موندراما.. القراد.. عباس منعثر

عباس منعثر
abbasmuna1971@gmail.com

2021 / 9 / 10

مونودراما .. القراد

(مكتبة مرصوصة بالكتب. شاب وسيم، يشبه الأديب، يحمل مسجل صوت صغير-ريكوردر- ويجلس على كرسي متواضع. الأديب الكبير واقف قرب رفّ الكتب ويرتدي التوكسيدو. يتحرّك بثقة كاملة ووقار؛ لكن قد تصدر عنه أحياناً حركات غير متوّقعة كما يحدث مع أيّ عبقري)
الأديب:
قبل كلّ شيء، إشربْ قهوتَك. هل أنتَ على ما يرام؟ أنا بصراحة توّقفتُ عن إجراءِ اللقاءاتِ الصّحفيةِ والتلفزيونية بعد حصولي على جائزةِ نوبل منذ 10 سنوات. لأنّ الأسئلةَ أصبحتْ تافهةً جداً، ودنيئة. بل تقودُها مؤامرةٌ ماسونيةٌ قذرة. هناك من يُحرّضُ الصّحفيين والإعلاميين على تحطيمي. (الشّاب يميد في مكانه). أنا أمقتُ الأسئلةَ التقليدية؛ بل لا أُحبُّ الأسئلةَ على الإطلاق. السّؤال بابُ الجهل. لم يُطلَقْ سؤالٌ قطّ إلا وسوءُ النيةِ تكبسُ على الزّناد. لذلك سأستطردُ وأتركُ لكَ المجالَ أن تستفسرَ إنْ لَزِمَ الأمر.
(الأديب يتحسس رفّ الكتب)
معظمُ هذه الكتب هدايا من مُعجبينَ ومُعجبات. ستأخذُ معكَ بعضَها بعدَ المقابلة. إقرأها أو لا تقرأها، سيّان. لكن كُتُبي، إحفظْها. أراكَ مرتبكاً بعضَ الشيء. طبيعي. مُشاهدةُ الأسطورةِ تُذهلُ اليافعين؛ فما بالُكَ بلقائه. خُذ في بالك، إخترتُكَ من بين عشراتِ المتقدّمين لإجراءِ المقابلة بعد التأكدِ من موهبتِكَ ودعمِ العائلةِ الكريمةِ لك. وسببُ موافقتي على هذهِ المقابلةِ كي أوّضحَ المُلتبِسَ وأُخرسَ الألسُن. فلم أعدْ أحتمل. (يُسقط مجموعة من الكتب) لم أعدْ أحتمل تلكَ الإشاعاتِ وسيلَ الإتهاماتِ والتشكيكَ المستمّر. (الشّاب يعيد الكتب السّاقطة عند قدميه إلى الرّف). إنني أضرطُ عليهم. نعم أضرط. ولتوضيحِ الأمرِ بالصّوتِ والصّورة (ينحني باتجاه الشّاب ويصدر صوتاً عالياً من مؤخرته) هذا هو ردّي باختصارٍ كامل. بالطبع لن يهزّوا شعرةً من مَفْرِقي. فقطيعُ البُعرانِ يواصلُ السّيرَ رَغماً عن نُباحِ الكلاب. ما أراهُ من حقدٍ وضغينةٍ يُزيدني سعادةً. فعلاً. أنا مُغتبط، مُنشرح، في نشوةٍ هائلة! (الأديب يعدّل ربطة العنق) إنها تطحنُ أرواحَهم بقسوةٍ كلُّ لحظةٍ جديدةٍ من نجاحاتي: كُتُبي تُرجمتْ الى 70 لغة حتى الآن، أحصدُ الجوائز كما تجزُّ الحاصدةُ سنابلَ القمحِ الناضج، أُدعى الى كافةِ مهرجاناتِ العالم؛ بينما يقبعونَ في النسيانِ مثلَ قضيبِ العبدِ المخصي!
