اللغة والرسم والموسيقي عشوائية تم تنظيمها

سامى لبيب
fairouzatef@yahoo.com

2021 / 8 / 24

- العشوائية والنظام 2 .
- نحو فهم الحياة والوجود والإنسان (110) .

مازلنا فى بحثنا عن ماهية العشوائية والنظام بغية تصحيح المفاهيم وتبديد الخرافة والأوهام التى أنتجت مفاهيم خاطئة بوجود المُنظم والنظام المُستقل عن وعينا , لينسلخ الإنسان عن الفهم الصحيح لطبيعة الحياة والوجود منتجاً بجهله تصورات خيالية بينما الطبيعة تنثر حروفها ومشاهدها بلا وعي ولا ترتيب تاركة إياه لجهله وغروره وعناده .

-"اللغة والرسم والموسيقى تعلمنا سر الوجود والحياة" قد ترون هذه المقولة غريبة ولكن لو تأملنا بعمق في كينونة اللغة والرسم والموسيقى سنجد أن فلسفتهم ومغزاهم لو أسقطناها على الوجود والحياة فهي تفسره لنا بصورة تقربنا من الحقيقة بدون أن نغرق فى قصص ساذجة كلما إقتربنا إليها فضحت هشاشتها .

* اللغة .
- نحن فى وجود عشوائي لا غاية له ولا معنى لنخلق نحن نظامه ومعناه .. فلتنظر لشئ شائع فى وجودنا يمثل أساس وعينا وتطورنا وحضارتنا وهى اللغة فستجد أى لغة عبارة عن كلمات والكلمات ذات حروف متلاصقة بذبذبات عشوائية قمنا بتجميعها مع بعضها بشكل عفوي عشوائي لننتج كلمة نمنحها معنى ودلالة , فالحروف المتشابكة ليس لها أى بناء أو تنظيم بل النظام والبناء جاء من البشر الذين اتفقوا على تشابك حروف بشكل عشوائى ليعطوا لها معنى ودلاله معينة .. فيمكن لأى إنسان أن يشبك مجموعة مختلفة من الحروف وهذا ما يحدث بالفعل من اختيار أسماء المعدات والأجهزة والأدوية فهذا التشبيك العشوائي لنترجمه لدلالة ومعنى معين حتى تكون شفرة بيننا بإدراك ماهيتها .. أى أننا تعايشنا مع الوجود العشوائي وأنتجنا منه ما نتصوره نظام .

- عندما نتأمل فى نشوء اللغة فستجد العشوائية الغير منظمة اللامرتبة اللاغائية حاضرة فى المشهد بقوة , فالإنسان القديم تعامل مع اللغة بشكل عفوى إنفعالى فأطلق همهمات وذبذبات صوتية عشوائية يقصد بها مشهد معين من الطبيعة , ليطلق مثلا كلمة "كوتودو" ككلمة عفوية للإشارة لأسد وليشير لأقرانه بإشارات يقصد بها الخطر القادم من الأسد , فتتعلم الجماعة أن كوتودو تعنى أسد وهكذا نشأت اللغة بإطلاق كلمات عفوية يتفق البشر على مدلولها لتصير لغة للتفاهم ونقل الأفكار , ومن هنا نرى أن عفوية وعشوائية الكلمات أنتجت نظاماً أخذ يتبلور وينتظم أكثر لتتكون آداب اللغة وفنونها من شعر ونثر بينما البداية كلمات عفوية عشوائية , ومن هنا ندرك بأن العشوائية هى الأساس والأصل ومنها تولد نظام وقانون من الإنسان الباحث عن خلق صيغ نظامية لتمكنه من التعامل مع عالم لا يعطى معنى ليخلق هو المعنى والقيمة والدلالة .

