تشيلي، مقاومة على مختلف الجبهات

الطاهر المعز
husseinahwazy@gmail.com

2021 / 8 / 21

تشيلي، نضال نقابي مستمر أثمَرَ بعض المكاسب

إضراب عُمال مناجم النّحاس
كان إنتاج النّحاس بطيئًا، سنة 2020، بسبب الحَجْر الصّحي، ما شكل نقْصًا في المعروض، بحجم 345 ألف طن، واستأنفت الشركات العابرة للقارات استخراجه، خلال الربع الأخير من سنة 2020، ثم ارتفع سعره، بنسبة 31% خلال النصف الأول من سنة 2021، وفاق عشرة آلاف دولارا للطّن الواحد في الأسواق العالمية، وارتفع إنتاج النّحاس في تشيلي، خلال شهر حزيران 2021، بنسبة 2,7% مقارنة بنفس الشّهر من سنة 2020، وبنسبة فاقت 20% خلال اثني عشر شهرًا، بفضل انتعاش الإقتصاد الصيني وارتفاع الطلب العالمي، ما جعل شركات التّعدين تُسجّل أرباحًا قياسية، ويُتوقّع أن تفوق إيرادات منجم "إسكونديدا"، وهو أكبر منجم سجحي عالمي للنحاس، عشرة مليارات دولارا، وما جعل حكومة تشيلي - أكبر منتج للنّحاس (قبل الكونغو وبنما)، بنحو 5,6 ملايين طن، سنة 2019، بنسبة 28% من الإنتاج العالمي، ونصف قيمة صادرات البلاد - تتوقع يوم 12 تموز/يوليو 2021، ارتفاع نسبة النّمو الإقتصادي (الناتج المحلي الإجمالي) من 6% في تقديراتها السابقة إلى 7,5% بنهاية سنة 2021، بفضل ارتفاع سعر النّحاس الخام الذي يُساهم بنسبة تتراوح بين 10% و 15% من الناتج الإجمالي المحلي للبلاد التي تَعُدُّ حوالي 18 مليون نسمة. لكن شركات التعدين العابرة للقارات، التي تستغل نحاس تشيلي، ترفض توزيع جزء بسيط من أرباحها على العُمّال الذين يُنتجون الثروة ويرفعون عائدات الشركات...
أضرب عمال المناجم في العديد من بلدان العالم، منذ شهر أيار/مايو 2020، احتجاجًا على ظروف العمل التي تُعَرّضُ العُمّال لخطر الإصابة بوباء "كوفيد 19"، حيث ارتفعت حالات إصابة عُمّال مناجم النّحاس بتشيلي، فأضرب عُمّال منجم "أنتوفاغاستا"، وتوقّفَ الإنتاج تمامًا، منتصف شهر تموز/يوليو 2020 للمطالبة بتوفير احتياطات السلامة، وبحماية صحّيّة أفْضَلَ، وبرفع الرواتب وتحسين ظروف العمل، وسرعان ما توسّعت حركة الإضراب لتشمل مواقع أخرى، لأن السّلطة استثنت بعض القطاعات "الحيوية" من الإغلاق ومن القيُود الصّحّية المفروضة لوقف انتشار وباء "كوفيد 19" منذ شهر آذار/مارس 2020، وحققت شركة ( BHP ) التي تستغل منجم "إسكونديدا"، أكبر منجم للنحاس وأكثرها إنتاجية في العالم، أرباحًا بقيمة 8,7 مليارات دولارا، سنة 2020، من خلال استغلال العُمّال زمن انتشار الوباء، وتنكرت الشركة للإتفاقيات المُوقّعة في تشرين الأول/اكتوبر 2020، ما أدّى إلى إقرار إضراب شامل، بمنجم "إسكونديدا"، ومنجمَيْن آخَرَيْن، للمطالبة بمكافأة العمل أثناء انتشار الوباء، ومكافأة لمساهمة العمال في رفع الأرباح الصافية للشركة التي تستغل المناجم، إذ حققت مجموعات التعدين أرباحًا خيالية وزّعتها على مالكي الأسهم، ورفضت زيادة رواتب العُمّال، بعد مفاوضات استمرت شَهْرَيْن، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية (فرانس برس 03 آب/أغسطس 2021).
ارتفع الإنتاج ولم ترتفع رواتب عُمّال مناجم النّحاس، بل لم تحترم أكبر الشركات العالمية للتّعدين، شركة ( BHP )، وهي مجموعة أنغلو/أسترالية المَنْشأ، وفرعها التشيلي الذي يُدِير منجم ( Escondida )، اتفاقيات سابقة، وقّعها مُمثّلوها مع النّقابات التي عادت خلال الأسابيع الماضية للتفاوض مع مُمثّلي الشركة، لكن توقفت المفاوضات دون نتائج تُذْكر، ونظمت نقابات العُمّال استشارة، أفضت، يوم السبت 31 تموز/يوليو 2021، إلى تصويت 2164 عامل لصالح مقترح بدء إضراب شامل في أكبر منجم للنحاس في العالم، وتصويت 11 عاملاً وموظفًا ضد الإضراب، في حال فشل جولة جديدة من المفاوضات التي يفْرِضُها القانون، قد تستمر ما بين خمسة إلى عشرة أيام، بوساطة حكومية، ويبدأ الإضراب، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.
تُحاول مجموعة ( BHP ) التّنصّل من التزاماتها، بما فيها اتفاقيات تحسين ظروف العمل وزيادة الرواتب، وتخصيص نسبة 1% من أرباح الأسهم، للعمال، وسبق أن أضرب عُمال نفس المنجم، لمدة 44 يوما، سنة 2017، للحصول على مُكافأة وبعض "المنافع" لصالح أبنائهم المتعلمين في المدرسة، كانت وافقت عليها الشركة، ثم تراجعت، وكانت الشركة قد رَكّزت على "خسائرها" التي بلغت (بحسب الشركة) 740 مليون دولارا، جراء الإضراب، فيما ركزت الحكومة على نتائج الإضراب، منها تراجع عائدات الصادرات وتباطؤ نمو الإقتصاد، كما تُماطل الشركة في تطبيق اتفاقيات نظام المُكافآت والتّدريب المهني، وتحسين ظروف العمل، خصوصًا إثر بقاء 33 عاملا، سنة 2010، مُحاصرين في منجم "كوبيابو"، على عمق سبعمائة متر تحت الأرض، لفترة 69 يومًا، ولا يهتم مالكو الشركة، وكذلك الحكومة التشيلية، سوى بارتفاع الإنتاج والأرباح، خصوصًا بعد ارتفاع سعر الطّن الواحد إلى أكثر من 10,43 ألف دولارا (07 أيار/مايو 2021)، فيما لا يعيرون أي اهتمام بنموذج التنمية ولا بصحة وظروف عمل العُمّال، ولا بتدمير البيئة، وصحة المواطنين، الذين يغمرهم الغبار المشحون بالمعادن الضّارّة بصحة الإنسان والحيوان والنباتات، ولا بتلويث المياه والهواء...
تتخوف الحكومة التشيلية، التي كانت تأمل إيرادات استثنائية من النّحاس، تفوق قيمتها عشرة مليارات دولارا، من شن نقابة عمال المناجم الرئيسية إضرابًا مُطَوّلاً من شأنه أن يقطع إمدادات النحاس العالمية، كما يتخوف صندوق النّقد الدّولي من أن يتسبب الإضراب، إذا طالت مُدّته، في تعثّر الإقتصاد العالمي واقتصاد تشيلي، لكن جميع هؤلاء الذين يبالغون في إظهلر تخوفاتهم من إضراب عمال مناجم النحاس بتشيلي، لا يضغطون على الشركة التي تُشرف على استخراج النحاس، لكي تستجيب لمطالب العمال، "خدمة للإقتصاد العالمي"، بل اتّفق جميعهم على الوقوف صفًّا واحدًا ضد مطالب العُمّال، سواء في تشيلي أو في أي بلد آخر...

