قصص وحواديت من العالم القديم (16) ماريوس وسيلا الرهيب

محمد زكريا توفيق
zakariael@att.net

2021 / 9 / 16

الجراشوس. جوجورثا ماريوس. سينا:

أضحى الرومان أقوياء جدا. لقد دمروا قرطاجة في أفريقيا، وكورينث وآخيا في اليونان. مقدونيا كانت تحت حكمهم أيضا. اليونان بكاملها، تحت اسم أخيا، تم تحويلها إلى مقاطعة رومانية.

لقد أخذ مارسيلوس سيراكيوز في صقلية، كما رأينا من قبل. وقدمت أنطاكية في تركيا تنازلات كبيرة لروما. وكان لمجلس الشيوخ الروماني تأثير واسع في مصر. كما أن الرومان قد كسبوا العديد من المعارك في إسبانيا والغال. لذلك، شعروا بقوتهم المتزايدة. في الواقع، تاريخ روما في هذه الفترة هو تاريخ العالم.

تغلب شعب نومانتين، وهو شعب إسباني، على الرومان في معركة، بعد وقت قصير من تدمير قرطاجة. بعد ثلاث أو أربع سنوات من هذه الهزيمة، استولى الرومان على نومنتيا، وهي أفضل وأكبر مدينة في إسبانيا.

لكي يتجنب السكان الوقوع في أيدي الغزاة، أضرموا النار في مدينتهم، وكانوا يلقون بأنفسهم ليهلكوا في لهيبها. وهكذا أصبحت إسبانيا مقاطعة رومانية.

لكن، بينما كانت روما ناجحة في الحرب، كانت سمعتها الداخلية في تدهور. بسبب الفروق الاجتماعية بين الأغنياء أو النبلاء، وباقي عامة الشعب (بليبيان). إلا أن هذه الخلافات قد تم إثارتها بسبب جايوس جراشوس وأخيه تيبيريوس.

كورنيليا، ابنة سيبيو أفريكانوس، الذي انتصر على هانيبال، تُركت أرملة لديها ولدان. حدث أن جاءت سيدة ذات مرة لزيارتها، وكانت تتفاخر بجواهرها الثمينة.

بعد أن أرت مجوهراتها لكورنيليا، طلبت رؤية مجوهراتها هي الأخرى. انتظرت كورنيليا حتى جاء أبناؤها من المدرسة، وبعد ذلك، قدمتهم إلى ضيفتها، وقالت: "ها هي، سيدتي، جواهري!"


أراد ابنها الأكبر، تيبيريوس، مساعدة الفقراء والمساكين. كسب بذلك عداء جميع الأغنياء. في اجتماع عام، صادف أن وضع يده على رأسه، فاتهمه الذين تمنوا سقوطه، أنه يريد إثارة الشغب. ثم قتلوه عام 133 ق م. بعد وفاة تيبيريوس، وضع المواطنون شقيقه الأصغر جايوس فوق رؤوسهم. كان جايوس جراشوس يبلغ من العمر 21 عاما فقط في هذا الوقت، وعاش حياة طبيعية حتى التقاعد.

ومع ذلك، قام بالعديد من الأعمال الجيدة، وتسبب في سن العديد من القوانين الممتازة. كان معتدلا وبسيطا في طعامه ولباسه، لكن نشيطا وكادحا. حبه واحترامه لوالدته كان رائعا.

بناء على طلبها، سحب قانونا كان يرغب كثيرا في تمريره. نصب تمثالا لذكرى والدته، عليه هذا النقش: "كورنيليا، أم الجراشوس؛" تحية كبيرة للوالدين وأولادهما.

فقد جايوس حياته في نزاع بين الشعب وأعضاء مجلس الشيوخ. فهو لم يعادي أي شخص، ولكن كونه صديقا حميما للشعب الكادح، جعله عرضة للتصفية.

كان قد وصل إلى بستان صغير، عندما رأى أعداءه يقتربون منه. كان يرافقه خادمه المخلص. حاول انقاذ سيده والدفاع عنه، ولكن دون فائدة. وعندما فشل في ذلك، قتل الخادم نفسه. حدث ذلك عام 121 ق م.