- عندما نقول أن "الطفل شرب اللبن" فهى جملة ذات معنى ومفهوم ولكن عندما نقول : " اتغك غثفث حخته" فهى جملة ليست بذات معنى فهى ضرب عشوائي منى على الكيبورد , فما الذى جعل الجملة الاولى ذات معنى بينما افتقدت الثانية للمعنى سوى أننا إتفقنا على أن رسم عبارة الطفل شرب اللبن لها معنى محدد بيننا , ويمكن للجملة الثانية ان تكون ذات معنى لو اتفقنا أنها تعبر عن فعل وحالة معينة .
إذن الوعى الذي خلق معنى النظام هو أيضا الذي خلق للنظام فكرة , فبدون الوعي سيتساوى النظام والعشوائية ولا يوجد معنى لأى شيء , فهكذا كل وجودنا هو بحث عن علاقة وإتفاق على أشياء ووضع علاقات ومعانى لها ولكن الشئ فى ذاته مُتحرر من المعنى , وهذا يعنى انه لا يوجد شئ خارج وعينا يمنحنا المعنى والقيمة والغاية وذو معني ودلالة مستقل عن وعينا .

- من طبيعة اللغة الماثلة لوعينا تتأكد الرؤية أن الوجود عشوائي فى طبيعته وأن النظام رؤية بشرية إعتنينا أن نتفق على بعض المشاهد لنراها نظام فهكذا نظرتنا للوجود بالتوافق على مشهد عشوائى وإعطاءه معني ودلالة ولا مانع بعد ذلك أن نخلق منظومات معقدة من تلك العشوائيات كقواعد اللغة والكتابات الشعرية والمشاهد الوجودية لتكون كل المشاهد هى فى الأصل منتجات عشوائية أصيلة تعامل معها الإنسان ليخلق منها نظاماً .

* الرسم .
- الرسم ليس تلك اللوحات الفنية الجميلة فحسب بل لغة وفلسفة الحياة , فالكتابة جاءت بعد الرسم وهى عبارة عن خطوط عشوائية إتفقنا على رسمها , ومنها نستطيع ان نقرأها كرسم فلا يكون الحرف أو الكلمة بذات معنى بل بإتفاقنا على رسم بأنه تعبير عن معنى محدد لذا تتباين الكتابات واللغات فى رسم حروفها وكلماتها ليبقى لكل جماعة بشرية إتفاق على مدلولات لرسم حروفها , فالحروف المتشابكة ليس لها أى بناء أو تنظيم بل النظام والبناء جاء من البشر الذين إتفقوا على تشابك حروف عشوائية وأعطوا لها معنى ودلاله معينة .. فيمكن لأى إنسان أن يشبك مجموعة مختلفة من الحروف وهذا ما يحدث بالفعل حالياً من إختيار أسماء السيارات والمعدات والأجهزة والماركات بهذا التشبيك العشوائي للرسومات لنترجمه لدلالة ومعنى معين حتى تكون شفرة بيننا بإدراك ماهيتها .. أى أننا تعايشنا مع الوجود العشوائي وأنتجنا منه ما نتصوره نظام , أى أن الإنسان أنتج وإستثمر العشوائية لينتج أشكال وعلاقات يراها نظامية .

- أتذكر مشهد طريف فى حياتي , فقد كنت أجيد فن الرسم لأطلب من أحد رفاقى أن يشخبط على ورقة بيضاء لأستلم تلك الشخبطة العفوية العشوائية وأضيف لها خطوط من عندى دون أن أزيل الشخبطة الأصلية لتصبح رسم مقبول ومتعارف عليه , ومن هنا جاء النظام من رسم عشوائي , فالإنسان هو من يصيغ العشوائية فى نظام متى تأمل خطوطها وتعامل معها وتحايل عليها .

- الألوان الرئيسية ستة ألوان ومنها تتشكل معزوفة الجمال , فمن ستة ألوان تستطيع أن نكون منها عدد لانهائي من الألوان بكل معنى الكلمة فلا حدود للألوان فى تشكلها فلا يتشابه لون مع الآخر , كما لا يوجد شئ اسمه الرسم بلون واحد بل من خلال لونين على الأقل .