(الأديب يخلع سترته)
الصّيفُ عدو الحياء! سأفصّلُ في كافةِ الإتهاماتِ وأفحمُها بجملةٍ واحدة. سأبدأُ من التاريخ الواضح الجلّي، وما سأسردُهُ تبيانٌ للحقيقةِ لا أكثر. (الشّاب يعدّل جلسته). يقولون أنني كنتُ أُمجّدُ بالطّاغيةِ وأَسبَحُ في خيراتِهِ، ويتساءلونَ بخبثٍ عن المناصبِ الرّفيعةِ التي حصلتُ عليها قبلَ سقوطِ الديكتاتور وبعدَ سقوطِهِ. يتناسونَ أنهم كانوا يُلّمعونَ حذائي بألسنتِهم ويُكيلونَ لي المدائح. (يكاد الريكوردر يقع من يد الشاب، فيسنده بيده الثانية). المشكلةُ كما هي دائماً: أنا أسعى؛ هم يتسلّقون. أنا أربح؛ هم يخسرون. ليس ذنبي أنهم أولاد منكوحة يعتاشونَ على النميمةِ والدّسائس. إستحضرْ لي إسمَ مثقفٍ واحدٍ ما عدا متحدّث هذه السّطور لا يعرّصُ على أهلِهِ أو أفكارِه. كلّهم قوّادونَ لو أُتيحتْ لهم الفرصة. لكن قلْ لي أولاً من هم المثقفون؟ أليسوا خدّاماً عندَ كلّ سلطة؟ من هم المثقفون؟ شلّةٌ من العفطية، يمارسونَ الّلواط مع بعضهم ويتبادلونَ الزّوجات. سُكارى عربيدون أصليون. سلبَهم اللهُ الشّرفَ والرّجولة. صارت الرّيحُ شرقاً هبّوا إلى أقصى الشّرق؛ ذهبتْ شمالاً تذاهبوا إلى أقصى الشّمال. أنانيونَ طبّالونَ على الوحدة ونص. بلا موهبة؛ فقط إستعراضٌ وتمثيل. والحقيقةُ باختصار أنني على العكسِ من تصوراتِهم: لم أستطعْ أن أتيحَ للتفاهةِ أن تغلّفَ حضوري، مما أفقدَني لذّةَ الزّيتِ في الماكنة. (الشّاب يحول الريكوردر إلى يده الأخرى). أيها السّفلة! لو بحثتُم في ضميري الآن فلن تجدوا ذرّةً من ندمٍ أو تأنيبِ ضمير، مهما تباكيتُم على عددِ الضحايا جرّاءَ التقارير التي كنتُ أكتبُها عن أصدقائي كما تدّعون. ولو كانَ لي أن أستعيدَ حياتي من جديد؛ لما فعلتُ أقلَّ مما فعلت.. هل تسمعون؟!
(يخلع ربطة العنق)
هناك ما يُقلقُكَ؟ إطمئن. وإحلَمْ بمستقبلٍ لامع. (الشّاب يومئ برأسه). لم أكنْ أخافُ من أيّ منافس؛ على العكس، كنتُ أَمدّ يدي إلى من يطلبُ المساعدةَ، وكان بيتي مفتوحاً للجميع. فيما يخصُّ بيتي، أنا رجلٌ عصامي. في أيامِ الديكتاتورية لم أكنْ أملكُ بيتاً. صعبٌ في ذلكَ الزّمن أن تحصلَ على وظيفةٍ من غير شهادةٍ أو واسطة. بل لم أكنْ أملكُ ثمنَ الشّاي في مقهى رخيص. ثم بجهدٍ وعرقٍ وسهر، وخلالَ أقلّ من سنتين إنتقلتُ الى قصري في العاصمة وتقلّدتُ المناصب.. المناصبَ التي لم تكنْ من غيرِ ثمن، ثمنٍ فادحٍ إلى أبعد حدّ!
