قصص وحواديت من العالم القديم (15) قرطاجة

محمد زكريا توفيق
zakariael@att.net

2021 / 9 / 14

ارشميدس. فيلوبمين. بيرسيوس:

بعد سنوات قليلة من معركة كاناي، فرض مارسيلوس حصارا على سيراكيوز. وبالرغم من الآلات الجهنمية التي اخترعها ارشميدس للدفاع عن المدينة، إلا أن مارسيلوس دخلها منتصرا.

يستخدم الجنود الآن البنادق والمدافع المشحونة بالبارود والقنابل. لكن البارود هو اختراع حديث تماما، ولم يكن معروفا من قبل. كان الجنود يحاربون بالسيوف والرماح والسهام والهراوات.

عند مهاجمة المدن، كان يتم بناء آلات كبيرة لضرب المنازل والجدران، وقذف الحجارة الكبيرة على العدو. أرشميدس، من سيراكيوز، كان ذكيا بشكل ملحوظ. قام باختراع مثل هذه الآلات الضاربة، وغيرها من الأسلحة الهجومية والدفاعية.

كان على صلة قرابة ب هييرو الثاني. وهو ملك سيراكيوز العاقل. أرشميدس هو الذي قال: "إذا كانت لديه نقطة ارتكاز ثابتة، يمكنه تحريك العالم". عن طريق استخدام الروافع.

هييرو الثاني. كان على علاقة طيبة مع الرومان. ولكن، بعد وفاته، جاء حفيده، هيرونيموس. وكان شابا أخرق، مكروه من شعبه. مما تسبب في قتله في مؤامرة. تبع ذلك، عدة متاعب، أغرت الرومان بالسيطرة على سيراكيوز عام 212 ق م.

كان مارسيلوس على علم بقدرات أرشميدس. وعندما أخذ مدينة سيراكيوز، طلب إحضار أرشميدس في أمان. أثناء أخذ المدينة، كان هذا الفيلسوف منغمسا في حل بعض المسائل، لدرجة أنه لم يكن على علم بما حدث.

هرع جندي إليه لكي يأتي به، فطلب منه أرشميدس أن ينتظر لحظة، حتى يكمل حل المسألة، التي كان قد خطها على الرمال. لم يفهم الجندي ما قاله أرشميدس، واعتقد أنه يرفض الامتثال، فعالجه بسيفه وقتله على الفور. لقد نكب مارسيلوس، وشعر بكآبة، عند سماعه بهذا الحادث.

بعد عامين من أخذ سيراكيوز من قبل مارسيلوس، تم اختيار فيلوبمين، وهو رجل مثير للإعجاب، قائدا للأخينيين. وهم رابطة مكونة من اثني عشر مدينة صغيرة يونانية للدفاع المشترك، تحت اسم رابطة أخينيا. لكنهم فقدوا حريتهم بعد ذلك، وحكمهم الطغاة.

عندما كان بيرهوس يقاتل وينتقل من مكان لآخر، استعادت هذه المدن الصغيرة حريتها، وتوحدت مرة أخرى تحت لقبها القديم. لقيادة قوات هذه المدن، تم اختيار فيلوبمين.

لقد لطخ فيلوبمين سمعته بسلوكه تجاه الاسبارطيين. فقد قتل عددا منهم بقسوة، عندما استولى على المدينة وهدم أسوارها وجدرانها، وأخضع الناس للأخينيين.

لكن شاءت الأقدار أن يعاني فيلوبمين هو أيضا، ويدفع ثمن ظلمه. لأنه، في السبعين من عمره، تم أسره، عندما كان يحاصر ميسينا. كان الميسينيون مسرورين للغاية لأسر هذا الرجل الذي أذاقهم الأمرين.

لدرجة أنهم سحبوه مكبلا بالسلاسل إلى المسرح العام، لكي تشاهده الحشود وتشفي غليلها. أثناء الليل، وضع في زنزانة، ثم قدم له السجان جرعة من السم. استلم الكأس بهدوء، وبعد أن سمع أن معظم أصدقائه قد هربوا وولوا الأدبار، قال: “ليس كلنا سيئ الحظ تماما؛" وبعد أن شرب الجرعة القاتلة دون تردد، رقد لكي يموت، عام 183 ق م.

