علاقة التأريخ بالأنثروبولوجيا

عباس علي العلي
fail959@hotmail.com

2021 / 9 / 21

العلاقة التداخلية والمشتركة بين التأريخ والأنثروبولوجيا تبدا من نقطة مشتركة وهي دراسة الإنسان أحوالا وحياة أجتماعية وتركيباتها ودوره ودورها في الوجود، فالإنسان هذا الكائن الذي ما زال وعبر كل العلوم والمعارف يبحث بلا كلل ولا ملل عن نفسه بواسطة مجهر دقيق، فالعلمان ولدا من رحم واح مع علم الاجتماع وعلم النفس وجملة أخرى من العلوم الإنسانية والمعارف التي تخضع الإنسان لبحثها ودراساتها، لكن الأنثروبولوجيا ومعها علم الأثار وعلم الأجتماع إنفردا بقراءة الإنسان من زاوية محددة قد يكون علم التأريخ ينظر لها بمستوى أخر متصل بمفاهيمه أو بقوانينه، ولكن لكل منهم منهج وطرائق ومقولات وأساليب مختلفة هي التي أعطت الخصوصية لكل علم ليكون مميزا بها عن غيره.
فالأنثروبولوجيا تحديدا تعتنى بدراسة النظريات التي تتعلق بطبيعة المُجتمعات البشرية من حيث قوانينها التنظيمية والتكوينية، فإننا نستطيع أن نعتبرها من جهة أخرى من أقدم العلوم التي ولدت من دراسات علم التاريخ، إذ هي بدأت مع أقدم تأمّلات الإنسان حول تلكَ الموضوعات في محاولة الكشف عن الأسس التي قامت عليها حياتنا المعاصرة، وكيف نفهم هذا التطور التأريخي ونحدد توجهات وأتجاهات المستقبل لهذه العلاقات، وقد قسم علماء هذا التخصص في بريطانيا مثلا إلى أربعة أقسام رئيسية تكون بمجملها الإطار العام له، وهذه الأقسام هي :.


1. علم الإنسان الحيوي.
ويهتم هذا القسم بشكل مركز مع جملة من العلوم الأخرى دراسة ظهور الإنسان على الأرض كسلالةٍ مُتميزة، واكتسابه صفات خاصة كالسير منتصباً، والقدرة على استعمال اليدين، والقدرة على الكلام، وكبر الدماغ، ثم تدرس تطوره حياتيا، وتفسير وتعليل انتشاره على الأرض بمختلف تضاريسها واركانها، وتدرس السلالات البشرية القديمة وصفاتها الحيوية التي تميز سلالة عن أخرى والرابط بينها، وكذلك تدرس العناصر البشرية المُعاصرة وصفاتها وأوصافها الجسمّية المُختلفة وعلاقة كل ذلك في تطور السلالة البشرية خاصة والحيوانية عامة.
2. علم الإنسان الثقافي.
هذا الجانب من علم الأنثروبولوجيا يهتم بشكل أساسي بدراسة الإنسان ككائن مارس دوره كمفكر ومنتج للثقافة بصورتها العامة فنون وعلاقات وما أختاره أو اكتشفه عبر مسيرته الطويلة من وسائل دفاعية وطرائق بناء المنازل وأهتمامه بالفنون والزينة وما إلى ذلك من نشاطات تتعلق بجانب روحي فردي، كما تركز الأهتمام على الاتصال الحضاري بين المجتمع ومن يتصل بهِ من المجتمعات الأخرى وما يقتبسهُ منهم، من التطور الحضاري وتغير الاجتماعي متبادل.
3. علم الإنسان الأجتماعي.
وهذ الفرع من العلم الأنثروبولوجي ليس هو علم الأجتماع المعروف الأول يدرس التجمعات البشرية من طريقة بنائها وتركيبتها والعلاقات الاجتماعية السائدة والنظم الاجتماعية وتحليلها مثل العائلة والفخذ والعشيرة والقرابة والزواج، كما ويدرس الطبقات والطوائف الاجتماعية والنظم الاقتصادية، كالإنتاج والتوزيع والإستهلاك والمقايضة والنقود والنظم السياسية، كالقوانين والعقوبات والسلطة والحكومة والنظم العقائدية، كالسحر والدين، كما تدرس النسق الإيكولوجي لكل مجتمع حسب تنوعه الحضاري الرعوي والزراعي الريفي والبدوي والمدني والخ.