(الأديب يضع يده على كتف الشّاب)
يقولونَ أنني كنتُ أبتزُّ الشّبابَ والنساءَ خاصةً الجميلات، ومن ترفضُ أُحاربُها حتى تقبلَ أو تختفي. ها قد جلسَ في مكانِكَ عشراتُ الآنساتِ بكاملِ ثيابهن، وأصبحنَ قاماتٍ إعلاميةٍ سامقة. وأنت كذلك. مصيرُكَ مثل مصيرِهنّ كما أتوقع. هل تمَّ إبتزازهنّ؟ هل تمّ إبتزازُك؟ (الشّاب يهمّ بالرّد، يمنعه الأديب) أرأيت؟! يَتهمونني أنني أبٌ غيرُ شرعيّ لعشراتِ اللّقَطاء. لم يستثنوا السّيدةَ والدتَكَ من ذلك. هراء! كنتُ أستخدمُ الفلاش بحذر، ولا يخلو جيبي من حبوبِ مَنعِ الحملِ إطلاقاً. أعلمُ ما يدورُ في الوسط الأدبي. أيّ جميلة، مهما كان غباؤها؛ بل بسببِ غبائها، ستصبحُ سافو. سافو شاعرة إغريقية عبقرية. أُنظر، هذا ديوانُها. وسرُّ النجاحِ واضح: أن تنامَ مع أكبر عددٍ من المُتنفذينَ والنقّادِ ورؤوساءِ التحريرِ وبائعي الصّحف. حينها، سيتوّقدُ إسمُها في سماءِ الكتابةِ كمصباح في غرفةٍ مظلمة. سواءٌ في ذلك الذّكور والإناث. برأيهم، جميعُ من يدخلُ عالمَ الأدبِ داعرٌ رجلاً كانَ أو إمرأة. لن تجدَ أديبةً واحدةً على الكرةِ الأرضية تنجو من كونِها ساقطةً بالسرّ أو بالعلن. ليسَ الآن فحسب، بل منذُ سافو حتى لحظةِ النطقِ بهذهِ السّطور. السّيدةُ والدتُكَ كانت تعلمُ بذلك. حينما وجدوا أن إسمَها قد علا ولمعتْ في سماءِ الإبداع ذهبوا مباشرةً الى أن أحداً ضاجعَها وكتبَ لها. لذلكَ إنتحرت. وإذا لاحظوا أنّ فلاناً قد بزغَ خمّنوا أنهُ حليفٌ لديكتاتور أو ناقصُ تعليم أو نشّالُ نصوص.
(الأديب يفتح زراً من قميصه)
بالنسبةِ لي، لم أستغلّ موقعي أبداً لا من أجلِ جميلةٍ ولا بسببِ نزوة، ولم أُمارس الإنتقامَ من عاهرٍ أو عاهرةٍ تحتَ أيّ ذريعة؛ اللّهم إلا من لا تملِكُ الموهبة، فهي وباءٌ كامل. لا موهبةَ ولا جمال، لماذا هي إمرأةٌ إذن؟! ماعدا ذلك، راجعْ تاريخَ الأدبِ والفنّ في الحقبةِ التي كنتُ فيها وزيراً للثقافة، وإجردْ عددَ الأديباتِ فيما يتعلّقُ بالمناصبِ الرّفيعةِ والنشرِ والجوائز. كنتُ حريصاً على دعمِ المرأة وإبرازِها بشتى الطّرق. ذاتَ مرّة، جاءتْني قائمةٌ بجائزةِ الدّولةِ للإبداع. تصوّرْ عشرة رجال، عشرة! ولا إمرأةً واحدةً حتى المرتبةِ العاشرة! ما هذهِ الذّكوريةِ الطاغية! قلتُ في نفسي: زييييج! سأوّضحها أكثر، إنتبهْ لِما سأقومُ به (يعفط عفطة طويلة بمهارة تامة). ثمّ حذفتُ خمسةَ ذكور ودوّنت خمسَ أناثٍ في الحال. حتى أنني لا أعرفُ بعضَهُن، أو جميعَهُن! ويلقبونني بِعَدوِ المرأة! زيييييج!
(الأديب يفتح زراً آخر من قميصه)
في مكتبي وظّفتُ 40 سيدةً مُحترمة. لا أتعالى على العبيد؛ لكن، داخلَ كلّ إمرأةٍ جينُ عبودية، بالفطرة. أقصدُ يتّسعُ صدرُها بحيث تكونُ مُستعدةً أن تبيتَ في العمل إن إقتضى الأمر، تنظّفُ وتغسلُ وتعتني بكَ وكأنكَ طفلٌ رضيع. حتى لا أُفهَمَ بشكلٍ خاطئ، عادةً ما تؤدّي المرأةُ ما نريدُهُ على أكملِ وجه، سواء كانت متزوجة أم عازبة. المتزوجةُ كما تعلم طريقُها سالك، والعازبةُ لديها طُرُقٌ بديلة.