شخصية أخرى تستحق الذكر، كانت تعيش في هذا الوقت، هو بيرسيوس، ملك مقدونيا. ابن فيليب، والد الاسكندر الأكبر، وهو محارب عظيم وطموح مثل والده.

لم يجعل بيرسيوس والده فخورا به، لأنه كان غيورا من أخيه ديمتريوس، الذي، بالرغم من كونه يصغره بخمس سنوات، كان محبوبا جدا من قبل الناس. مما جعل بيرسيوس يكرهه ويحقد عليه.

بسبب ذلك، أقنع بيرسيوس والده فيليب أن ديمتريوس يميل إلى الرومان، الذين عاش معهم سنوات عديدة كرهينة. هكذا ألهب بدهاء شعور الملك بالكامل ضد أخيه، لدرجة أنه أمر بخنق ديمتريوس.

بعد فوات الأوان، اكتشف فيليب زيف ادعاء بيرسيوس، ومات مكسور القلب لقسوته على ابنه ديمتريوس، الشاب الفاضل.

ثم أصبح بيرسيوس ملكا، وحاول اقناع الأخينيين بالانضمام إليه سرا ضد الرومان. وبعد فترة وجيزة، أعلن عن نواياه العدائية. كان في بعض الأحيان هو الفاتح الغازي، وأحيان أخرى هو المهزوم.

ثم هزم من قبل باولوس أميليوس الروماني في بيدنا، ووقع أسيرا هو وجميع أفراد أسرته. ثم تم نقلهم جميعا إلى روما، لكي يمشوا في طابور الأسرى. فقام بيرسيوس بالإضراب عن الطعام حتى الموت. وأصبحت مقدونيا منذ ذلك الحين مقاطعة رومانية.

أرشميدس توفى عام 212 ق م.
فيلوبمين توفى عام 183 ق م.
بيرسيوس توفى عام 167 ق م.

الحرب البونيقية الثالثة. تدمير قرطاجة:

بعد ما يقرب من نصف قرن من السلام، تورطت روما وقرطاجة في الحرب البونيقية الثالثة والأخيرة. استمرت أربع سنوات فقط، وانتهت بتدمير قرطاجة بالكامل.

أصبحت روما دولة قوية جدا. اكتسبت مناطق واسعة، وازدادت جشعا للسيطرة على أراض جديدة. وكلما غزت وقهرت، زادت رغبتها في الغزو والقهر.

لقد حدث أن ماسينيسا، ملك نوميديا، كان يرغب في امتلاك إقليما يعتبره القرطاجيون إقليما خاصا بهم، لذلك تصدروا للقوات الغازية. هنا وجد الرومان، ذريعة لمهاجمة القرطاجيين.

لقد كانت روما غيورة جدا من تنامي ثروة وقوة قرطاجة. لذلك، اعتبرت هذه الأحداث خرقا لمعاهدة السلام بينهما. لأن ماسينيسا، كما قالوا، كان من حلفاء روما. وبدأوا في التحضير للحرب.

لقد عانى القرطاجيون بشدة من الحروب السابقة، وكانوا مرعوبين من فكرة التورط مرة أخرى في حرب مع الرومان الفخورين بأنفسهم والناجحين في غزواتهم.

لذلك عرضوا على روما تسوية الأمور بينهما وديا. لكن لم يقدم مجلس الشيوخ الروماني إجابة حاسمة. أعضاء مثل كاتو وناسيكا، نسيب أفريكانوس، كانا يناقشان أمجاد روما، بدلا من مناقشة عدالة القضية وقضية السلام.

صوت كاتو للحرب، ثم أعلنت الحرب بعد ذلك بوقت قصير. حاولت قرطاجة للمرة الثانية تجنب الحرب، لكن العروض التي قدمتها روما كانت مخجلة حتى للرومان أنفسهم.

لقد طلب من القرطاجيين الامتثال الكامل والطاعة العمياء. وأن يرسلوا إلى روما 300 رهينة، ضمانا لحسن سلوكهم في المستقبل. أعطى القرطاجيون الوعد بالامتثال، وأرسلوا 300 من شبابهم كرهائن.