- الألوان لا معنى لها إلا فى وجود لون أو ألوان أخرى تعطى للون معنى ورؤية وإحساس , فاللون الأبيض تتكون ماهيته وكينونته من وجود اللون الأسود مثلا , فعدم وجود اللون الأسود لا يمكن أن ندرك اللون الأبيض , فلو كان الوجود لوناٌ واحداٌ ما كانت هناك حياة .

- الخط هو الفصل بين لونين وأى لوحة فنية تتكون من مجموعة خطوط ويقاس جماليات اللوحة بثراء الألوان وتناغمها أى بثراء الخطوط بها .. اللوحة تبدأ بخط صغير بلا معنى ولكنه يكتسب المعنى من تشابك وتلاحم مئات الخطوط الأخرى , فالخط فى حد ذاته ليس ذو معنى إلا بوجود خطوط أخرى بجواره لتخلق التشكيل .

- أروع شئ فى الإنسان هو تعاطيه مع الفن والجمال .. ان ينحت حجارة بلا معنى ليصنع منها تمثالا ذو معنى .. أن يلقى بمجموعة ألوان بلا معنى ليرسم منها لوحة ذات معنى .. من مواد خام ملقاة فى الطبيعة يصنع منها مصنوعات ذات معنى .. ولكن فننتبه ونلاحظ أن المعنى والفن والجمال هى تقييمات ذواتنا للأشياء .
الإنسان الكائن الوحيد الذى يحس بالجمال ولكن مهلا فليس الجمال موجود والإنسان من يكتشفه , بل الجمال تقييم وإنطباع وعلاقة الإنسان مع الأشياء .

- من أعمال الفنان Scott Burdick
https://www.pinterest.com/mariakurtzman/scott-burdick/
عندما نتأمل لوحات مثل تلك فماذا نرى ؟ نرى عدد هائل من الخطوط المنحنية المختلفة القصيرة والطويلة والغير منتظمة . ولتنظر لكل خط فيها ستجده ليس له أى معنى أو دلالة محددة ولكن بتكاثفه وتشابكه وإمتزاجه مع غيره من الخطوط والمنحنيات أعطى تشكيل له معنى .. ولتنظر إلى الظل والضوء وكيف يتشكل من خلال التحكم فى اللون بالتكثيف حينا والتخفيف حينا أخرى ,فمن خلال نبضات حسية عصبية عفوية يمكن أن ينشكل الضوء والظل .

- هذا التأمل جاء متأخرا فى حياتى بالرغم أننى كنت أمارس الرسم والتشكيل منذ نعومة الأظافر ..فلم أفطن أو أحلل كيف أرسم وكيف يتخلق من مجموعة هائلة من الخطوط العشوائية تشكيل محدد ..وكيف أن رسوماتى ماهى إلا خلق نظام من وسط الفوضى أو قل أن النظام وليد عمليات فوضوية وعشوائية فى لحظة ما .

- كانت بداياتى الأولى مع الرسم بالقلم الرصاص وبه كنت أخط رسوماتى المختلفة ,فمن خلال كم هائل من الخطوط المنحنية والغير منتظمة كان يتم تشكيل منظر محدد أو بورتريه واضح الملامح , فلم أكن أفطن للفكرة التى راودتنى فى مرحلة متقدمة من عمرى عندما بدأت أتأمل بعمق ما خطته وتخطه يداي لأصل إلى مفاهيم عميقة تعطى دلالات كثيرة تخوض فى الصدفة والنظام والعشوائية وفكرة الإله .

