جدلية العلاقة ما بين الوطنية والأمن الإنساني

ليلى موسى
leyla.siwar@gmail.com

2021 / 9 / 14

كثيراً ما تتبع السلطات والدول استراتيجيات طويلة الأمد، استراتيجيات تكون مئوية في بعض الأحيان، استراتيجيات تشمل كافة مناحي الأمنية والعسكرية السياسية والاقتصادية والتعليمية.....إلخ.
مع تسخير ميزانيات وطاقات بشرية هائلة لتنفيذ تلك الاستراتيجيات، متبعين أدوات ووسائل وتكتيكات شتى، لتهيئة المجتمعات وتشكيل الحاضنة الاجتماعية، ومن أجل قبول تلك الاستراتيجيات دون عوائق وعراقيل تحول دون تطبيقها عبر تعبئة الجماهير ايديولوجياً وفكرياً مستهدفين اياهم بكافة الوسائل الإعلامية المسموعة منها والمرئية والمقروءة وعبر مناهج مؤدلجة ودورات فكرية وثقافية لإقناعهم بأنها تساهم بالدرجة الأولى في خدمة الوطن والشعب.
والتي من المفترض أن تساهم في بناء الأوطان وازدهارها وتقدمها، ولكن على العكس تماماً يوماً بعض يوم تغوص مجتمعات اتباع تلك الاستراتيجيات في مستنقع التناقضات والتي غالباً ما تنتهي بمشاكل وأزمات مستعصية، مختلفة أثارها التدميرية يمتد تداعياتها لعقود من الزمن.
السؤال الذي يطرح نفسه، هل الخلل يمكن في بنية تلك الاستراتيجيات، أم في التطبيق؟
بالرغم في الكثير من الأحيان تطبيق تلك الاستراتيجيات تؤمن حالة أمن واستقرار شبه مطلق، وتقلل حالات الجرائم والجنايات إلى أدنى مستويات، وتحقق قفزة نوعية في بعض المجالات الاقتصادية، ولكنها تفتقد إلى تحقيق الأمن والطمأنينة النفسية لأبنائها مترافقة مع تراجع اجتماعي وأخلاقي وفكري وإبداعي وانعدام الثقة وحياة شاحبة.
هذه الاستراتيجيات التي توضع بحنكة ودراية لغايات وأهداف محددة خدمة لفئات وشريحة معينة في المجتمعات، وهذا ما لم يتحقق إلا عبر آلة العنف والاستبداد ومجتمع مستبعد، لذا يزداد الهوة يوماً بعد يوم بين طبقات المجتمع، مع تأكل واضح للطبقة الوسطى، التي تشكل خطاً دفاعياً وسداً منيعاً أمام انهيار المجتمع، وتزايد حجم الطبقة الفقيرة.
استراتيجيات تستند إلى سياسة التجويع واركاع الشعوب، سياسة تقتل الطموح والأهداف العليا، وتعمل على إبقاء الإنسان ضمن إطار تأمين احتياجاته الأولية، ومحور تفكيره تأمين لقمة العيش والبقاء على قيد الحياة.
سياسة تزرع في العقول بأن الدولة والجيش ملكاً للطبقة الحاكمة أو مختزلة بالشخص الحاكم، سياسة تزرع في العقول بأن مساحة ملكك وانتماءك تختصر ضمن إطار المنزل ورصيف أمام باب المنزل لذا يجب الا نستغرب حين نجد مواطناً يهتم بنظافة بيته والرصيف فقط لا يعير اهتماماً بنظافة بلده، سياسة تزرع الرعب والخوف وفقدان الأمان على مبدأ "الحياط لها آذان".
كل ذلك كان كفيل بخلق شخصيات نمطية، اجترارية، ذو أفق فكرية وثقافية ضيقة، تعيش أقصى درجات الاغتراب في أوطانها.
استراتيجيات وضعت لتحقيق الأمن الاقتصادي، والمائي، والسياسي، والعسكري......إلخ، إلا أنها كانت تخلو من تحقيق الأمن الإنساني وهي الحلقة الأولى والأهم في ضمان وتحقيق ما تبقى من مجالات الأمن.
