الجريمة والعبث

سعود سالم
saoudsalem@sfr.fr

2021 / 9 / 14

عن العبث والحرية
٧٩ - حياة الغريب ميرسو

ميرسو موظف في أحد المكاتب في مدينة الجزائر يكتشف وفاة والدته بواسطة تلغراف يصله ذات يوم. والرواية تبدأ هكذا بثلاث جمل قصيرة مقتضبة " اليوم، ماتت أمي. وربما أمس. لا أدري". وهذة اللاأدري توحي بأنه لا يظهر أيا من مشاعر الأسى أوالحزن كما هو متوقع عندما نتلقى مثل هذه الأخبار. لقد كان قد وضع والدته في مأوى للعجزة منذ ثلاثة سنوات في منطقة تسمى مارانجو Marengo، وحاليا تسمى "حجوط" في ولاية تيبازة، على بعد ٨٤ كيلومترا من الجزائر( وليس ٢٤ كما قرأت في أحد التراجم العربية ). ويأخذ الباص ليذهب إلى مارنجو ليشرف على مراسم الدفن، وعندما سُئل إذا ما كان يريد رؤية جثمانها، أجابهم بأنه لا داعي لذلك. ويقضي الليلة كلها في حجرة عارية من الأثاث يحدق في التابوت الذي يحوي والدته، محاطا بمجموعة من العجائز من معارف والدته والذين رافقوها في إقامتهم في هذا المأوى في السنوات الأخيرة. وفي صباح اليوم التالي يذهب للمقبرة تحت شمس حارقة ليواريها التراب، ثم يذهب مباشرة لمحطة الباص للعودة، ويشعر بالفرح عندما يرى أضواء المدينة وبأن غذا هو يوم السبت وبأنه يستطيع أن ينام إثنا عشرة ساعة متواصلة.
في اليوم التالي ذهب إلى المسبح للسباحة حيث يلتقي بماري، موظفة سابقة - طباعة dactylo - في الشركة التي يعمل بها، والتي غابت عنه منذ زمن. فسبحا معا وفي المساء يذهبان للسينما لمشاهدة فيلم فكاهي لفيرنانديل Fernandel، ثم يعودان لشقته ليقضيا الليلة معا، وأصبحت ماري عشيقته منذ هذا الوقت. وفي اليوم التالي يلتقي ميرسو بجاره الساكن في الطابق الأعلى فوق شقته " ريمون سينتس Raymond Sintès" الذي يدعوه لشرب كأس من النبيذ وأكل شيء ما. ريمون هذا كان ملاكما فيما مضى، وحكي له قصة عراكه مع أحد العرب ـ وهو كما يبدو أخ لعشيقته التي تزوره من حين لأخر. ويطلب من ميرسو أن يساعده في تحرير رسالة يدعو فيها المرأة للحضور لشقة ريمون حتى يتمكن من الإنتقام منها، لأنه منذ فترة بدأت الشكوك تساوره عن خيانتها له وأنها تستغل كرمه. ويكتب ميرسو الرسالة - باسم ريمون - بدون إهتمام وهو شبه غائب عن الوعي بسبب ما شربه من نبيذ، متضمنة دعوة لزيارته، كي تتاح الفرصة لريموند لتأنيبها وإعطائها درسا، ومن ثم يبصق في وجهها عند آخر لحظة، في صورة من صور الانتقام لمشاعره. وبعد عدة أيام، بينما كان ميرسو في السرير مع ماري، سمع صوت هرج ومرج في شقة ريمون التي فوق شقته مباشرة، فصعد مسرعا ليكتشف أن هذا الأخير كان يضرب المرأة بعنف وهي تصرخ وتولول. يبدو أن خطة الرسالة قد نجحت، وعادت عشيقة ريمون لزيارته لكن الوضع توتر وحدث عراك بينهما وتصاعدت أصواتهم، وازداد الطين بلة عندما صفعت المرأة ريمون عند محاولته لطردها، لكن ريمون رد الصفعة باللكمات، فأخذ بضربها حتى جائت الشرطة وأنقذت المسكينة من براثنه. ويرافق ميرسو جاره ريمون إلى مركز الشرطة كشاهد على أن المرأة -التي لم يسمها كامو سوى بأنها مورية - une Maure - بأنها لم تكن مخلصة لعشيقها الذي كان يحميها ويساندها ماليا ويدفع أجرة سكنها. وأطلق سراح ريمون بناء على شهادة ميرسو. ولكي يشكره على مساندته ووقوفه بجانبه يدعوه هو وماري لقضاء يوم الأحد المقبل على شاطئ البحر في كوخ أحد أصدقاء زوجته المسمى ماسون Masson الواقع على الشاطيء.