- عندما كنت أخط مثل تلك الخطوط لم أكن أفكر فيها بشكل محسوب كما أمارس التخطيط فى حال رسوماتى الهندسية لاحقاً , ففى الرسم الهندسي يكون كل خط ومنحنى هو محدد القياس والهدف والإتجاه بينما فى الرسم التشكيلي لا يكون هناك خط محدد بقدر ماهو عمل تلقائي عفوي , ولعل المقارنة بين الرسم الهندسي والرسم التشكيلي يعطينا إنطباع بأننا من خلال الفوضى والطبيعة إستطعنا أن نخلق حالة نظامية ما كالخط الهندسى .

- كل الأمور المصاحبة لعملية الرسم تتم بدون أفكار وقوانين مبرمجة ومنظمة ومخططة بشكل صارم ,فأنا ألقى القلم على الورقة محركاً إياه فى يدى بتلقائية وعفوية شديدة لينتج عدد هائل من الخطوط والمنحنيات المتشابكة , كل خط ومنحنى فيه لا يشكل أى معنى أو قيمة دلالية فى حد ذاتها بل وحدة مجردة ولكن مع تشابكه وتجاوره مع خطوط أخرى خلق لنا المعنى .

- هكذا يمكنا فهم العشوائية والنظام بأنها كم هائل من الخطوط والمنحنيات كل وحدة منها لا يكون له دلالة محددة أو قيمة ندركها ولكن تضافرها مع بعضها أعطانا رسما أسقطنا عليه إحساسنا وانطباعاتنا النفسية ومنه نحن من منحناه المعنى .

-نحن دائما ما نقع فى مستنقع المنتج النهائى كامل الصنع , فلو نظرنا لأول خط فى لوحة فنان سنجد أنه ليس له معنى لأنه الوحدة البنائية الأولى ولكن مع ذوبان وتداخل هذا الخط مع خطوط أخرى مثله كثيرة ومتنوعة أصبح للرسم معنى وقيمة , وهكذا الطبيعة والوجود فنحن نرى المنتج النهائى فننبهر به كما ننبهر بلوحة الفنان النهائية .

- نحن لا نقرأ الحروف والكلمات بل نقرأ رسومات , فحياتنا كلها رسومات لذا أعتبر الرسم هو وعينا الحقيقي بالحياة فهو لا يقتصر على لوحة جميلة رسمها فنان بل الرسومات طريقة تعاطي أدمغتنا مع الحياة , فنحن مثلا لا نقرأ الحروف والكلمات فى جريدة أو كتاب أو تلك الكلمات التى تقرأها فى بحثى هذا , فأنت تقرأ رسومات فقط متمثلة فى حروف متشابكة ذات أشكال مرسومة فى ذخيرة معرفتك لتمر سريعا على كلماتي بدون أن تتهجاها وهذا يرجع لأن لديك فى ذهنك أرشيف هائل من رسومات للكلمات فيقوم الذهن بإستدعاء رسم تلك الكلمة وإدراكها , لذا نحن لا نتهجى الكلمات التى لها رسومات سابقة فى ذهننا فهكذا نتعامل مع اللغة كتابة وقراءة كرسومات نستدعيها , لتكون أى كلمة جديدة مثل " انسطالبوك " ككلمة لم نعهدها من قبل فنتصور أننا نتهجاها والحقيقة أننا نصورها بعيوننا لنسجلها كرسمه جديدة نخزنها فى أرشيف الدماغ والدليل أن هناك كلمات أجنبية أو حروف فرعونية لا نعرف نطقها ولكن نحفظ رسمها , فالكلمة لن يتواجد لها وعى بدون رسم لها , وهذا يعنى أن الوجود والحياة خطوط ورسومات يتكون منها وعينا الذي هو إستدلال على تلك الخطوط التى جاءت بشكل عشوائي .. أى أن الإنسان أنتج من العشوائية وإستثمرها فى إيجاد أشكال وعلاقات يراها نظامية .