في حين تهدف دراسة علم الاجتماع إلى تفسير الأفعال والتفاعل المجتمعي بشكل عام، والبحث في أنماطها، فهو ليس علم قائم على التصحيح أو التبرئة أو الاستدانة، لأنه أقرب إلى الحيادية، غير مختص بإصدار الأحكام على التصرفات الفردية أو الجماعية.، وايضا يدرس علم الاجتماع الخصائص الإنسانية والسلوكية وطبيعة العلاقات على مدى العصور والمقارنة بين طبيعة العلاقات المجتمعية الحالية والقديمة وتفسيرها على مر التاريخ، وبالرغم من وجود بعض الأرتباطات بينهما وذلك يعزو لكون الأنثروبولوجي وعلم الاجتماع ولدا من علم التأريخ وعنه تفرعا، ويركز علم الاجتماع الحديث في دراساتهِ على الظواهر الاجتماعية الأكثر تقدماً، أي على مشكلاتِ المُجتمعات البشرية المعقدة والمتطورة معا.
4. الأنثروبولوجيا التطبيقية.
هذا الجانب المهم والأكثر تخصصا في الأنثروبولوجي هو الرؤية العملية والبحثية العلمية لوظيفته من ضمن سلسلة العلوم الإنسانية التي تهتم بالتطبيق أكثر من التنظير وإن كانت تتعكز عليه في تجاربها وتطبيقاتها، إن تطبيق المعرفة الأنثروبولوجية (فهم بنية المجتمع المحلي ودينامياته) التي تم أستخراجها عبر المعايشة، لاستخدامها في حل مشاكل المجتمع المحلي، إن التشخيص والتطبيق العملي لهذا الجانب المهم يتطلب منا حيادية تامة في التعاطي والممارسة، فهي وإن كانت تنطلق من وعي ذاتي – مجتمعي بالحاجات والمشاكل وتهدف لتحقيق تنمية عادلة، مما يعني ارتباطًا عضويًا وحقيقيا بين الأنثروبولوجيا كعلم والسياسة كفن إدارة، أي أن الأبحاث التطبيقية يمكن أن تؤسس لسياسات جديدة قائمة على البحث والتقرير العلمي مما يمنحها أي السياسات الكثير من الفاعلية الأجتماعية الموجهة بقوانين ذات خلفية تأريخية سيسلو جية مشتركة بمصداق عالي وحرفي.
لقد تطور نهج الانثروبولوجيا التطبيقية أو الانثروبولوجيا العملية Action anthropology في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية وظهور حاجة البلدان المتقدمة تقنياً إلى التدخل في سياسات الإدارة والتنمية في العالم الثالث، الأمر الذي ربط هذا الحقل بالتخطيط السياسي وعرض نهجه إلى انتقادات عديدة بوصفه امتدادا طبيعياً للاستعمار الجديد، أو وكأنه نوعاً من ممارسة العلاقات العامة في تكريس التبعية والتخلف والتغاضي عن المشكلات الحقيقة للجماعات المحلية، بما يخدم مصالح طبقة معينة أو الطبقة المسيطرة وتقليص الدور الحقيقي للسكان المحليين، وكانت التطبيقات الأنثروبولوجية المبكرة قد نمت في مجال الإدارة الاستعمارية أصلاً، الأمر الي أساء كثيراً إلى سمعة التدريب الانثروبولوجي وجهد الفعل التطبيقي لهذا الحقل، فقد استخدمت الانثروبولوجيا التطبيقية مبكراً في تحديد الزعامة المحلية وفي إدخال أنماط من الإدارة المحلية بما يقلص من التوترات بين الجماعات المختلفة في المجتمعات البدائية، ففي اندونيسيا على سبيل المثال تم تقنين القانون القبلي بحيث أصبحت القوانين تتلاءم مع الظروف المحلية وتختلف من قرية لأخرى .

بعد هذا الموجز السريع والفهم المختصر لعلم الأنثروبولوجي علينا أن نفهم الرابط العملي والمشترك البيني بينه وبين علم التأريخ، في الواقع هناك علاقة وثيقة بين التاريخ والأنثروبولوجيا التي إن قيل أنه تم العثور على الخلافات بينهما لفترة طويلة، ولكن كل شيء في هذا العالم يقدم تاريخًا حيث يتم حساب وجوده حسب عامل الوقت الذي هو مجال التأريخ وبيئته العلمية، إذا هناك حاجة ما إلى نوع من التحقيق التاريخي من أجل فهم العوامل وعمليات التغيير التي يهتم بها الأنثروبولوجي في دراساته وأبحاثه النظرية والتطبيقية.
