قصص وحواديت من العالم القديم (12) الإسكندر الأكبر

محمد زكريا توفيق
zakariael@att.net

2021 / 9 / 4

ديسيوس:

بينما كان أهل سيراكيوز في جزيرة صقلية يقاتلون ويطردون أعدائهم القدامى، القرطاجيون، كان فيليب المقدوني، بدءا من فوسيس، يغزو المدن اليونانية، واحدة تلو الأخرى، وكان الرومان منخرطين في منافسة حادة مع السامنيت، وهم شعب إيطالي قديم يعيش جنوب إيطاليا. هذا يعني أن الحرب كانت تشكل جزءا رئيسيا من تاريخ جميع الأمم الأوروبية!

التارنتيين، وهم شعوب إيطالية أيضا تسكن جنوب إيطاليا، كانوا حلفاء سامنيت، ناشدوا وحصلوا على مساعدة بيرهوس (بيروس) اليوناني، ملك إيبيروس، أعظم جنرال في عصره. إيبروس دولة تقع شمال غرب اليونان.

على الرغم من قدرات بيرهوس العظيمة ومجهوداته الاستثنائية، إلا أن الرومان كانوا منتصرين بشكل عام. حتى عندما غزاها بيرهوس، استفادوا من سوء الحظ، وتعلموا فنون القتال التي تم القضاء عليهم بها.

الانتصارات التي حصل عليها الرومان في هذا الوقت أدت إلى غزو كل إيطاليا، ووضعت أسس تلك القوة التي سوف تجدها بعد ذلك تنتشر في جميع أنحاء العالم المعروف آنذاك تقريبا.

روما كانت بالتأكيد غنية بالرجال الشجعان. بعد وقت قصير من الأعمال الباسلة ل تيتوس مانليوس، ظهر قنصل (عضو مجلس شيوخ)، اسمه ديسيوس، وهب حياته لخدمة بلاده.

في معركة مع اللاتينيين، رأى ديسيوس، بذعر، أن العدو كان يكتسب ميزة على جنوده. طلب حضور الكاهن الأكبر الروماني، لكي يشهد على أنه قد وهب نفسه للآلهة.

تم تغطية رأس ديسيوس بحجاب، ثم وقف على رمح ملقى على الأرض، وأخذ يردد صلاة معينة لإله الحرب آريس. بعد ذلك، تلفع ديسيوس بردائه، وشهر سلاحه، ثم امتطى صهوة جواده. وانطلق بأقصى سرعة مخترقا صفوف العدو.

كان يشاهد بوضوح من كلا الجيشين، الهجمة الجريئة التي قام بها، جعلت أعداءه اللاتينيين يعتقدون بحق أنه رسول السماء، جاء لكي يحاربهم. والرومان تيقنوا أن ديسيوس، قد بعثته الآلهة لنصرتهم.

بهذا، فترت عزيمة جيش اللاتينيين وانتشر بينهم الخوف، وانتعش الأمل والحماس في جيش الرومان. لكن ديسيوس قد مات متأثرا بجراحه. بعد أن أنقذ جيشه، وجعل اللاتينيين يخسرون المعركة ويولون الأدبار. حدث هذا عام 340 ق م.

الإسكندر الأكبر:

لقد وصلنا الآن إلى حكاية الإسكندر الأكبر، ابن فيليب، ملك مقدونيا. والدته هي أوليمبياس (أوليمبيا)، ومعلمه هو أرسطو العظيم. الإسكندر الأكبر، كان كبيرا بغزواته ونشره للثقافة الهيلينية بين الأمم، وأرسطو كان عظيما لحكمته وعلمه، ونشره للفكر التنويري في كل أنحاء المعمورة.

لقد جعل الإسكندر الأكبر نفسه سيدا على اليونان، وعلى بلاد فارس، ومصر، وسار بجيشه حتى نهر الجانج في الهند. ثم وصل إلى بابل. وبعد سنوات من الغزو والانتصارات، مات بالحمى هناك.

في نفس اليوم الذي ولد فيه الإسكندر، احترق معبد ديانا، في أفسس، وهي مدينة في أيونيا، اليونان. كان هذا المعبد واحدا من عجائب الدنيا السبع في العالم القديم.