تحملت كورنيليا هذه المحن بصبر عظيم. أحبت أن تتحدث عن والدها وأبنائها. وقد أدى سلوكها الفاضل إلى مقولة بلوتارخ المثيرة للإعجاب: "عندما تتعرض الفضيلة للبلاء والقهر، تظل فضيلة ولا تفقد قيمتها أبدا". أو كما نقول نحن بالبلدي: "إن دبل الورد، ريحته فيه".

بيرجاموس، مدينة كبيرة في آسيا الصغرى، جلبت الآن تحت نير الرومان. هناك، أصبحت الناس مولعة بالثروة والسلطة. لدرجة أن جوجورثا، ملك نوميديا في شمال أفريقيا، بعد أن رشاهم إلى حد كبير، نظر إلى روما، وهتف: "أوه، روما! متى تبيعين نفسك؟ وهل هناك من يستطيع شرائك؟".

هذا يعني أنه، متى كانت الناس مولعة بالثروة والسلطة، فيمكن رشوة أي شخص، وشراء أي شيء حتى لو كان روما نفسها.

كان جوجورثا، حفيد ماسينيسا، هو الملك النوميدي الذي قاتل ضد قرطاجة في زمن هانيبال. وقد عومل معاملة قاسية من قبل الرومان، الذين عرضوا عليه، بعد بعض الخلافات، شروطا مجحفة.

أو بالأحرى أرسلوا له أوامر، بنفس الشدة التي أصدروها للقرطاجيين الذين تعرضوا لسوء المعاملة من قبل. بأن يتخلى عن أفيلته وأسلحته. وأن يدفع دية كبيرة، ويطلق سجناءه.

لكن، عندما طلب منه أن يسلم نفسه أسيرا، ويذهب إلى روما للمحاكمة كمجرم، قاوم. كما يجب أن يفعله أي شخص في مكانه. بعد ذلك، غزاه ماريوس، وحمله إلى روما، وأجبر على السير في طابور الأسرى، ثم وضع في السجن. وبأمر من مجلس الشيوخ، منع عنه الطعام حتى مات جوعا عام 105 ق م. ما رأيك إذن في الرومان، الذين كانوا يعشقون الإهانة والقسوة؟

كايوس ماريوس، الذي هزم جوجورثا في نوميديا، جدير ببعض الانتباه. ولد لوالدين فقيرين. وقح الأخلاق، طويل القامة، قوي، جبان. الطاعة العمياء، هي الواجب الأول للجندي، قال انه يمارسها إلى درجة الكمال، لجذب الانتباه وللحصول على الثناء.

تدرج من رتبته المتواضعة إلى أن صار قائدا عاما لجيوش روما. كان في وقت ما حاميها، وفي وقت آخر آفتها. نفس الحظ الذي واتاه، هو نفس الحظ الذي يصادف من يكرسون أنفسهم كلية لمآثر العسكرية.

بعد أن نحى أعداء روما جانبا، وبعد أن وضع المدينة في حرب أهلية، اضطر إلى الفرار، حيث أصبح طريدا هائما، وانتهى به الأمر إلى النفي وسط أحراش مينتورنو في إيطاليا.

كان يعرف عواقب الطموح المفرط. وخوفا من أن يكتشف مكانه، كان يقضي ليلته، غاطسا في مستنقع حتى ذقنه في الأرض الرطبة. وبالرغم من ذلك، تم اكتشاف مكانه، في الصباح، بينما كان يتابع رحلته الانفرادية. عاري وملطخ بالقذارة، وضعت حلقة وحبل في رقبته، واقتيد إلى أقرب سجن.

تم إرسال عبد لكي يأتي به. لكن نظراته الشرسة ومظهره الوحشي أرعبا البائس المسكين، لدرجة أنه لم يجرؤ على الاقتراب منه. حاكم البلدة، فسر خوف العبد من كايوس ماريوس على أنه نذير بأنه لا ينبغي أن يموت. وبالفعل، أطلق سراحه وأعاده إلى الحرية.

