قصص وحواديت من العالم القديم (17) بومبي- قيصر

محمد زكريا توفيق
zakariael@att.net

2021 / 9 / 18

الثلاثي الأول: بومبي، كراسوس، يوليوس قيصر.

عندما مات سيلا، كان هناك روماني آخر يصعد إلى أعلى المناصب. هذا هو يوليوس قيصر، الذي بدأ يظهر كقائد عسكري خلال ديكتاتورية سيلا.

روما كانت الآن في فوضى بسبب مشاجرات كبار رجالها، وكان بومبي وكراسوس، القنصلان، هما رؤساء الطرفين المتصارعين. لكن يوليوس قيصر، تجنب بذكاء ربط نفسه بأي منهما. وعن طريق محاولة التوفيق بينهما، اكتسب صداقة كل منهما. كانت روما تحكم بقناصلها.

بينما كان بومبي يقوم بغزوات في الخارج، كانت روما قد سقطت تقريبا في يد متآمر جريء. سيرجيوس كاتيلين، من طبقة الأرستقراطيين، أراد أن يرفع نفسه على حساب خراب بلده. وإذا أمكن، على حساب حرية روما وفقدها لنظامها الجمهوري. لقد كان شخصية تافهة، تطمح أن تكون قنصلا.

عندما خاب أمله، ولم تتحقق هذه الرغبة الملحة، وأُعطي شرف القنصلية للخطيب المفوه العظيم، سيسرو، لجأ كاتيلين لبعض الوسائل الأخرى الغير قانونية، طلبا للسلطة والسيطرة.

قرر كاتيلين، والحسد والكراهية يوغلان صدره، بتصفية خصمه جسديا، كأول خطوة في سبيل تقدمه السياسي. لذلك قام بتأجير فارسين لقتل سيسرو. وحرض كاسيوس بإشعال النار في المدينة، وسيثجوس بإقامة مذبحة للناس. ثم يأتي هو بعد ذلك على رأس القوات الأجنبية، لكي ينصب نفسه سيدا لروما. ومن لا يأتي بالذوق، يأتي بالعافية. هكذا كانت الخطة.

كان ماركوس توليوس سيسرو خطيبا مفوها، اشتهر ببلاغته بين الرومان بقدر ما كان ديموسثينيس من بين اليونانيين. في المرة الأولى التي تحدث فيها للعامة، كان في عامه السابع والعشرين، عندما دافع بنجاح عن الممثل الهزلي الشهير، روسيوس، ضد مرسوم سيلا القاسي.

اكتشف سيسرو النشيط واليقظ دوما، مؤامرة كاتيلين. امرأة ذكية تدعى فولفيا، أخبرته بالمؤامرة. علمت بها من صديقها، أحد المتآمين. سرعان ما اكتشفت كل أبعاد المؤامرة، وفر كاتيلين. المتآمرون الآخرون، تم القبض عليهم.

دار نقاش كبير بشأن هؤلاء المتآمرين. أوصى قيصر، باتخاذ تدابير رحيمة. ونصح الذين ينادون بالموت للمتآمرين، بأن يكونوا أكثر رحمة، لأن الموت يضع نهاية لكل شيء. من جانبه، يفضل هو السجن المؤبد.

لكن بيرسيوس كاتو، وهو روماني آخر مشهور وصارم وشديد المراس، بأن المتمردين يجب أن يعدموا. سيسرو والقنصل، كانا يؤيدان هذا الرأي. بعد ذلك تم خنق المتآمرين المقبوض عليهم على الفور. لقد قيل إن سيسرو، أحب بلاده، على أمل أن يحكمها يوما ما. لكن كاتو، كان يحبها أكثر من أي بلد آخر، لأنها أكثر حرية.

كان كاتيلين، مع الجيش الذي جمعه، يحاول عبور جبال الأبينين إلى بلاد الغال (فرنسا)، عندما سمع بإعدام رجاله. الأبينين، هي سلسلة جبال تمتد على طول شبه الجزيرة الإيطالية. لكن الجيش الروماني كان يلاحق هذا الرجل المتهور عن كثب، بقيادة ميتيلوس، وأجبر على الدخول في معركة.