كان لدى الإسكندر مدرسين آخرين بجانب أرسطو. لقد أراد الإسكندر أن يتميز، فقرأ الكثير. قرأ إلياذة هوميروس، ودرسها بشكل خاص. كان متفائلا مبتهجا. كانت آراؤه إيجابية بعض الشيء، لكن كان على استعداد لتغييرها إذا ثبت خطؤها.

عندما كان صغيرا جدا، ركب حصان الحرب الجامح، بوسيفالوس، الذي لم يجرؤ أحد آخر على ركوبه. ثم بنى بعد ذلك، مدينة تكريما لهذا الجواد، أسماها بوسيفاليا، على اسم الجواد.

عندما كان يشترك مع والده في المعارك الحربية، كان يظهر شجاعة ومهارة فائقة. في أحد المرات، أنقذ حياة والديه، عندما كانا في خطر داهم.

كان عمره عشرين سنة فقط، عندما نصبه موت فيليب ملكا على عرش مقدونيا. بعد ذلك بقليل، كان القائد الأعلى لجيش الإغريق ضد الفرس. سأل ذات مرة بفخر بعض السفراء، الذين كان يعتقد أنهم يهابونه: "ما الذي تخشوه أكثر؟" فأجابوه: "نحن لا نخشى شيئا سوى سقوط السماء والنجوم"،" - وهي طريقة ذكية لإخباره بأنهم لا يخافون منه ولا من أي رجل آخر.

في كورنث، رأى ديوجين، الملقب ب سينيك. الزاهد الذي يكره الثروة والمناصب، والذي كان يسكن في برميل ويحيا حياة تقشف شديدة. سأله الإسكندر عما إذا كان يريد أي شيء؟ "نعم"، أجاب ديوجين، "أريدك أن تتحكم في أشعة الشمس، وتحجبها عني. أنت لا تستطيع أن تمنحني ما لا تستطيع أن تحجبه عني."

كان الإسكندر معجبا برد ديوجين. وقال: "إن لم أكن الإسكندر، لوددت أن أكون ديوجين." ثم أضاف: "إن لم أكن أملك كل شيء بصفتي الإسكندر، لوددت أن أملك لا شيء مثل ديوجين."

هذا هو ديوجين، الذي ترتبط به العديد من القصص الطريفة. وبالغم من ذلك، كان فيلسوفا عبقريا، له دراية ومهارة خاصة في معرفة النفس البشرية. ولد في سينوب، وهي مدينة بونتوس (بنطس)، جنوب البحر الأسود. حيث كان والده يعمل بالعملة، واتهم بصك عملة زائفة. بعدها هرب ديوجين إلى أثينا، وأصبح تلميذا ل أنتيثينيس، الذي يتوافق مع طباعه.

في شوارع أثينا، كان يرى ديوجين في رداء صوف خشن، هو لباسه نهارا وغطاؤه ليلا. كان يتباهى بأن الأروقة والمباني العامة، قد بنيت لكي يستخدمها هو. لأنه كان يستخدمها للنوم وتناول الطعام والمحاضرة.

كان يحمل حقيبة يحفظ فيها الطعام. اعتاد على تحمل أقصى درجات الحر في الصيف والبرد في الشتاء. وعندما وعده صديق ببناء كوخ صغير له، وتأخر في بناء الكوخ لسبب ما، سكن في برميل مفتوح.

في شيخوخته، عندما كان يقوم برحلة بحرية إلى أوجينا، أخذه القراصنة إلى جزيرة كريت، وبيع كعبد. لغرابة طباعه، اشتراه زينيادس، وهو كورنثي ثري.

ثم نقله إلى كورنث، حيث منحه حريته. وعندما اختبر مواهبه، وعرف المزيد عن شخصيته وأخلاقه، جعله يعلم أطفاله ويرعى أسرته في غيابه. وكان راضيا عن سلوكه، لدرجة أنه كثيرا ما أعلن أنه قد جلب عبقريا إلى منزله. عاش 96 سنة، ومات عام 324 ق م.

سنعود الآن إلى الإسكندر الأكبر. قبل الزحف بجيشه إلى آسيا، ذهب لأخذ مشورة عرافة دلفي. لكنه وصل في اليوم الذي تمنع فيه التنبؤات والمشورات. لذلك، رفضت الكاهنة الذهاب إلى المعبد في ذلك اليوم.

