعة، وجسده كان يئن من واجباته العسكرية. مرهق، لا شيء يمكن أن يكون أكثر احتمالا من أنه قد تخيل حكاية الشبح.

قاد بروتوس قواته كضابط ماهر، وقاتل كرجل شجاع، في معركة فيليبي. كل شيء أفسح المجال أمام مهارته وحسه. وصل إلى معسكر أوكتافيوس ودمره.

كان يعتبر نفسه هو المنتصر، إلا أن وجد أن صديقه كاسيوس قد هزم. سبب الهزيمة هو خطأ ما حدث. كان كاسيوس مشتتا جدا سيء الحظ، لدرجة أنه، دون انتظار وصول النجدة من بروتوس، ترك ضباطه وذهب إلى خيمة فارغة، وأمر أحد رجاله بقطع رأسه.

عندما وصل بروتوس إلى المخيم، لم يجد سوى جثة صديقه كاسيوس. جمع بروتوس مرة أخرى شتات جيشه، وبعد وقت قصير، واجه أنطونيو. لكنه هزم بالرغم مما بذله من حكمة وشجاعة. أراد أنطونيو إنقاذ حياة بروتوس، لكنه به الهزيمة لم يعد يرغب في الحياة، وبلده لم تعد حرة.

كان مرافقوه غير راغبين في إطاعته، عندما أمرهم بطعنه. أحدهم أبلغه بأن العدو يتقدم، وبالتالي يجب عليهم الفرار. "نعم"، قال بروتوس، ثم نهض على عجل، وقال "علينا بالفرار، ليس بأقدامنا، ولكن بأيدينا". ثم تقاعد مع عدد قليل من الأصدقاء، أحدهم، ستراتو، يحمل سيفا. ألقى عليه بروتوس نفسه بعنف فعبر داخل جسده، ومات على الفور.

توفي بروتوس بعد وقت قصير من معركة فيليبي، عام 42 ق م.

أنطونيو وكليوباترا. ولادة المسيح.

في عام 42 ق م، تقريبا في الوقت الذي دارت فيه معركة فيليبي، تزوج هيرودس شقيقة أريستوبولوس، ملك جودوا، وزار روما للسعي لتتويج نسيبه. لكن بدلا من ذلك، تمكن أنطونيو من تنصيب هيرودس نفسه ملكا لجودوا. ثم عاد هيرودس إلى أورشليم وتزوج من ماريامني.

أنطونيو، بعد وفاة بروتوس، سار بجيشه إلى قيليقية في جنوب تركيا. وكان يرغب في مقابلة كليوباترا هناك، لتوضيح بعض الأمور الخاصة بمساعدتها لكاسيوس.

كليوباترا، بالرغم من أنها لم تعد شابة، كانت لا تزال امرأة جميلة جدا. كان أسلوبها في التعامل مع الرؤساء والقواد المنتصرين ساحرا. فقد أبحرت بقاربها في نهر سيدنوس في تركيا، لمقابلة أنتوني في تارسوس.

القارب مطلي بالذهب، ومدعم بستائر حريرية وأشرعة أرجوانية. المجاذيف مطلية بالفضة. على سطح المركب جلست تحت مظلة فاخرة، وهي ترتدي أفخر الثياب بأجمل الألوان. فبدت كزهرة في بستان.

بجانبها صبيان صغار يلبسون ملابس كيوبيد، ويحملون مراوح من ريش النعام، يقومون بالتهوية وتوجيه هبات النسيم إلى وجه الملكة. جواريها الجميلات، بملابسهن الشفافة والأنيقة، تلتف حولها فبدون كالموزيات إلهات الفنون والشعر أو حوريات الماء.

البخور يطلق على الشواطئ لتعطير الهواء. الموسيقى تعزف بأنغام عذبة وأصوات كورال وأغاني ميلودي. الجمال والفخامة والذوق الرفيع في كل مكان. الحشود من المدينة أتت لكي تشاهد هذا المشهد الرائع.