كانت المعركة يائسة ودموية. كاتيلين وقواته قُطعوا أشلاء، ووجدت روما نفسها أكثر أمنا من قبل.

كان كاتو مسرورا جدا بسلوك سيسرو، وبالطريقة التي اكتشف بها المؤامرة، وحثه على معاقبة المتآمرين، لدرجة أنه أطلق عليه لقب "أبو بلده الروحي"، وهو اللقب الذي أكده الشعب بفرح.

دخل بومبي روما الآن بعد انتصاراته في آسيا الصغرى. وبعد فترة وجيزة تم اختياره، مع قيصر وكراسوس، لتشكيل أول ثلاثي للحكم، عام 60 ق م. ثم تزوج ابنة قيصر، وبالتالي بدا هؤلاء العظماء الثلاثة، متحدين بروابط خاصة وعامة.

كلوديوس، شاب أرستقراطي، أحب بومبيا، زوجة يوليوس قيصر. وكان يتشوق لدخول منزلها في ثوب مطربة موسيقية. سرعان ما اكتشف أمر كلوديوس، وطرد من المنزل.

عن هذا الحدث، بدأ اللغط والقيل والقال. وبدأت الناس تعرف أن بومبيا هي امرأة طائشة وزوجة غير مسؤولة. لذلك طلقها قيصر. وعندما سئل لماذا فعلت ذلك، أجاب: زوجة قيصر، يجب تكون فاضلة، وأن تظهر أيضا فاضلة". وهي جملة تستحق الملاحظة.

سيسرو، بعد أن هاجم قيصر، هرب من نفسه إلى اليونان، حيث بقي ستة عشر شهرا في المنفى. هناك، أعجب به الإغريق وكرموه.

بومبي بعد أن عاد، رحب به الرومان مرة أخرى بكل مظاهر التقدير والسرور. كان سيسرو تعيسا جدا أثناء نفيه، وكتب رسائل إلى زوجته تيرينتيا وأصدقائه، مليئة بالأشجان.

أول ثلاثية حكم من بومبي، كراسوس، وقيصر، كانت عام 60 ق م.

بريطانيا. يوليوس قيصر.

كان قيصر جنرالا عظيما ناجحا. غزا الغال مرارا وتكرارا، وانتصر أيضا على هيلفيتي. بلد جبلي بين فرنسا وإيطاليا، هي سويسرا الآن. كان الهلفيتيون رائعين لشجاعتهم وثباتهم في القتال.

كان يوليوس قيصر مسرورا جدا بشجاعة الهلفيتيين، وتحدث عنهم بإعجاب في تعليقاته. من هيلفيتيا (سويسرا) مر عبر بلاد الغال (فرنسا)، وجزء من ألمانيا، وكان يقهر كل ما يقع في طريقه.

عندما وصل إلى ساحل بلاد الغال، جذبت شواطئ ألبيون انتباهه. وقام بعبور المضيق الضيق، الذي يعرف الآن بمضيق دوفر. بريطانيا كانت معروفة منذ فترة طويلة.

اسم بريطانيا يأتي من كلمة بريت. وهو لقب كان يطلق على السكان، لأنهم كانوا يدهنون أجسامهم باللون الأزرق. وكلمة بريت بلغتهم، تعني أزرق.

اسم ألبيون يأتي من المنحدرات الطباشيرية البيضاء، التي تظهر على ساحل كينت، الساحل الأقرب إلى القارة، ويمكن رؤيتها بسهولة من بلاد الغال.

عندما حاول قيصر الهبوط على أرض بريطانيا، هاجمه السكان الأصليين بضراوة. وبعد إراقة الكثير من الدماء، أخضع جزءا من الجزيرة البريطانية.

بريطانيا في ذلك الوقت، كانت غير بريطانيا الآن. المزارع قليلة أو غير موجودة على الإطلاق. البيوت طينية منخفضة ومسقوفة بالقش. السكان نصف عرايا، يرتدون جزئيا ملابس من جلد الوحوش. يعملون بالصيد للغذاء والكساء.