لكن الإسكندر غير معتاد على رفض طلبه. لذلك أمسك بذراعها وقادها أمامه إلى المعبد. فقالت له: "آه، يا ابني. أنت لا تقاوم.". سر الإسكندر بكلمات الكاهنة، واعتقد أنها إجابة كافية من المرأة المقدسة.

كان الإسكندر سخي العطاء، إذا كان العطاء يدل على الكرم. وعندما أعطى هدايا كثيرة إلى كل من يستحق، سأله بيرديكاس، أحد قواده، "يا سيدي، ماذا احتفظت به لنفسك؟". "الأمل"، أجاب الإسكندر. فقال بيرديكاس، "وهو يرضينا أيضا.". ثم رفض أن يأخذ هديته.

لكن الأجواء كانت مسممة. ففي نوبة سكر، قتل صديقه اللطيف كليتوس. وفي حالة أخرى، حقق رغبات المرأة الشريرة لايس. وبيده أضرم النار في قصر برسيبوليس الجميل.

لكن سلوكه قبل عائلة داريوس، ملك بلاد فارس، بعد أن قتل الملك وسلبه تاجه، يستحق الذكر بشكل أفضل. فقد تزوج ستاتيرا، ابنة داريوس، وتعامل مع أرملته وأطفالها الآخرين بحنان وإنسانية.

أخلص الإسكندر لصديقه هيفاستيون بأمانة ودفء، ونعى وفاته بشعور صادق. كان يسمح له بالتحدث بحرية وأمانة، ولم يشعر بالإهانة من أي شيء يقوله.

وقعت والدة داريوس، وزوجته وعائلته، في أيدي الإسكندر بعد معركة إيسوس. زارهم، وكان معه صديقه هيفوستيون، الذي، كان الرجل الأطول والأوسم. فحسبته الأميرات بالخطأ أنه هو الإسكندر.

عندما علمن بهذا الخطأ، شعرن بالحرج والخوف. لكن الإسكندر بادرهن وقال: "أيتها الأم الطيبة، لست مخطئة، ف هيفوستيون ليس إلا إسكندر آخر." وكان يعني أن الصديق المخلص هي نفس أخرى للإنسان.

عندما كان مريضا بشكل خطير في تارسوس، بسبب استحمامه في نهر سيدنوس في يوم حار صيفا، ربما بضربة شمس، جاءته رسالة من بارمينيو تحذره من طبيبه فيليب. لأن فيليب كان قد تم رشوته من قبل داريوس لكي يقتله بالسم.

بعد أن قرأ الرسالة، وضعها تحت وسادته. وعندما جاء فيليب بالدواء، أخذ الإسكندر الكأس وشرب الدواء، ثم أعطى فيليب الرسالة لأول مرة لقراءتها. لكن الطبيب أثبت أنه جدير بثقة الإسكندر. وبعد فترة وجيزة، تعافى الإسكندر وعم الفرح وسط جنوده.

تصرف بلطف شديد مع والدته، أوليمبياس، وكان يستمع إلى انتقاداتها بلطف وصبر. وعندما كتب أنتيباتر، الذي تركه لحكم مقدونيا في غيابه، رسالة طويلة يشتكي فيها والدته، قال الإسكندر مبتسما: "أنتيباتر لا يعرف أن دمعة واحدة تذرفها أم، تطمس عشر رسائل مثل هذه".

في الهند، غزا ملكا، يدعى بوروس، الذي كان طوله سبعة أقدام ونصف: هذا الرجل طويل القامة بشكل فريد، عندما وقف بين يدي الإسكندر، سأله كيف يعامله. "مثل ملك"، أجاب بوروس. كان الإسكندر معجبا بهذه الإجابة، لدرجة أنه أعاد له مملكته، وبعد ذلك عامله بلطف واحترام.

ثم ماذا؟ مات الإسكندر. وماذا حدث بعد ذلك لفتوحاته الجبارة؟ تشاجر خلفاؤه حول تقسيم الأراضي الهائلة التي أخضعها. ثم قتلوا ابنه الرضيع، ووالدته، وزوجتيه، روكسانا وستاتيرا الفارسية. وفي سنوات قليلة تم تقسيم إمبراطورية الواسعة، إلى العديد من الممالك الصغيرة. توفي الإسكندر في بابل، عن عمر 33 عاما، في عام 323 ق م.