- من طبيعة رسم كلمات اللغة الماثلة لوعينا تتأكد الرؤية أن الوجود عشوائى فى طبيعته بمعنى أن مشاهده لا غائية ولا مرتبة وأن النظام رؤية بشرية إعتنت بتحديد معنى لرسومات خطوط عشوائية لنراها نظام , فنظرتنا وتعاطينا مع الحياة هي الإتفاق على رسم عشوائي وإعطاءه معانى ودلالات , وإذا كان الإنسان منذ البدء فعلها فنحن مازلنا نفعلها بإبداع رسوم لماركات وبادجات معاصرة ولا مانع أن نخلق من تلك الرسومات المعقدة العشوائية قواعد وكتابات شعرية لتكون كل هذه التمظهرات منتجات نظامية جاءت من رحم التعاطي مع العشوائية .

- مشكلتنا في الوعى أننا حددنا مغزى من داخلنا وصدقناه لينفصل هذا المغزى ونتوهم أنه ذو إستقلالية مثلما حددنا الأرقام التي لها مغزى قبل رمي أحجار زهر الطاولة , فلو كان الكون موجوداً بشكل آخر سننظر إليه ونقول: "هذا النظام لا يمكن أن يوجد بدون مُنظم إله " ومهما كان شكل الكون سنقول نفس القول مثلما نقول أنظر التصميم الذى يجعل للإنسان عينان أليس رائعاً ولكن لو كان لدينا ثلاث عيون فحينها سنقول : أنظر أليست ثلاث عيون رائعة أفضل من عينين .

* الموسيقى والألوان .
- الإنسان القديم عندما مارس الموسيقى فقد مارسها بشكل عشوائى ثم خرج منها بالنظام , فمثلا عندما عرف الطرق على الطبلة كأول آلة موسيقية ..كان يطرق دقات مختلفة معبرة عن حالته العصبية والمزاجية ليلاحظ بعض الأذكياء منهم ان هناك دقات معينة تثير الإستحسان والقبول لدى الجماعة فتعلم أن يكررها وينتقيها ويجودها فى كل مرة يدق على طبلته , ومن هنا جاءت نغمة منتظمة نالت القبول وسط الآلاف من محاولات الطرق , ليقوم الإنسان فى العصر الحديث بإيجاد لغة ذات شفرة مثل أى لغة مكتوبة يتم التعامل بها ليسميها النوتة الموسيقية
.
- لاتتم إستساغة الموسيقى بشكل غامض بل لوجود أعصاب فى الأذن ترتخى وتتمايل مع النغمات الحلوة بينما الدقات والنغمات الصاخبة الشديدة والرتيبة تصيب هذه الأعصاب بالإنزعاج كمثل سماع دقات المطرقة على السندان لتكون النغمات الموسيقية التى نسمعها ونطرب لها هى حالة إستثنائية تولدت من مليارات النغمات فى الوجود لتكون حالة نظامية أو قل نحن من أطلقنا عليها النظام وسط عالم ملئ بالفوضوية والعشوائية .

- كل موسيقى الدنيا من سبع نغمات وكل لوحات العالم من 6 ألوان .. يكون التنوع والغزارة فى الإنتاج من عملية مصفوفات وتشكيلات وتوافيق لهذه الأنغام والألوان فهل فهمنا ما هى الحياة ؟ هى تشكيلات وتنوعات عشوائية أنتجت اشياء متباينة أوجدنا لها معنى بينما مفرداتها ليست بذات معنى لنقنن هذه المشاهد كمعايير.. نعم الوجود عشوائي ومهما تحايلنا عليه فلن تتطابق نغمتين أو لونين أبدا لأن كل نغمة ولون تواجد فى وسط مادى زمكانى يستحيل معه التطابق .

* أمثلة فيزيائية .
- انظر لعلم الفلك فماهو إلا إيجاد علاقات بين النجوم أى رصد الزوايا بين بعضها ومنها نحدد طريقنا ليتوهم البعض أن هناك من رصها على هذا النحو لتمتد الصور وتتعقد, فنحن من نُوجد العلاقات والمعانى لأشياء بلا معنى أو علاقة .