لغتهم وعاداتهم وديانتهم، كانت تشبه تقريبا أقرب جيرانهم، الغال. كانوا يقاتلون بالهراوات والرماح، تلك الآلات الرهيبة التي أتى بها الرومان، ومنها العربات المثبت فيها مناجل على محاور العجلات.

كان كهنتهم (الدرويدس)، يأمون احتفالاتهم الدينية. والكاهنات يقومن بالتنجيم ومعرفة المستقبل. كانوا يقدمون ضحايا بشرية لآلهتهم. ولا شيء أكثر وحشية من سكان الجزر البريطانية هؤلاء.

قاد كاسيبيلونوس البريطانيين عندما غزا قيصر جزيرتهم. بعد قتال طويل بشجاعة، لكن بأسلحة غير متكافئة، خضعوا للغزو، وقدم قيصر لهم أفضل الشروط للاستسلام. منذ ذلك الوقت، لحوالي مائة عام قادمة، ظلت بريطانيا خاضعة بهدوء للرومان، الذين كانوا سعداء لامتلاك منطقة بعيدة عنهم، لا تثير القلاقل.

عاد قيصر إلى إيطاليا، ليقدم تقريرا بغزواته، واستمر في قيادته للغال والبلدان الشمالية. ثم عين بومبي حاكما لإسبانيا. لكنه كان يحكمها عن طريق مساعديه، متظاهرا أنه لا يستطيع مغادرة روما. وعين كراسوس حاكما لسوريا. في عام 53 ق م، قتل كراسوس، وتم تقسيم سلطاته بين بومبي وقيصر.

كان كراسوس، قائدا رومانيا في سوريا. أرسل له قيصر، من بلاد الغال، تعزيزا من ألف رجل، تحت قيادة ابن كراسوس. هذا المحارب الشاب تميز كثيرا في حرب، سوف يقوم بها والده بعد فترة وجيزة.

في معركة عنيفة، أصيب الابن مرارا بجروح، وقتل جميع الجنود الخاضعين لقيادته وقطعوا أشلاء تقريبا. صديقان، كانا معه، نصحاه بالفرار من ميدان المعركة وإنقاذ حياته. لكن بعد أن طلب منهما الاعتناء بأنفسهما، هتف قائلا: "لن يدفعني الخوف من الموت إلى التخلي عن رجالي الشجعان، الذين ماتوا من أجلي." ثم أقنع أحد زملائه بطعنه.

بعد فترة ليست بالطويلة، قتل الأب كراسوس في اشتباك مع هؤلاء البرابرة. البارتيان، كانوا رائعين في استخدام أسهمهم ببراعة، حتى عندما كانوا يهربون من العدو.

غزا يوليوس قيصر بريطانيا لأول مرة عام 55 ق م.

معركة فارساليا:

لقد مات كراسوس. يوليوس قيصر كان في بلاد الغال (فرنسا). بومبي كان في روما. قيصر يبغي المزيد من السلطة، ويا حبذا لو استطاع أن يسود وحده روما. لذلك استقال من سلطته، وكان يود أن يفعل بومبي نفس الشيء. كانت بعض النزاعات قد نشأت بينهما.

كان قيصر يستعد للعودة إلى إيطاليا مع جيشه، لكي يفرض سيطرته بالسيف. جوليا، ابنة قيصر، وزوجة بومبي، كانت قد ماتت. بينما كانت تعيش، حافظت على مظهر الود، على الأقل، بين والدها وزوجها. ولكن بعد موتها، أصبحت الخصومة بين قيصر وبومبي معلنة.

عندما سمع مجلس الشيوخ عن نوايا قيصر، أصدروا قانونا، يقول أي جنرال، لديه قواته وأسلحته، يعبر نهر روبيكون (يفصل بلاد الغال وإيطاليا) دون إجازتهم، يصبح متمردا وخائنا.

وبالرغم من ذلك، تحدث قيصر ببلاغة إلى جنوده، الذين وافقوا على السير معه أينما يذهب. ثم تقدم واقترب من حدود إيطاليا. وفي فجر أحد الأيام، وجد نفسه وجيشه على ضفاف نهر روبيكون.

هنا توقف قيصر قليلا. بدأ يفكر في حجم مشروعه وخطورته. نظر إلى المياه تتدفق في النهر في صمت رهيب، وهو يتأمل المخاطر التي قد تجلبها عودته بجيشه إلى روما.