وبما أن الإنسان هو موضوع بحث أنثروبولوجي بالنظر لتخصصه ومدار أهتمامه العلمي، ولكن هذا يقودنا إلى نتيجة مهمة وأساسية وهي أنه (لا يمكننا المضي قدمًا على الإطلاق دون النظر إلى البعد الزمني) أي لتأريخ الإنسان في الوجود، يهدف كلا النظامين إلى كشف النقاب عن الأحداث غير المستكشفة لحالة حياة الإنسان ككائن ذو نشاط حيوي جزء منه ذاتي وجزء أخر منه موضوعي، لكنهما يختلفان أيضا عن بعضهما في معالجة المشاكل الوجودية له من زاوية محددة، كل واحد منهم طور مبادئ منهجية خاصة به، فالتاريخ يهتم بشكل رئيسي بالأحداث وسيرورتها بالشكل الذي يهتم يعتني به، ويحسبون أي المؤرخون الأعمال والتفاعلات البشرية على مختلف أنماطها وأسسها وعلاقاتها العامة والخاصة، سواء في وجهات النظر الفردية (كائن وجودي واحد) والقيمة الجماعية له كمجتمع، بينما تهتم الأنثروبولوجيا في تحديد الثقافة والقيم والتطور البيولوجي من خلال تأريخه القديم والجديد.
فلكي نفهم سيرورة التأريخ لا بد أن نفهم بشكل علمي بحث مادة التأريخ وهو الإنسان، فلكي نصنع سيارة مثلا ليس المهم أن نتوفر على الألات والأدوات والحديد والنموذج بل علينا أن نفهم قبل ذلك بميكانيكية عمل ذه الألات وكيفية أستخدامها في التصنيع والتوظيف، ولكي نفهم تأريخ الإنسان علينا أيضا أن نفهم كيف يتفاعل الإنسان أصلا مع وجوده وكيف يوظف هذا الفهم ليكون صانع تأريخ، هذا المثال يوضح وبشكل مبسط أهمية الترابط بين التاريخ والأنثروبولوجي في البحث العلمي عن ماهية الوجود البشري وطريقة صيرورته ككائن مركزي في منظومة العلم والمعرفة، فدراسة الإنسان ككائن ثقافي واجتماعي وتاريخي لا يمكن أن تتم إلا من خلال انفتاح الأنثروبولوجين على تحليلات المؤرخين والتي تتناول مجموعة من القضايا المتعلقة بالمجتمعات الإنسانية ككل.
وعند العودة لدراسة المجتمع (فرد ومجتمع) من المؤكد أن دراستنا للظاهرة الإنسانية كحالة وجودية حقيقية لها خصائصها الذاتية أولا وقبل كل شيء، نجد أن هذه الظاهرة في حد ذاتها هي ظاهرة تاريخية لأنها وجدت وتطورت وتفاعلت وأنتجت وجودها ومن وجودها ما عرف بالتأريخ، تقوم الظاهرة الإنسانية على ثلاثة أسس وهي الزمان والإنسان والمكان، إذ لا يمكن تصور الفعل التاريخي للإنسان خارج عن هذه الأسس الموضوعية، فالزمن هو الذي يعطي للفعل الإنساني صفته التاريخية، أما المكان فهو المسرح الاجتماعي الذي تقوم فيه الأحداث وتتجسد عليه وفيه النتائج، أما الإنسان فهو محور كل شيء وهو صانع التاريخ بهذا المعنى.
ويمكننا ملاحظة أمتداد جذور العلاقة بين التاريخ والأنثروبولوجيا في تبلور وبروز أحد أهم فروع الأنثروبولوجيا وهي الأنثروبولوجيا التاريخية، وفي استخدام هذا الفرع ما يسمى بالمنهج التحليلي المقارن للوقائع التاريخية والأحداث والروابط وعلاقتها بالإنسان كمنتج لها ، لذا يعتبر هذا الفرع العلمي اليوم من أهم مناهج البحث العلمي للأنثروبولوجيا التطبيقية، لأنها تعمل على دراسة الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بصورة عامة لتستنبط منها ما يشبه القوانين أو السنن التي يمكن أن تكون عماد لفهمنا للحاضر والمستقبل.