(الأديب يفتح زراً جديداً من قميصه)
حينما أتعرّف على كاتبٍ شاب، أستدعي أُمّهُ أو أُختَهُ على الفور، لإيماني أنّ الدّعمَ الأُسري من أهمّ حواضن الموهبةِ الجديدة. بعدها يُصبحُ الأديبُ الشّاب الذي أُقابلُ أُمَّهُ أو أُختَهُ واحداً من روافدِ الإبداعِ الوطني! (الشّاب يحاول أن يسأل فيقاطعه) مسألةُ موتِ أو إختفاءِ بعضِ النساء أمورٌ ليستْ محلَّ نقاشٍ هنا، فهي خاصةٌ بالشّرف، والتهمةُ أسهلُ من إثباتِها. شابٌ مصابٌ بطلقةٍ على سريري، أو شابةٌ تقعُ من شُرفةِ غرفةِ نومي؛ هل هي أدلةٌ كافية؟ (الشّاب يتحرّك في مكانه على الكرسي) أما السّؤالُ الجوهري: هل رأيتَ المِيل في المكحلة؟ هل إعترفتْ إمرأةٌ واحدةٌ أنني تحرّشتُ بها؟ من غير رضاها؟ أَمّا بخصوصِ مصرعِ زوجتي وهي بملابسِ النوم أثناءَ زيارتِها لزوجةِ أحدِ كبارِ رجال الأمن فالحادثُ كالآتي: كانتْ تقفُ على الشّرفةِ مع صديقتِها، ويبدو أنها أُصيبتْ بالدّوار ولم تشعرْ إلا وهي تطيرُ في الهواءِ من الطّابقِ السّابع. ما كانَ إنتحاراً ولا جريمة. الرّحمةُ واجبةٌ على الحيّ وعلى الميّت. نحنُ عائلةٌ تؤمنُ أنّ الشّرفَ وراثة، وما يُشاعُ عن إبنتي هذهِ الأيام ما هو إلا حَلَقةٌ جديدةٌ في سِلسلةِ التسقيط، لسببٍ بسيط: أعدائي هم أعداءُ الحقيقة.
(الأديب يخلع قميصه)
يُشيعونَ أنني ما كنتُ أفوزُ بالجوائز وأُصبحُ كاتباً عالمياً لولا إرتباطي بإحدى الجهاتِ المتنفذة. وهذهِ إحدى تمضرطاتِ العقليةِ المُخابراتية. راقب الفاشلَ إبن الفاشل وستجدُهُ يتذرّعُ بالمؤامرةِ والحكومةِ الخفيةِ والكائناتِ الشّبحية. (الشّاب يلتفت يمنة ويسرة) ثمّ تعالَ هنا، إذكرْ لي إسماً عالمياً واحداً لم يكنْ دميةً بيدِ الأصابعِ الخفيّة. تُريدُ أن تُصبحَ عالمياً؟ الآن أجعلُكَ كذلك. وهل فازَ فلان أو عِلّان بنوبل أو غيرِها من غير أن يسندَ ظهرَهُ سين أو صاد أو عين أو غين؟ هي بإختصار إدارةُ علاقاتٍ عامّة. دعنا نكشف الحقائقَ المُستترة. من هي الجهاتُ المتنفذةُ التي تدعمُني؟ التي لولاها لم تُترجم كُتُبي ولم أحصلْ على نوبل؟ وهل أنا مثل الأحمقِ نجيب محفوظ، الغبيّ المعتوه، مُقبّل الجزم، ديوث الحكّام، موطوءَ السّلاطين؟ أتدري بماذا أصفُ هؤلاء النقاد المُغرضين؟ قِرَدة، بعوض، خفافيش. المضحكُ أنهم يصفونني بزعيمِ القراد. إنني أضعُ مرآةً أمامَ كلماتِهم وأُعيدُ إليهم قرادَهم. بل همُ القرادُ ولكن لا يعلمون.