ثم، انتقل إلى أحد جنرالاته قائلا: "إذا عبرت هذا النهر، كم من الكوارث قد أسببها لروما؟، وإن لم أفعل، لن أنجز مهمتي". ثم حث حصانه على الغوص في الماء وعبور النهر، مناديا: "إلى الموت". ولسان حاله يقول: "لقد عبرت النهر في تحد للقانون، والأسوأ أنني ذاهب الآن إلى روما". بعد ذلك، تبعته قواته بحماس.

كانت روما في حالة ذعر قصوى عند سماعها بقدوم قيصر. بومبي، كان مدركا أنه لا يستطيع مجابهة قيصر، فتراجع إلى كابوا. وبعد أن دخل قيصر روما منتصرا، ذهب لمواجهة بومبي.

لكن بومبي كان قد تراجع إلى اليونان، وأخيرا إلى فارساليا، وهي مدينة في مقدونيا. هناك دارت معركة يائسة بينه وبين قيصر، انتصر فيها قيصر. ثم هرب بومبي بحياته فقط.

عندما كان قيصر يطارد بومبي في اليونان، كان قيصر على ظهر سفينة صغيرة. وإذا بعاصفة عاتية جعلت القبطان يأمر بإلقاء المجاديف جانبا، وترك السفينة تحت رحمة الرياح العاتية والأمواج العالية.

قيصر كان متخفيا في هيئة عبد يخدم الجيش. فقام بالكشف عن شخصيته للقبطان المندهش، وطلب منه بالتجديف قائلا: "لا تخافوا شيئا، لديك قيصر وثروته على متن السفينة". مما شجع القبطان والبحارة على بذل قصارا جهدهم، حتى وصل قيصر بسلام إلى الساحل وسط جنوده المبتهجين.

كان شعار المعركة من جانب بومبي هو "هرقل الذي لا يقهر"، وشعار قيصر هو "فينوس المنتصر". عندما نظر قيصر إلى جيش خصمه، المكون من مواطنيه، وهم ملقين قتلى في ميدان المعركة، شعر بندم وحزن بالغ.

سارع بومبي من معسكره إلى جزيرة ليسبوس، حيث ترك زوجته كورنيليا. كان اللقاء حزينا. فقد سقطت كورنيليا تبكي بين ذراعي بومبي، وهو يحتضنها في صمت.

عرض سكان ليسبوس على المصابين والفارين ملاذا في جزيرتهم. لكن بومبي نصحهم بالتصالح مع قيصر، قائلا: "قيصر هو عدوي، لكنني أشهد على رحمته وإنسانيته".

بعد رفض شعب رودس استفاضتهم، عقد الهاربون العزم على طلب حماية بطليموس، ملك مصر. كان بطليموس آنذاك صبي صغير. لكن وزرائه اتبعوا سلوكا مؤسفا تجاه بومبي. أرسلوا قاربا لاستقباله من السفينة، وكورنيليا زوجته بقلب ينبض بالقلق، رأت زوجها ينزل إلى القارب. ثم شاهدت بعيون مجهدة، عملية اغتياله الدموية.

قبيل وصول القارب إلى الشاطئ، نهض بومبي من مقعده، وكان على وشك النزول من القارب، عندما طعن في ظهره وهو متكئا على ذراع خادمه. في اللحظة التي شعر فيها أنه طعن في مقتل، عرف أن موته أمر لا مفر منه. لذا، لف رأسه برداءه، ودون كلمة لوم، أو آهة من المعاناة، أستسلم لمصيره.

قطعت رأسه. وقام عبده المحرر بإحراق جثته. ثم وضعت علامة على المكان تقول: "هذا هو من تستحق مزاياه أن يبنى له معبدا، لا يمكن العثور على قبره".

تم إنقاذ كورنيليا، وعاشت لكي تدفن رماد جثة زوجها في مقاطعته الخاصة في إيطاليا. بومبي كان فقط 59 سنة، قتل في يوم عيد ميلاده.

معركة فارساليا، التي تركت قيصر دون منافس، كانت عام 48 ق م.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World