- رصد الملاح والأعرابي للنجوم المتناثرة فى السماء وأماكنها والزوايا بينها يعطينا مشهد آخر بأننا نخلق العلاقات والقوانين من موجودات لا تعطى لنا قانون وهذا مثال يؤكد أن من العشوائية نخلق نظام .
الطبيعة ليست معتنية أن تقدم لنا علاقات وقوانين وأنساق بل تلقى بأوراقها مبعثرة لنحتال ونبدع بإيجاد علاقات , فنحن لا نعرف العيش فى العشوائية أى لا نستطيع تحمل اللامعنى واللاغاية فنخلق علاقات نظامية .

- نظرية الأكوان المتوازية القائلة أن الكون الذي نعيش فيه مجرد جزء من مجموعة كلية عشوائية ليكون ما نتصوره عن كوننا كنظام هو زاوية نظر إنتقائية جزئية بحكم وجودنا في داخل هذه الجزئية لأن وجودنا كجزئيات مستحيل وجودها في داخل إحدى الأكوان الأخرى .

- نتصور أن النجوم لها سبباً ووظيفة أن تكون مصابيح وهداية للملاح وفقا لميثولوجيات ساذجة , فهل هى كذلك ؟! هل نجوم أكبر من حجم الشمس كمواقد نووية بمليون مرة من حجم الارض وظيفتها أن تكون مصابيح فى السماء والطريف أننا نراها بعد إنتهاءها بملايين السنين .

- نحن تواجدنا لنرى النجوم من زاوية كونية لتظهر لنا كنقاط مضيئة فبحثنا لها عن وظيفة ومعنى لنسقط رؤيتنا فى إيجاد غاية وعلاقة ووظيفة ومعنى .. بمعنى أن إنطباعنا عن النجوم أنها نقط مضيئة لم يأتى من تراصها على بعد هذه المسافات العظيمة لتتأجج لتصل لعيونك كمصابيح زينة بل أنت الذي تواجدت في زواية من الكون أتاح لك هذا التفسير والإستنتاج لتعطيها هذا المعنى الساذج , ولتلاحظ فى النهاية أن كلمة "وظيفة " هى من إبداعنا وتصورنا الفكري .

- لإدراك ماذا نعنى بأن الإنسان هو من يخلق علاقات ليقيم منها نظاماً فلنا مشهد المدقات على الطريق أو الأحجار التى ننثرها لتهدينا للطريق فيمكن منها فهم علاقتنا مع الوجود العشوائي , فلو لدينا نقطتان ألف وباء ونريد التحرك من أ إلى النقطة ب ولا يوجد لدينا وسائل إيضاحية بحكم جهلنا فسنلقى بمجموعة من الحجارة أثناء سيرنا من أ إلى ب لتصبح هناك علاقات بين تلك الحجارة ليمكن ان ندخلها فى قانون وخريطة بينما هى حجارة ليست ذات مدلول ,وبذا نكون قد خلقنا هنا نظام من فعل عشوائى ليصبح الطريق من أ إلى ب نظاماً .!
بالطبع يمكن ان نثبت الحجارة أو نزرع اشجار أو نرصف الطريق من أ الى ب أو نختصر من المسافات المهدرة ثم نقوم بعد ذلك برسم خريطة لوضع الأحجار التى ألقيناها بعشوائية ونضع قانون لزاوية إنحراف كل حجر عن الآخر لنتوهم بعد ذلك ان الوجود منظم !

- الإنفجار الكبير الذى يفسر نشأة الكون هو مشهد عشوائى فنحن أمام إنفجار عشوائي ليس ذو مسارات صارمة منتظمة ليكون الإنفجار هو خضوع المادة لحزمة قوى , ليقدم لنا البيج بانج دليل قوى عن العشوائية والفوضى وأن وجودنا ماهو إلا تحقق ظروف على سطح شظية من شظايا الإنفجار .