ثم هرب ماريوس من إيطاليا، وهبط على أفريقيا، حيث جلس وسط أنقاض قرطاجة. لكن، أمره بروتو بترك المكان، وهو الرجل الذي كان قد خدم تحت قيادته سابقا. فهتف ضد جحود البشرية.

دافع سينا باقتدار عن ماريوس داخل مجلس الشيوخ. وهكذا وجد ماريوس نفسه مرة أخرى جنرالا لجيش قوي. روما الآن كانت ممزقة بسبب الشقاق المدني. وكان سيلا، صديق الحزب الارستقراطي، في آسيا الصغرى بعيدا.

هكذا، دخل سينا وماريوس المدينة منتصرين: وكلاهما أعيد إلى مراكزهما السابقة. سينا كقنصل وماريوس كقائد عسكري. لكن، هرع هذا الوحش الشرس الأخير، الذي كان يرأس مجموعة من الجنود، عبر شوارع روما، وذبح كل من كان يخشاه أو يكرهه، دون شفقة أو ندم.

ثم نصب نفسه قنصلا، واستمر قنصلا سبع مرات. لكن توفي بعد شهرين تشبعت بالدم والانتقام، عن عمر سبعين عاما، خلال فترة القنصلية السابعة له. ويعتقد أن وفاته نجمت عن طموحه وعواطفه العنيفة الأخرى، التي سارعت به إلى القبر، عام 86 ق م.

قد يبدو أنه وقع ضحية لتلك الرغبات غير المحكومة، التي تبغي المجد والشهرة بأي ثمن.

أفلاطون، كما يقول بلوتارخ، عندما حضره الموت، هنأ نفسه لأنه رجل وليس امرأة. وأنه ولد يونانيا وليس بربريا. وأنه عاصر الكاتب المسرحي سوفوكليس. لكن ما الذي يمكن أن يتباهى به ماريوس؟

على الرغم من أنه ولد رجلا، إلا أنه تصرف بضراوة غاشمة. وبالرغم من أنه قد أصبح مشهورا، إلا أنه مشهور بالجريمة. السلطة لا يجب أن تطلب، إلا كوسيلة للصالح العام. ومن الأفضل ألا نذكر على الإطلاق، على أن نذكر لمساوئنا.

لقي سينا حتفه عندما كان يركض بين جنوده، عندما كان ماريوس يحاول إخماد تمرد الجنود. كان سينا من عائلة نبيلة. لكنه، على أمل الحصول على السلطة والشهرة، بدأ حياته المهنية من خلال معارضة سيلا. وتوفي عام 84 ق م.

اندلعت الحرب الأهلية في روما بين سيلا وماريوس، عندما أعلن سيلا نفسه سيدا للمدينة عام 88 ق م.

سيلا:

لوسيوس كورنيليوس سيلا، هو خصم لماريوس، وهو الأرستقراطي بالولادة، كان يعمل في البداية قسطورا لماريوس، وهي رتبة وظيفية، ثم ذهب معه إلى أفريقيا.

كان يُعتبر جنديا جيدا. لكنه استخدم الرشوة لكي يتم انتخابه برايتور، وهي وظيفة قاض أقل درجة من درجة القنصل الروماني. قال مرة بغضب لضابط استفزه، "سأستخدم سلطتي ضدك."، ضحك الضابط وأجاب: "هي حقا سلطتك، لأنك قد اشتريتها".

كان سيلا قد هزم ميتريديتيس، ملك بونتوس، في آسيا الصغرى جنوب البحر الأسود، وكان عائدا لإنقاذ روما من طغيان ماريوس، عندما مات ذلك المحارب الشرس.

تشاجر هذان الرومانيان أولا، قبل اندلاع الحرب الرهيبة التي شنتها روما ضد بعض الدول الكونفدرالية. كلاهما حارب في هذه الحرب ضد العدو المشترك، ولكن عندما عاد السلام بسبب مجهودات سيلا، ازدادت كراهية وحسد ماريوس.