لقد جاء الإسكندر كمخلص، ليحارب العنصرية والطائفية والعوائق السياسية. وليبني المدن، على النمط الإغريقي، ويجعلها مراكز للنور والثقافة والحضارة والإدارة. مدينة الاسكندرية في مصر على سبيل المثال، ومدن أخرى شرق تركستان وعلى حدود الهند.

بعد أن تقلد الاسكندر مقاليد الحكم، عاد أرسطو إلى أثينا، التي أصبحت الآن تحت الحكم المقدوني. هناك استأجر مبنى كان مخصصا للإله "أبوللو ليسيوس"، والذي يعني اسمه، أبولو أمير الضياء. ليسيوس كلمة مشتقة من كلمة الضياء باليونانية. ومن ثم كان اسم المدرسة التي أنشأها أرسطو "الليسيوم".

في مدرسة الليسيوم، قام أرسطو بجمع الكتب والمخطوطات، وعينات علمية من المواد والأحياء المختلفة بغرض الأبحاث والدراسة. وأنشأ أرسطو حديقة نباتات وحديقة حيوانات وطيور بغرض الدراسة.

أحد تلاميذه أو أكثر، كانوا يرافقون الاسكندر في حملته نحو الشرق، ويقومون بإرسال ما يصادفهم من نباتات وحيوانات أو طيور غريبة، إلى مدرسة أرسطو.

في مدرسة الليسيوم، كان أرسطو يدير ويقوم بالأبحاث ويحاضر في كل فرع من فروع العلوم المعروفة في ذلك الوقت. وكان يقوم بالتدريس في الهواء الطلق أثناء السير، وفي الشرفات المكشوفة التي تطل على الحديقة.

هذا الأسلوب الجديد في التدريس، جعل الليسيوم مركزا لدراسة وأبحاث العلوم الحديثة، مثل: العلوم الطبيعية، الفلسفة، العلوم السياسية، وغيرها. بالنسبة لنشاط المدرسة وحجمها ومدة بقائها وعدد طلبتها، أضحت تتجاوز مدرسة أفلاطون، الأكاديمية، التي ظلت تعمل وفقا للبرنامج الذي وضعه لها أفلاطون قبل وفاته.

لكن الموت المبكر للإسكندر الأكبر وضع نهاية لنشاط أرسطو في أثينا. الشعور الوطني المتنامي ضد المقدونيين، بدأ يتكثف في المدينة، بسبب وجود المحتل. تحول هذا الشعور بعد وفاة الاسكندر إلى كره وعداء سافرين لكل من كانت له صلة بالمقدونيين.

فترة حياة أرسطو، شاهدت مجد المدن الإغريقية، التي استطاعت أن تدافع عن حرياتها وأسلوبها في الحياة، ضد غزوات الفرس المتكررة.

الآن بعد أن فشلت هذه المدن الإغريقية في وأد خلافاتها، فقدت استقلالها وأُغلقت مدارسها وخبت شعلة حضارتها. وإذا استثنينا فترات قليلة قصيرة من عمر بلاد الإغريق، نجد أن هذا الوضع البائس ظل على حاله حتى نصل إلى القرن التاسع عشر.

عاصر أرسطو بداية هذه الأحداث. كان يعرف أبطالها. وترك لنا فكرا عميقا عظيما رائعا في كثير من المواضيع. في كل المعلومات التي تركها لنا، لم يعقب بكلمة واحدة عما كان يدور في وقته من أحداث، أو عن أبطال هذه الأحداث.

لم يحدثنا أرسطو عن الثورات التي كانت تدور حوله. لقد شاهد سقوط بلاد الإغريق وغزوات الاسكندر، ولم يعرها اهتماما. هذه أحداث ليست لها قيمة دائمة خالدة في نظره.

لقد كان تركيز أرسطو على أشياء أعمق وأخلد. كان تركيزه على المبادئ وقوانين الطبيعة التي لا تتغير. على وجود وسلوك الإنسان المتحضر وعلى المنطق والمعرفة ذاتها والفنون.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World