عندما زار أنطونيو كليوباترا، أصبح أسير جمالها، ووقع في حبها من أول نظرة. فهو لم ير مثل هذا في روما أو في أي مكان من قبل. ومن من الرجال يستطيع مقاومة جمال وسحر وشخصية هذه المرأة. ونسي أن لديه زوجة، فولفيا، تنتظره في روما. ولتذهب فولفيا إلى الجحيم.

فولفيا، امرأة طموحة وقاسية. بذلت كل ما تستطيع لإفساد الصداقة بين زوجها وأوكتافيوس. لكنها ماتت قبل أن تنضج خططها. ثم تزوج أنطونيو بعد ذلك من أوكتافيا، أخت أوكتافيوس، وصار بينهما ود وسلام.

بعد زواجه الثاني، عاد أنطونيو إلى كليوباترا. مما أثار أوكتافيوس أخو زوجته، لدرجة أنه ذهب إلى مصر مع جيش كبير لمعاقبة الزوج الفلاتي الغير مخلص لزوجته.

بسبب سلوك ليبيدوس الطائش، نفي بعض الوقت. رأى أوكتافيوس الماكر أنه لو أمكنه تنحية أنطونيو جانبا، لأصبحت روما كلها له. أنطونيو كان جنرالا عظيما. لكن نقطة ضعفه كانت حبه لكليوباترا، وشغفه بالحياة الفاخرة. وهما أمران أضرا بعقله وأوهنا جسده.

التقى الخصمان في أكتيوم، عام 31 ق م. في خضم معركة بحرية يائسة، فرت كليوباترا يتبعها أنطونيو بعد أن تخلت عنه كل فرص النصر.

تعتبر معركة أكتيوم معركة حاسمة. أنهت النظام الجمهوري في روما. وأصبح أوكتافيوس قيصرها وسيدها الوحيد.

أنتوني، بعد سماعه أن كليوباترا قد ماتت، طعن نفسه لكي يلحق بها. فهو لم يرد أن يفارقها، حيا أو ميتا. وعندما علم أنها لم تمت، وأنها قد حبست نفسها فقط، طلب أن يحمل إليها.

كانت جميع المداخل مغلقة. كليوباترا وجواريها أدخلن أنطونيو المحتضر من النافذة. ثم مات بين ذراعيها. وخوفا من أن يتم أسرها، وأن يجعلها أوكتافيوس تسير في طابور الأسرى في روما، وضعت حدا لحياتها هي الأخرى، وانتحرت بعضة ثعبان سام.

حاولت كليوباترا في السابق دراسة تأثير السموم على المجرمين المحكوم عليهم بالموت، فوجدت أن لدغة حية مصرية صغيرة سامة، تسبب الموت السريع.

لذلك اشترت حية من هذا النوع من فلاح، وخبأتها في سلة تين. أوكتافيوس، الذي كان في هذا الوقت في الإسكندرية، كان يريد مراقبتها ومنعها من قتل نفسها.

لكن كليوباترا، خيبت أمله. فبعد أن ارتدت ملابسها الملكية، وضعت الحية على ذراعها، وسرعان ما أنهت حياتها بلدغة قاتلة. جاريتان كانا يقومان بخدمتها، لاقتا نفس المصير.

أعلن مجلس الشيوخ أوكتافيوس إمبراطورا لروما، وأخذ لقب أوغسطس. وأصبحت الفترة التي عاشها أوغسطس، تعرف بالعصر الأوغسطي. كانت تتميز بوجود العديد من الرجال المتعلمين والحكماء.

شعراء مثل: فيرجيل، هوراس، أوفيد، تيبولوس. ومؤرخون مثل: نيبوس، ليفي، سترابو، ديونيسيوس. وقد امتدت الامبراطورية الرومانية لتشمل تقريبا دول العالم القديم المعروفة آنذاك. وازدهرت الفنون والعلوم والحياة الرغدة في روما الامبراطورية.

من بين كل الأحداث التي تميز تلك الفترة، كان ميلاد المسيح.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World