التأريخ ومن خلال الأنثروبولوجي في دراسة ظاهرة أجتماعية محددة مثلا يمكننا أن نفهم لماذا تمكنت هذه الظاهرة من الأسنحكام على العقل الإنساني؟ وأستطاعت أن تقاوم مطلب التجدد والتطور، ولنأخذ مثلا قيم الدين أو الدين بمجمله كظاهرة إنسانية أجتماعية قدمت للوجود تحولات جذرية من جهة، كما ساهمت أيضا في تطويق الإنسان من أن يتخطى حدودها ليبقى أسير الشعور بالحاجة إلى التحرر من مفعولها وخاصة المصطنع والمزيف، هنا لا بد من العودة إلى الإنسان ذاته وفهمه لذاته في تفسير هذه الإشكالية المزدوجة، وقد يتعلق الأمر فعلاً بمقاربة تولي اهتمامها في المقام الأول لإنتاج للمعنى الذي يقوم الأفراد بإضفائه على أفعالهم، والذي يقوم على توجيه مصيرهم الاجتماعي، هذا هو المعنى الكامل لتعبير "الوصف المكثف" التي يتمثل في الإجابة عن السؤالين التاليين، ماذا يقول هؤلاء الأفراد عن أفعالهم؟ وكيف ينتجون المعنى؟.
في جواب الشق الأول من السؤال التأريخي الأول والمعني بفعل الدين لا بد للعودة أولا للجذر التأريخي لتكوين فكرة الدين، وكما وضحنا في المباحث السابقة من أن الدين في المجتمعات الأولى ولا أقول البدائية بمعناها الاصطلاحي الذي يشير إلى توصيف دوني، لم يكن هناك أثر للدين ولا شعور بحاجة له حتى ظهرت نزعة القوة في داخل نواة ذلك المجتمع المتمثل بالفرد القوي ذي التطلعات الأنانية، في ذلك المجتمع الأول كان الأفراد متساوون لحد التفاصيل الصغيرة، لم يكن هناك صراع ولا منافسة بل تقسيم عمل مشترك غايته وغاية العمل تأمين الوجود يوميا، لم تكن هناك فكرة المستقبل ولا حتى فكرة التطور، الكل ملزم بالدفاع عن الذات الجمعية التي تعني الأمان لهم.
كانت اللبنة الأولى لتطور المجتمع المشاعي نحو الدين برزت من خلال الفرد القوي الذي يملك مهارات جسدية الغير أعتيادية فرضت على المجتمع الذي تعيش فيه نوع من الفردية الخصوصية له، عندما تزعم المجموعة وبدأ في فرض عرفه وقانونه ورؤيته بأعتباره القوي الذي لا ينازع، فظهر داخل هذا المجتمع ما يطلق عليه بتسمية الطاعة والأنقياد لما يفعله ويقوله الزعيم القوي الفرد، حتى صارت هذه الظاهرة جذرا تأريخيا وعرفا أجتماعيا له، عندها ظهرت أول ملامح الدين بشكله المبسط في مجتمع أكتشف للتو ان القوة تلك لا يمكنها أن تكون عامة ولا متساوية عند كل أفراده، فهي إذا ميزة خارجة عن الطبيعي لديها وبالتالي يجب عليه أن يحترم تلك الميزة ويقدرها بالقدر الذي تستحكمه هو.
حتى مع غياب هذا القوي لم تذهب تلك الظاهرة بل أنتقلت للسلف كواحدة من قوانين المجتمع وتحوله إلى (رمز محترم) بغض النظر عن حدوث صراعات بينيه داخله للأستحواذ على نتائج تلك الظاهرة بشخص الرمز، إن تحول الظاهرة من أمر عارض وطارئ إلى قاعدة ثابته واحدة من كبريات عمل التحولات الكونية الأجتماعية في المجتمع والتي ساهمت لاحقا من خلال تراكم الأعتماد والأعتقاد بها إلى نشوء ظاهرة مختلفة عن الأولى وإن كانت الجذور واحدة، وبقى عقل الإنسان منشغلا بها ومترددا عليها مما دفع البعض من التقليد او الأنتساب لتلك القاعدة ومحاولة الحفاظ عليها لأنها تضيف للقوة الفردية قوة أخرى ومعنى أخر، معنى يتصل بكيفية السيطرة على المجتمع من خلال نتائج الظاهرة تلك، إن رسوخ التعامل بالطاعة والأنقياد للقوة (الرمز المعظم) أيا كان شكل القوة هو من أنشأ مفهوم الولاء والأنتماء في المجتمعات الأولى وحتى تلك المجتمعات التي حافظت على مرحلتها الزمنية لليوم.