ثم أمروا بعد ذلك بتسليم كل أسلحتهم. وهو الأمر الذي فعله القرطاجيون أملا في السلام. وأصبحوا الآن بدون سلاح، ولهم 300 رهينة عند الرومان. لم يكتف الرومان بذلك، بل طلبوا من القرطاجيين ترك مدينتهم الحبيبة وإخلائها، لكي يتم تدميرها ومساواتها بالأرض.

لكن القرطاجيين شعروا بالمهانة والإذلال عند سماعهم هذا الطلب الوقح الأخير. لقد وجدوا أنهم قد أخطأوا في فهمهم للشخصية الرومانية. فهي شخصية، قد تملكها الغرور والغطرسة، وشوهها النجاح والانتصارات الحربية، ولم تعد تؤمن بالعدل والقيم الإنسانية.

قرر القرطاجيون بالإجماع، ما داموا لا يستطيعون إنقاذ مدينتهم، أنهم سيموتون معها. لكن، بعد أن سلموا أسلحتهم، وثلاثمائة من شبابهم، لم يكن في استطاعتهم تحقيق رغباتهم. ولن يمكنهم هزيمة قوة مسلحة رومانية وهم بدون أسلحة.

ويا ليت قوة أبدانهم، كانت كافية لإنقاذ مدينتهم، والإطاحة بالغزاة. لكن ما فعله الرومان في مدينة قرطاجة، هو نقطة سوداء في تاريخهم، ويعتبر وصمة عار في جبين كل روماني.

القرطاجيون بذلوا كل ما في وسعهم لمقابلة العدو بشجاعة. نساؤهم قطعن ضفائر شعورهن الطويلة الجميلة لكي تستخدم كأوتار للأقواس. أخرجوا ما لديهم من ذهب وفضة، ليتم تحويلها إلى أسلحة. لأن هذه كانت المعادن الوحيدة التي تبقت معهم. الحديد في مثل هذه المواقف، يكون أكثر قيمة من الذهب.

ذهل الرومان من شدة المقاومة التي واجهوها. في كثير من الأحيان، كان يتم صدهم عند أسوار المدينة. مما تسبب في قتل العديد من الجنود الرومان في الهجمات المختلفة.

في الواقع، يعتقد أن قرطاجة لم تكن لتسقط في يد الرومان، لو لم يذهب أحد القواد الخونة إلى العدو، ليلتحق به ضد مواطنيه. بعد خيانة هذا البائس لشعبه، انخفضت بسرعة الروح المعنوية للقرطاجيين، وفترت عزيمتهم للقتال.

قطع سيبيو أوميليانوس خطوط إمدادهم بالطعام، وأغلق الطريق إلى البحر. لكن المواطنون المثابرون حفروا ممرا جديدا إلى البحر. ثم هاجم القائد الروماني الجنود المتمركزين عند الأسوار، مما تسبب في قتل 70 ألف رجل، وأسر 10 آلاف. ثم اخترق الأسوار ودخل المدينة. وقام بحرق المنازل والمعابد والمباني العامة، بغضب وعشوائية.

أسدروبال، الجنرال القرطاجي، سلم نفسه والقلعة إلى الغزاة. لكن زوجته وأطفاله، مع أعداد من المواطنين، أضرموا النار في المعابد، وهرعوا إليها لكي يلقوا حتفهم فيها وهي مشتعلة.

هكذا دمرت المدينة، التي كانت في يوم من الأيام من أجمل مدن البحر المتوسط. إلى الدرجة التي يتعذر معها تحديد مكانها الآن. كان محيطها 24 ميلا، ظلت مشتعلة بالحرائق مدة 17 يوما. كل المدن التي كانت تصادق قرطاجة، لقت نفس المصير. وقام الرومان بتوزيع هذه الأراضي على أصدقائهم.

هكذا سقطت قرطاجة، ومع سقوطها انتهت الحرب البونيقية الثالثة، عام 146 ق م. كورينث، واحدة من أجمل المدن اليونانية، دمرت في العام نفسه، من قبل موميوس، القنصل الروماني.

إن مصير قرطاجة هو تحذير لجميع البلدان التي تتطلع للحرية، وخصوصا شعوبنا المنكوبة، بأن لا تقدم تنازلات لا مبرر لها. لو بدأ القرطاجيون بالقتال منذ البداية، لتمكنوا من إنقاذ مدينتهم على الأرجح



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World