(الأديب يخلع قميصه الداخلي)
في أيامِ الديكتاتورية كانوا إذا أرادوا أن يُسقطوا أحدَهم أرسلوا إليهِ فتاةً جميلةً تُجرجرُهُ في الكلامِ بعد السُّكرِ والعربدة. وكانت القابلاتُ المأذوناتُ والحفّافاتُ وبيوتُ الدّعارة خيرَ مكانٍ للإعترافِ غير المباشر. فَعَلَ أعدائي ذلك ولم يُحرزوا سوى الخيبة. فعادوا إلى وسائلِهم المعتادة. (الشّاب يمسح قطرة عرق عن جبهته بارتباك). آخرُ صيحاتِ النذالةِ ذلك الإيحاءُ الوضيع أنني لستُ مؤَلِفَ كتبي. يزعمونَ أنني أُمّي، لا أقرأُ ولا أكتب؛ ولغةُ كتبي تحتاجُ إلى سان جون بيرس. يالَ غبائهم! وهل كان رامبو إلا أُميّاً ممسوساً مسعوراً؟ ولوطياً كذلك؟ يحتجّون بتعددِ الأساليب، في كلّ كتابٍ أسلوب. وهل كُتبُ شكسبير إلا تركيبةٌ حمقاءُ من الفذلكاتِ والتمخطاتِ المتناقضةِ المُتنافرة؟ طيب، أنا لم أكتبْ حرفاً واحداً منها؛ من كتبَ إذن؟ أين هو؟ أو هم؟ لماذا لا يظهرونَ إلى العَلَنِ ويفضحونني؟ أين هم المؤلفون الأصليون؟ هنا؟ (يشير الى مؤخرته وهو منحن ويصدر صوتاً عالياً) أتعلمُ ما يجمعُني بشكسبير بالإضافةِ إلى العبقرية؟ هذه التهمة. بالضّبط. كان شكسبير المسكين حسبَ إدعائهم يشتري النصوص، فهو ليس خريج كامبرِج، طلعَ من العدمِ ثمّ إختفى ولم يَذكرْ مؤلفاتِهِ في وصيتِهِ حتى، وكانت إبنتاهُ لا تقرآنِ ولا تكتبان! أنا كذلك، لستُ خريجاً لكن ما علاقةُ العبقريةِ بالمستوى الأكاديمي؟
(يخلع بنطاله)
الأكاديميونَ شلّةٌ من الأغبياء، مهمتُهم في الحياةِ أن يلوكوا بعلكةٍ فَقَدتْ ماءَها منذُ عصور. يحفظونَ عن ظهرِ قلبٍ ما يجهلونَ سواه. مجرّد ريكوردر يُرّددُ صيحاتِ البائعِ على سلعتِه. أُنظرْ إلى الأكاديمي تجدْهُ عبارة عن كيسٍ من القشّ، لا إبداع ولا رؤيا، قضيبٌ يُطارد الطالبات ويبتزهنّ تعويضاً عن ماضيهِ الفاشلِ في الحب. كائنٌ مغرورٌ وسمج، حاقدٌ على الوجودِ وهدفُهُ أن ينتقمَ من راحةِ البال. لو كان للنذالةِ والحقارةِ إسماً لما تجازوت الأكاديمي.
(يخلع سرواله الداخلي ويقف عارياً تماماً)
إذا قلنا أنّ شكسبير ليس إبن كامبرِج معناه أنهُ إبن الخيال، وإذا قلنا أنني جامعُ كتبِ الآخرين وسارقُ أفكارِهم فمعناه أنني شكسبير آخر. حتى إن فعلتُ ذلك فهو إبداعٌ في حدّ ذاته. (الشاب يتحسس جيب سترته الداخلي). لكنني لم أفعل. جهلة! إنما نحنُ نُعيدُ ما تمّتْ إعادتهُ لآلافِ المرّات ولا جديدَ تحت الشّمس. وكلّ هذا من أجل أن يتعاموا عن الواقعِ؛ إلا أنّ العينَ، مهما فَعَلَتْ، لن ترتفعَ فوقَ الحاجبِ أبداً.
(يقف فوق رأس الشّاب ويمّد يده)
وبصرفِ النّظر عن هذا الهَذَر، حتى لو كنتُ ما قالوه؛ أقلّها إستمتعتُ بحياتي، سافرتُ، نلتُ الشّهرةَ والمال، تمّتعتُ مع النساء بعددِ شعرِ رأسي، أما أعدائي فتمتصّ دمَهم الكراهية. يكرهونني لأنني أُمرغلُ كبرياءَهم بالخراء. وفي هذا ما يكفي لكي أشعرَ بالإنتصار. إنتهت المُقابلة. نترك المكتبةَ الصّغيرةَ هذه. سأُريكَ المكتبةَ الكبيرةَ في إحدى الغرفِ الدّاخلية. يوجد فيها ما لن تجدَهُ في أيّ مكانٍ آخر.
(يقف الشّاب. يلتقط كتاب سافو. يضع جهاز التسجيل على الطاولة. يده بيد الأديب. يدخلان إلى إحدى الغرف الدّاخلية. يمرّ وقت. همهة غير مفهومة. لحظة صمت. صوت يُشبه إطلاقة نارية. صيحة مكتومة)
إنتهت
.......................
(من كتاب مسرحيات مونودرامية سينشر قريباً)



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World