- ليس هناك غاية من شروق الشمس وغروبها سوى أنها جزء من طبيعة أطلقنا عليها نظام شمسي وليس هناك غاية من حدوث الزلازل سوى أنها جزء من طبيعة أطلقنا عليها نظام الأرض , فالبراكين والزلازل تحدث على المريخ و الزُهرة بالرغم انهما مهجوران أى لا يوجد عليهما بشر , فما معنى مفهوم الغاية الإلهية المتوهمة التى تعتنى بالحكمة أو الإنتقام أو الإختبار .

- المواد التى كونت الخلية الحية ليست لها أى معنى فى مفرداتها كحال الخط المفرد فى الرسم ولكن عندما تضافرت انتجت الخلية الحية كحال اللوحة ليصبح هناك معنى .. هذه النقطة لا يجب ان تغيب عن أذهاننا وهى أن الخلية الحية الأولى لم يكن لها أى معنى نظرا لعدم وجود الوعى الإنساني الذي يعطى لها معنى وحتى بعد تواجد الإنسان فلم يكن لها اى معنى لعدم معرفته بها .

- فيزياء الكوانتم أو ميكانيكا الكم علم يهتم بدراسة طبيعة وسلوك الجسيمات الأولية أو ما تحت الذرية التى تُعتبر الوحدات البنائية الأصغر كتلة وحجماً في الوجود على الإطلاق أي تلك المكونات الأولية التى تؤلف فى مجموعها الوجود والكون فبتجمعاتها تتشكل الكيانات المادية المستقلة من أصغر الموجودات مرورًا بالإنسان إلى المجرات بكواكبها وشموسها العملاقة ولكن سلوك هذه الجسيمات الأولية ماهو إلا سلوك عشوائي كامناً في ذاتها أى أن الوحدات البنائية للوجود المادي هو عشوائي السلوك .
سواء كان السلوك العشوائي للجسيمات كما فى ميكانيكا الكم كامناً في ذاتها أو بسبب قصورنا عن فهم أسبابها ففي الحالتين لا يدل على قوى خارج الطبيعة لأن السلوك العشوائي يدل دأئماً على الطبيعة الإحتمالية ولا يدل أطلاقاً على التوجيه المبرمج لأن التحكم الموجه سوف يؤدي إلى إنتفاء الحاجه للحساب الإحتمالي .

* تأملات .
- نحن من نخلق علاقات نظام أى نبتدع وسائل عقلية لإيجاد علاقات بين الأشياء ليست فى كينونتها نظامية ذات ديمومة بل حالة من عشرات الحالات لنركز الكاميرا عليها ونلقى الضوء على مشهد منها لنسقط علاقات بحثاً عن إيجاد صيغة للأشياء لقبولها لنسميها نظام وقانون , وما نعجز عن إيجاد علاقة للشئ نعتبره فوضى .. الفوضى والعشوائية اللا مرتبة اللا غائية هى ناموس الوجود لنختلق علاقة من وسط العشوائية نطلق عليها نظام .

- مشكلة الفهم الانسانى المغلوط للوجود هو الجهل الذى أنتج فصل بين مكونات الطبيعة وبين القوانين التي تحكمها ليتم إيجاد مكان للخرافة والوهم بينهما بغية الوصول إلى القول بضرورة وجود قوة خارجية مفارقة هي التي أوجدت ما نراه نظام وقوانين تحكم الكون .

- النظام والعشوائية لهما معنى فقط في الوعي الانساني وبشروط الوعي الانساني , فالعشوائية مفهوم مجرد يعكس عدم قدرتنا على الإحاطة بالأسباب , وبالتالي فالعشوائية إجابة متعجلة لسد الثقب المعرفي لدى الانسان الواعي وليس الطبيعة .