الظروف السياسية للإضراب:
اندلعت الاحتجاجات على الفروق الاجتماعية عميقة الجذور، منتصف شهر تشرين الأول/اكتوبر 2019، بعد ارتفاع أسعار تذاكر النقل الحَضَري، وتسببت المظاهرات في انهيار الاقتصاد، وفي اعتقال وإصابة آلاف الأشخاص، وهدأت الإحتجاجات، بسبب انتشار فيروس كورونا، سنة 2020، وما رافق ذلك من إجراءات الحجر الصّحّي التي اتخذت لمكافحته.
في بداية تشرين الثاني/نوفمبر 2019، بعد أسبوعين من اندلاع أزمة اجتماعيّة غير مسبوقة في تشيلي، خرج المتظاهرون مجدّداً إلى الشوارع لمطالبة حكومة الرئيس سيباستيان بينيرا بإصلاحات، وخلافًا لحسابات الحكومة، لم تَضعف التعبئة، ولم تهدأ الإحتجاجات، رغم القمع واغتيال عشرين متظاهر، خلال فترة قصيرة، ورغم ارتفاع عدد الإصابات إلى نحو ألف جريح، واعتقال حوالي ثلاثة آلاف متظاهر، والغازات المسيلة للدموع وخراطيم المياه العادمة، بل ارتفع عدد المتظاهرين إلى حوالي 35 ألف في سانتياغو، حتى بلغ مليون شخص، بمشاركة كثيفة للشباب والأُسَر، في العاصمة سنتياغو وفي جميع مناطق البلاد، في منطقة فالبارايسو (وسط) وبلدة فينا ديل مار القريبة، وفي بونتا أريناس بأقصى الجنوب بحسب مراسل وكالة الصحافة الفرنسية، ولم تهدأ الإحتجاجات، رغم تعليق إجراء زيادات أسعار النقل، وإعلان مجموعة من القرارات ذات الصّبغة الإجتماعية، بل اتسعت الحركة، بسبب تراكم الإستياء من ارتفاع نفقات التّعليم وأسعار المواد الأساسية، ومن التفاوت الطبقي، ولمّا عجزت حكومة الرئيس الملياردير "سيباستيان بينييرا" (الذي كان يدعم الدّكتاتور الجنرال "أوغوستو بينوشيه") عن احتواء حركة الاحتجاج الشعبية، اضطر إلى إعلان تخلي حكومته عن استضافة مؤتمر الأمم المتحدة حول المناخ الذي كان من المقرر عقده في كانون الأول/ديسمبر 2019، وقمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا المحيط الهادئ الذي يضم الدول الواقعة على المحيط الهادئ، بما فيها الولايات المتحدة والصين وروسيا في 16 و17 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، كما حاول عقد حوار مع كل الأحزاب، لكنه لم يتمكّن من مُراوغة المُحتجّين، واضطر إلى تعيين يوم 16 أيار/مايو 2021، موعدًا لانتخاب لجنة لصياغة دستور جديد، بديل عن دستور بينوشيه...
توسّعت رقعة الإحتجاجات ضد تحالف اليمين "المعتدل" و "المتطرف"، لتشمَل "الفئات الوسطى (البرجوازية الصّغيرة) التي أصبح قسم منها ينتمي إلى فئة "الفُقراء الجُدُد"، بعد التّسريح من العمل أو ارتفاع حجم الدّيُون، حيث تراجع متوسط دخل ذوي الرواتب والدّخول المتوسطة، بنحو 60% وارتفعت ديون حوالي 70% منهم، مع ارتفاع حجم إنفاق الأُسَر على التعليم والصحة، ما رفع نسبة الفقر بالبلاد، من حوالي 9% إلى 15% خلال سنة واحدة، قبل ظهور فيروس "كورونا" وانتشار الجائحة، بحسب مركز الدراسات حول النزاعات والتماسك الاجتماعي، بجامعة سنتياغو العاصمة...