فسوريا على سبيل المثال كانت من الدول قل نظيرها من ناحية الأمن والاستقرار التي كانت تتمتع بها، بينما كانت تمارس الجرائم والفساد والسرقات من قبل من يتمتعون بالحصانة وفئات من السلطة الحاكمة أو حاشيتها.
وكانت من بين الدول تتميز لفترة من الفترات بوجود فئة بسيطة ممن يعيشون تحت خط الفقر، كان من الممكن تفاديها أم الآن فقط تجاوزت 80% ممن يعيشون تحت خط الفقر، مع ذلك كانت تعيش أعلى دراجات من التناقضات بسبب قبضتها الأمنية واستراتيجياتها التي كانت تخلو من الوطنية والأمن الإنساني.
وخير دليل على ذلك بعد اندلاع الأزمة السورية وجدنا ولاءات وانتماءات للشخصيات والعشائر والفصائل والدول، مع وجود شريحة لا بأس بها تميزت بالانتماء الوطني.
طبعاً هنا بكل تأكيد لا نقلل من أهمية الشخصيات والعشائر والعائلات بل على العكس كان من المفترض بأن يوحد هذا الغنى والتنوع الانتماء الوطني.
ففي الغالب يرجع ضعف الانتماء الوطني إلى واقع الأمن الإنساني، وباعتقادنا هناك علاقة جدلية وثيقة ما بين الوطنية والأمن الإنساني.
كلما تضمنت الاستراتيجيات مشاريع وأولت الاهتمام بالأمن الإنساني كلما كانت هناك روابط وطنية وثيقة تزيد من الانتماء الوطني والارتباط مع الأوطان.
فالأمن الإنساني يبدأ من تأمين احتياجاته الغرائزية البيولوجية الأولية إلى الأمنية وتوفر الفرص وأخرها التقدير الاجتماعي.
يضمن للإنسان الاستمرارية بالبقاء على قيد الحياة، حياة مليئة بالطمأنينة والتمتع بالحقوق والحريات، مجتمع يوفر له مكانة اجتماعية يضمن له الاحترام والتقدير والكرامة.
لكن ما تعيشه غالبية المجتمعات الشرق الأوسطية، وكسوريين على وجه الخصوص، لم يكن الوطن بالنسبة لهم سوى سجن مفتوح سجن قيد حرية التفكير والرأي وحقوق مسلوبة، يدار بقضبة من الحديد والنار، مواطن يخشى الحديث بحرية هو داخل بيته على مبدأ "الحيان لها آذان".
فأي استراتيجية لا توضع الأمن الإنساني في مقدمة أجنداتها، ستكون هشة وضعيفة ومنبع لخلق الأزمات وتدمير البلدان والإنسان والعالم، وتهديداً للسلم والأمن الدوليين والحياة مليئة بالأمثلة.
كالمرتزقة السوريين الذين تحولوا إلى فوبيا تخشاهم البشرية جمعاء على سبيل المثال وليس الحصر.
لذا، فبناء الأوطان وتماسكها وازدهارها ورفاهيتها الاقتصادية وتقدمها العلمي، يبدأ من بناء الإنسان عبر توفير منظومة تضمن وتحقق له الأمن الإنساني.
بيئة يعيش فيها المواطن بحالة طمأنينة نفسية، يستطيع التفكير والتحدث بصوتٍ عاليٍ، معبراً عن وجهات نظره وآراءه، بيئة تمنحه الشعور بأن جزء منها والعكس صحيح يعيش أعلى درجات الوئام والتأقلم معها، بيئة توفر له تناغم وانسجام بين العواطف والعقل محقق استقراراً نفسياً. ومحققة بذلك توفيراً للوقت والجهد والإمكانيات يعود بالفائدة للجميع.
حينها نستطيع القول بأن تلك المجتمعات لها مستقبل ويكتب لها ولمحيطها الإقليمي حتى الدولي النجاح والرفاهية.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World