أثناء شغب في مدينة روما، عندما كان بومبي صغيرا، كاد سيلا أن يفقد حياته. استفزه اختيار ماريوس لكي يقوم بشن الحرب الميتريداتية في آسيا الصغرى، لدرجة أنه أسرع إلى الجيش، وحرضه على السير ضد روما.

أرسل المواطنون من يسترضي سيلا. وعده المرسال بمنحه كل ما يريد. ولكن، عندما غادر حامل الرسالة، دفع سيلا بقواته إلى الأمام، ودخل روما غازيا، وساعد بيديه على إشعال النار فيها.

كان يحكمه الانتقام والغضب، لم يعد يشعر بأية قيمة إنسانية تربطه بالجنس البشري، أو يتصرف كإنسان سوي. ثم أصدر حكما بإعدام ماريوس وآخرين، ولم ينقذ ماريوس من الموت سوى الهرب والفكاك.

أثينا كانت محاصرة، ثم أخذت من قبل سيلا. سفك جنوده الكثير من الدماء البشرية، يقال إنها غطت السوق وتدفقت الدماء إلى الشوارع في مجرى كالنهر. بعد العديد من الفتوحات الأخرى، عاد إلى روما، لكي يسلك سلوكا مرعبا هناك.

جمع ستة آلاف شخص، كانوا معارضين لمصالحه الخاصة. وضعهم في فناء السيرك، وقام بذبحهم جميعا بدم بارد من قبل جنوده. صرخات هذه المخلوقات البائسة، سمعها أعضاء مجلس الشيوخ. فأبلغهم سيلا، أنها صرخات بعض المجرمين، يستحقون العقاب.

بعد هذه البداية الدموية، لم يمض يوم دون إسالة الدماء. لذلك، سمي بدون تردد سيلا الرهيب. لم يقتل الآباء النبلاء فحسب، بل كان يصادر ممتلكاتهم، ويسئ لسمعة أبنائهم.

الأزواج كانوا يذبحون وهم في أحضان زوجاتهم. والأبناء وهم في أحضان أمهاتهم! كل هذا من أجل ماذا؟ لكي يحكم سيلا بسلطة مطلقة، وفي أمان من المعارضين.

في مدينة برينسيت، الإيطالية، تم تجميع اثني عشر ألف شخص، وقام بتقطيعهم إلى أشلاء. ولا يمكنني الاستمرار في وصف مثل هذه المجازر. لكن، كيف سقطت روما من علياها وفضائلها، ووصل بها الحال إلى هذا الحضيض؟

الرذائل المفرطة، يأتي معها عقابها الخاص. كان سيلا منتفخا جدا بفخر. بدأ يكرس جل وقته لمتعة الأكل والشرب والملذات الحسية، بكل حماقة وكل استهتار. لدرجة أن جسده بدأ يعاني.

اندلعت الدمامل الكبيرة في كل أجزاء جسمه. وكانت تنفجر لكي تخرج منها حشرات صغيرة زاحفة. مما أجبره على التقاعد من الحياة العامة. بالرغم من أنه تم اختياره بعد أن استخدم نفوذه، ديكتاتورا دائما، إلا أنه تخلى عن منصبه، ولم يعد قادرا على التمتع به. ثم تقاعد من كل مناصبه، لكي يعيش في الريف.

هناك زادت معاناته جدا، لدرجة أن الحياة أصبحت عبئا ثقيلا بالنسبة له. في أحد الأيام، تحدث بصوت عال وعنيف، وأمر بخنق القسطور إيرانيوس، ثم فتح خراجا في جسمه. وبعد أن قضى ساعات عديدة، يعاني من آلام مبرحة، قضى نحبه عام 78 ق م.

تم تقاعد سيلا الرهيب، عندما تم تعيينه ديكتاتورا دائما، عام 82 ق م. بعد عشر سنوات من هذا التقاعد، غزا لكولوس ميتريداتيس. وعند وفاة ذلك الملك، عام 63 ق م، أصبحت بونتوس مقاطعة رومانية. خلال هذه الفترة من الجمهورية الرومانية، كان يتم كل عام، غزو وإضافة دول وأراض جديدة.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World