سيرتي الذاتية في أذيال العمر الأخيرة

جواد كاظم غلوم
jawadghalom@yahoo.com

2021 / 9 / 9

اعتاد الانسان منذ أول ظهوره على هذه الارض البسيطة ان يتكئ على الحيوان عائنا له في تلبية متطلبات بقائه خاصة اذا كان هذا الحيوان بكامل عنفوانه وقوته في اول حياته ، وحالما يعجز هذا الحيوان الذي يشاركنا العيش ؛ يطمع البشر في أخذ ماتبقى من عمره ليتوق البقاء في الحياة على شدة انهاكها وويلاتها في مراحل العمر الاخيرة .
ومن حكايا آبائنا وأجدادنا ؛ فقد قيل لصديق الإنسان الكلبِ الوفيّ : ستحرس منازل بني البشر بأمانةٍ ووفاء دون مقابل سوى فضلة طعام يتركها لك مع وعاء ماء بجانبك ، وستكون أفضل صديق للإنسان ، وسنعطيك حياة طولها ثلاثون عاماً .
قال الكلب رافضا :
ثلاثون سنة كثيرة عليَّ ، يكفيني فقط خمسة عشر عاما ... وهكذا عمّر هذا الوفيّ خمس عشرة سنة وفق ما تمنّى .
و قيل للقرد الشبيه الأقرب للإنسان : ستتأرجح من غصن لغصن تضاهي حركات البهلوان ، وتقوم بعمل الخدع لإضحاك الآخرين ، وسوف تعيش حياة طولها عشرين سنة بالتمام والكمال .
قال القرد متعجبا :
عشرون سنة كثيرة ، أريد فقط عشر سنوات ... فتمّ تلبية طلبهِ .
وقيل للحمار عائن الانسان بحمله وثقاله :
ستعمل دون تذمّر من طلوع الشمس لمغربها وستحمل فوق ظهرك أحمالاً ثقيلة ، وستأكل الشعير وما بقي من فضلات الموائد وقشور فواكه الطعام ، ولن تتمتع بأي ذكاء سوى معرفة طريق الذهاب والإياب بمهارة ، وستعيش حياة طولها خمسين سنة .
قال الحمار : سأكون حماراً لا أتعب من حمل كل ما يريده مالكي الانسان ، ولكن خمسين سنة كثيرٌ جداً ، أريد فقط عشرين سنة ... فكان له ما يريد من سنيّ الحياة وفق ما رغب .
وقيل للإنسان الشّرِه الطامع بعمر الحياة مهما تفاقمت شرورها وقلّت مسرّاتها :
أنت المخلوق الأكثر ذكاءً على وجه الأرض وستستعمل ذكاءك لتجعل منك سيداً على باقي المخلوقات , وتعيش حياةً جميلة لعمارة الأرض وسوف تعيش حياة طولها عشرين سنة كلها طفولة مدللة وفتوّة وشباب يانع بلا مسؤوليات وأشغال شاقّة .
فقال الإنسان محتجّا وطامعاً بسنوات أخر :
هل سأكون إنساناً لأعيش عشرين سنة فقط ! ؟ ولمَ الاجحاف بي وتقصير عمري الى هذا الحدّ ، هذا قليل جداً !! أريد الثلاثين سنة التي لم يرغب بها الحمار ، والخمسة عشر سنة التي رفضَها الكلب ، والعشر سنوات التي عزف عنها القرد .
فتمّ تلبية طلبه ، وكان له ما أراد .
ومنذ ذلك الزمان والإنسان يعيش عشرين سنة كإنسان طليق وسعيد في طفولته وصباه وفتوته وقبيل زواجه .... حتى يتزوج بعدها ...يعيش ثلاثين سنة كالحمار ... يكدّ و يعمل من طلوع الشمس لمغربها ويحمل الأثقال على ظهره .
وعندما يكبر الأبناء يعيش خمسة عشر عاماً كالكلب ؛ يحرس المنزل ويغلق الأبواب ويراقب الكهرباء ويأكل أقل الطعام أو من الفضلات التي يتركها أبناؤه بعدها ؛ وعندما يشيخ ويتقاعد يعيش عشر سنوات كالقرد ؛ يتنقل من بيت لبيت ومن إبن لآخر أو من بنت لأخرى ويتحيّن الفرص القليلة ليزور صديقته الوحيدة الجميلة ببدانتها المحببة العائشة بمفردها بعد ان تركها نسلها واقترنوا بعوائلهم .
وحينما يتحلق نسل أولاده حوله تراه يعمل الخدع ويسرد الحكايات لإضحاك أحفاده وحفيداته ويلاعبهم بعد ان تغيب عنه رفيقة العمر الى مثواها الاخير بانتظار ان يلحقها بعد فترة وجيزة .
تلك هي سيرة حياة الرجل في حياته وأولهم انا الذي اكتب هذه الحالات والظواهر التي مررت بها .
هو ذا عمري الطويل الان الذي تمنيته وقد سلبتُه من تلك الحيوانات التي تشاركني الحياة ، فهي رحلت عني وودّعت هذا الشيخ العجوز الذي يكتب سيرته جانبا من سيرته الذاتية في أذيال العمر الأخيرة .
جواد غلوم



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World