تقول الأنثروبولوجيا التأريخية حقيقة ثابتة وهي كقاعدة عامة (يعبر الدين عن نفسه أولاً بواسطة الرموز)، فالرمز وكيف تكون؟ ولماذا تكون؟ ومتى تكون هي إجابات التأريخ المفسرة للظاهرة الدينية عندما نتابع ردات الفعل الفردية له عبر التأريخ ومنها نفهم كيف تحولت الرموز من مظهرها المجرد إلى كونها ممارسة أجتماعية تأريخية بأمتياز، ويحدث أيضا أن لا يعود لهذه الرموز تأثير يذكر على الواقع نتيجة لظهور رموز أقوى أو فشل الرمز ذاته على الإجابة الإنعكاسية لوجوده ودوره في تامين الإجابات اللاحقة، فقدرة هذه الرموز على التأثير مرتبطة بقدرتها على شد الإنسان لها طالما أنها قادرة على قيادته للولاء والأعتقاد بها، فتطور الظاهرة الدينية مرتبط أصلا بتطور الرموز ونضجها وما يمكنها من تأمين الأنقياد العقلي لها.
أن مقاربة التغيرات الدينية أو تطور الظاهرة الدينية في وعلى المجتمع الإنساني عموما وهذا الكلام يصلح حتى في دراسة المجتمعات الحالية بتطوراتها وظهور رمزية أكبر وشمولية عميقة فيه من خلال البحث التاريخي، لا يمكن أن يكون مثمرا إن نحن اكتفينا من جهة بنوع من النظرة الإجمالية العامة وكأنها نسق واحد بسيرورة متماثلة دوما، ونسينا من جهة ثانية استراتيجية الفاعلين (المؤمنين) لترجمة دور الظاهرة الدينية أو محاولة الحفاظ على مكاسبها التأريخية من خلال دعم فكرة الرمز وهم يشيرون بصورة خفية إلى تلك القوة التي خرج منه الرمز، والذي تحول وتطور عبر المسار التأريخي من فرد قوي لكل جماعة إلى فرد قوي فوق كل الجماعات، وهو ما يرمز له وحسب التطور التاريخي رب ثم إله ثم رب أرباب وإله الآلهة الفرد القوي فوق كل قوي، فمع تبدل الرمز الذي هو أصلا تبدل في مفهوم القوى تبدل المعني الأجمالي وبقى المعنى الخاص له، وهذا هو جواب السؤال الثاني الذي أرتبط به ونتج عنه.
إن عملية أنتاج المعنى وهو أختصاص علم الأنثروبولوجيا لا يمكن أكتشافه وفهمه وتحليله وفقا للسياقات المنهجية البحثية، إلا من خلال الدرس التأريخي ليقوم الأول بأستخراج نتائجه التطبيقية منها، فدراسة دور الظاهرة الدينية اليوم ومعالجات الإنسدادات التي تواجهها أو تفسير لتلك الإنسدادات تعتمد بالدرجة الأولى على ما يمكننا أستنباطه تفسيريا وتعليليا من خلال الفهم المشترك بين التاريخ وعلم الإنسان، وهذا ما يمنح العلاقة البينية أهمية خاصة لحل الإشكاليات المعاصرة التي يعيشها إنسان اليوم ومنها المعضلة الدينية التي تعصف بالعقل البشري من خلال تناقض البدايات الأولى له مع واقع تديني لا يتصل بتلك البدايات إلا من خلال الاسم والرمز.