وبعد الغذاء المبكر، خرج الرفاق الثلاثة للتمشي على الشاطيء بينما بقيت ماري وزوجة ماسون في البيت لغسل الصحون وترتيب المطبخ كما هي العادة في هذا الزمان. وعلى الشاطيء يلتقون بأخ عشيقة ريمون الذي يبدو أنه كان بدوره يتمشى مع شخص آخر يرافقه. ويحدث شجار بينهم، ويصاب ريمون بجرح في ذراعه ووجهه بسبب طعنة سكين طائشة أثناء العراك. ميرسو لا يتدخل في الشجار، لكنه يرافق ريمون الذي أخذه ماسون إلى المستشفى لتضميد جراحه. ويبدو أن ريمون قد شعر بنوع من الإهانة أمام رفيقيه، وكان عليه بطريقة ما أن يثبت رجولته أمامهم، فأخذ مسدسا وخرج مرة أخرى إلى الشاطيئ باحثا عن العربيين. ويصلون إلى منطقة بعيدة نسبيا عن البيت حيث توجد صخرة كبيرة ورائها ما يشبه الجرف ومنبع للماء مما يجعل المكان ظليلا وباردا مقارنة بالشمس القوية والرمال الساخنة. وهنا كان العربيين مستلقيان على ظهرهما في الظل وأحدهما يلعب بالناي وكأنهما خارج العالم الملتهب على الشاطيء، وكأن وجودهما ذاته إستفزازا لريمون الذي أخرج فورا مسدسه من جيبه. غير أن ميرسو انتزعه منه قائلا بأنه عليه أن يواجهه بسلاح متكافيء - رجل مع رجل - ولا داعي لقتل غريمه، ولينتظر إن أخرج احدهما سكينه فإنه سيطلق عليه النار. غير أن العربيين ما أن شاهدا الثلاثة رفاق والمسدس حتى نهضا وابتعدا مسرعين. وشعر ريمون بنوع من الراحة، وهروبهما يثبت خوفهما منه، وبذلك انتقم لنفسه بطريقة ما.
وعاد الثلاثة إلى البيت الذي كان بعيدا بعد الشيء عن المكان الصخري. وبينما كان ريمون وماسون يتسلقان الدرجات القليلة للسلم الخشبي المؤدي إلى البيت، بقي ميرسو مترددا أمام الدرجة الأولى، مترنحا بفعل حرارة الشمس غير قادر على رفع قدمه وتسلق الدرجات القليلة حتى داخل البيت، غير قادر على مواجهة ماري وزوجة ماسون وتحمل تساؤلاتهما، غير أن حرارة الشمس القائضة كانت من القوة بحيث لم يكن بإمكانه البقاء واقفا دون حراك. وعاد على عقبيه إلى الشاطيء متوجها دون إرادة حقيقية وبطريقة أوتوماتيكية إلى الصخرة الجرفية، وفي داخله رغبة ملحة للظل ولصوت المنبع البارد ورغبة للإستلقاء وإغماض عينيه. وعندما وصل وراء الصخرة، أكتشف أن العربي، أخ المرأة عشيقة ريمون، قد عاد إلى مكانه واستلقى من جديد في الظل وحيدا هذه المرة. وما أن رأى ميرسو، وحيدا بدوره حتى نهض قليلا ووضع يده في جيبه. ولاحظ ميرسو أن هناك نوعا من البخار الخفيف يتصاعد من ملابس العمل الزرقاء التي يرتديها ناتجة عن شدة الحرارة. وفكر ميرسو بأنه ما عليه سوى أن يعود من حيث أتى ويترك العربي في شأنه، غير أنه لم يتمكن من الحراك وبقي جامدا ويده في جيبه هو الآخر. وتحرك العربي قليلا وأخرج من جيبه سكينا بدا يلمع تحت وهج الشمس وأحس ميرسو كأنه سيف ساخن يقترب من جبهته، وكان العرق يتصبب من جبينه وينسكب في عينيه، لم يعد يعي سوى أشعة الشمس الحارقة ونورها الساطع، ودون وعي أخرج ميرسو المسدس من جيبه وأطلق رصاصة في جسد الشاب العربي وأرداه قتيلا، وبعد لحظات أطلق أربعة رصاصات متوالية على الجسد الميت. وأدرك ميرسو أنه كسر " توازن اليوم " بخمسة رصاصات في جسد رجل لا يعرفه وليس له به أية علاقة.

يتبع



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World