- العشوائية هى العجز المعرفى عن إيجاد علاقة فكما ذكرت سابقا إمكانية إيجاد علاقات من سلسلة أعداد فما نعجز عن إيجاد علاقة له نطلق عليه صدفة وعشوائية , فمثلا نحن نعجز عن إدراك زهر الطاولة عند كل رمية فنقول حظ أو صدفة بينما فى الحقيقة يمكن تحديد أرقام الزهر متى حصرنا القوى الفيزيائية المؤثرة على الزهر كقوة الرمية وسطح الإحتكاك وحالة الهواء فى الغرفة ألخ ويمكن صياغة هذا فى معادلة ولكن لجهلنا بالمعادلة وصعوبة رصد هذا فى اللحظة نطلق عليها صدفة وحظ , ولنلاحظ أن الأمور هنا أيضا خارج الترتيب خاضعة كليا للظروف المادية الموضوعية ولا داعى لحشر فكرة الإله , فالإله المُفترض لا يلعب النرد كما قال أينشتاين , فالموضوع فى إطار المادة فقط .

- عندما نقول هل كان هذا الأمر خياراً أم اضطراراً أم قدراً أم عشوائية ؟ فهذا سؤال لا يُدرك ماهية الوجود وماهيتنا .. فالكلمات لها معانيها المسبقة المتداخلة في دماغنا لتشكل إسقاطات ثقافية إلى درجة أنها تكون أحيانا السبب في سوء التعبير وسوء الفهم , وهى نتاج الخوض في تفسير عمليات عمياء كالقول من خلق الكون فنحن أسرنا السؤال فى إجابة نريدها فإفترصنا أن هناك شئ إسمه خلق وفاعله عاقل .

- الطبيعة لا تبحث عن معنى إذ أن المعنى مفهوم واعي من ضمن منظومة ثقافية انسانية عاقلة ولكن الطبيعة نفسها حركة وبالتالي تعريفها فى حركتها أما المعنى الذي تبحث عنه فهو المعنى الذي يتوافق مع متطلبات سقفك المعرفي وثقافتك وتساؤلاتك كإنسان يسقط ذاته على السؤال .

- الأمور بالنسبة للطبيعة سيان أن يموت حمار أو يعيش , وأن يظهر إنسان أو لا يظهر , وأن تبقى الحياة أو لا تبقى , أن تبقى الأرض أو لا تبقى , فلا قيمة ولا إعتناء بالنسبة للطبيعة ومن هنا يتبدد وهم النظام والغاية والمعنى كأشياء خارجة عن الطبيعة ذات تأثير .

- إن الحياة عشوائية نلجمها بنظام من تصوراتنا من اللامعنى إلي المعنى, و هذا يعني أننا مسئولين تجاه الكون بالمحافظة على حياتنا وتطورنا للوصول إلي المرحلة القادمة من التطور , التطور الذي هو سمة هذا الكون و ليس طريقة وجود المادة الحية فقط .
الجميل في الموضوع هو أننا لم نعد محتاجين لنظرية المُصمم الذكي بالغ التعقيد مجهول الأصل و الهوية , فالكون له طريقة خاصة في الوجود و له خط تطوري ذاتى واضح ومراحل تطور لا خلاف عليها, فلم نعد محتاجين لتلفيق معنى للحياة عن طريق قصص خرافية فنجن خلقنا وإفترضنا للحياة معاني صغيرة قريبة و معاني كبيرة بعيدة نستطيع أن نحيا من اجلها جميعا و أن نساهم عن طريق الإلتزام بتلك المعاني في كتابة تاريخ وفهم للحياة والوجود .

دمتم بخير وعذرا عالإطالة وإلى جزء آخر من العشوائية التى تنتج الحياة .
الحياة عشوائية نلجمها فى نظام من خلال بحثنا وإبداعنا بإيجاد علاقة .



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World