هذا لا يعني أن الدين يجب أن يكون متوقفا على اللحظة الأولى لتكوينه وجامدا في حدود فهم الفاعلين الأوائل له، ونمنع عليه التطور والتجدد وهي سنة وجودية لكل المعارف والمكتسبات العقلية، ولكن المدان هنا هو التناقض بين تطور الدين من مرحلة التهذيب النفسي ومن خلال رمزه النبيل إلى تسويقه كمعزز للأنا الذاتية الفردية وتطلعاتها المتضايقة على حدودها فقط، وتحوله من مسار اجتماعي اصلاحي إلى بؤرة فساد وتخريب وقمع العقل الإنساني ليكون صانع تجديد متوافق مع تطور البشر اجتماعيا وتاريخيا وفقا للغاية الأولى، أي أننا نهدف ليس إلى تغيير المعنى بقدر ما نعمل على تجديد المعنى وتجديد طرائق أكتشاف المعنى الحقيقي للدين.
وللتوضيح يمكننا القول أن كل ما تبقى من اختلافات داخل المجتمع بسبب أختلال توازن الظاهرة الدينية وبروز أشكال جديدة من التدين، سببه امران الأول أفتراض أن الدين أصبح جزءاً من الماضي الذي لم يعد له وجود ويجب عزله في إطاره التأريخي فقط، بالرغم من أن الواقع لا يؤيد هذا الفرض ولا يستجيب له بشكل جدي، فوقعنا بتناقض البديل وأزمة البحث عن هوية أخرى وإشكالية المقدس (الرمز)، وهنا فسر الأمر على اعتبار أن الانخراط الجماهيري الكثيف في هذا التيار الديني المعاصر أو ما يسمى بالــ (السياديني) على أنه بحث عن بديل سياسي لسلطة مرفوضة، وكذلك نوع من الانجذاب القوي نحو عقيدة تتجلى في "صفائها وطهارتها" نظرا لطهارة وصفاء الرمز، وهذا التبرير والتفسير لا يمكن أن يكون صحيحا وجديا في معالجة الأزمة بقدر ما هو هروب من الإجابة والحل الصحيح لها.
أما الأمر الأخر والذي يقف في الجانب الأخر من التبرير الأول وهو أن الدين لم يعد ضروريا ومهما في معالجة الواقع واهتزاز التوازن الأجتماعي والتاريخي لتطور مسيرة الإنسان، والواجب الأكتفاء بما هو ضروري منه لبقاء القيم والأخلاقيات المثالية وترك الأخر أو تعديلها أو تبديلها بقيم وأحكام جديدة، الأمران كلاهما يقف خارج المعنى وفهم الظاهرة الدينية لأنهما يبتعدان عن السبب التأريخي لتكون ونشوء الأديان ودورها في تطور المجتمعات، ولكي نحصل على معنى جديد للظاهرة الدينية علينا ان نعود للجذر التأريخي الذي، للمعنى الأول للدين وننطلق من هناك في عملية التصحيح والتجديد، الدين كما قلنا هو وجه من وجوه القوة ومظهر من مظاهر وجودها، فطالما هناك باعث للشعور بالضعف تجاه هذه القوة التي لا يفهما الإنسان حدودها كما هي حقيقة يبقى منقادا لها بالشعور واللا شعور الباطني، فالإنسان حقيقة ما هو إلا عبدا للخوف وعندما يكتشف سر عبوديته ويعرف مصدر خوفه ويستكشفه، سيغادر سجن العبودية ويتحرر من أغلال القوة المسيطرة نحو التعامل معها كحقيقة معلومة لا كغيب مجهول.
هنا على العلمين التاريخ وعلم الإنسان ان يعملا معا لأجل هذا الهدف ليس بالحتم هو هزيمة الدين وتغيب الظاهرة الدينية، ولكن لأن الإنسان أصلا بكل معارفه وعلومه يتجه لهذا الهدف ويسعى لأكتشاف حدود وجوده ما يعني أكتشاف نفسه أولا، إن النزعات العقلانية والعلمانية والوطنية والتي صورت او ظهرت كند للظاهرة الدينية كمناقض تاريخي لها، وبصورة مختصرة هي تفسيرا لعملية فك السحر عن العالم أو هكذا اريد لها أن تكون، بأعتبار أن الدين هو (السحر الكبير) الذي أوهم الإنسان بأنه الطريق الوحيد لإيجاد الطمأنينة وتسكين الخوف في داخله، كان من نتائجها أن أدخلت على العلوم الاجتماعية نوعاً من الرفض في بقاء الدين بوصفه عنصرا مهيكلا ومهيمنا لعملية البحث عن المعنى.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World