إرث الدكتاتورية العسكرية:
كان النّحاس سببًا مُباشرًا في الإطاحة بالرئيس الإشتراكي المنتخب سنة 1971 "سلفادور أليندي"، ولمّا أمّم قطاع التعدين، الذي يضم مناجم النحاس، وأمّم قطاع الطاقة، نظمت المخابرات الأمريكية انقلابًا ضدّه في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 1973، بقيادة الجنرال "أوغوستو بينوشيه"، الذي غيّر دستور البلاد، سنة 1980، ليصبح الدّستور "نيوليبراليا" يسمح بخصخصة كافة القطاعات والخدمات، ويَمنع إدخال تعديلات من دون موافقة أغلبية مطلقة في البرلمان، الذي يسيطر عليه اليمين، وطالب المتظاهرون سنة 2019 و 2020 بتغييره...
كانت الشركات العابرة للقارات والولايات المتحدة وصندوق النقد الدّولي والأثرياء واليمين المحلي يدعمون الدكتاتورية العسكرية، ومنهم أُسْرة الرئيس الملياردير "سيباستيان بينييرا"، الذي طبّق سياسات طبقية مناهضة للعمال والأُجراء والفقراء وحتى الفئات متوسطة الدخل، فتظاهر المواطنون ضد سياسته، ومن أجل العدالة والمساواة، وتغيير دستور الدكتاتورية العسكرية (1973 - 1990)، ما اضطر الإئتلاف الحاكم إلى التنازل وتنظيم انتخابات (أيار/مايو 2021) أسفرت عن اختيار مجلس يضم 155 عضواً لتولي مهمة وضع دستور جديد خلال تسعة أشهر، ما قد يُسْفِرُ عن تغيير للنظام السياسي، وهي خطوة أولى لكنها غير كافية لإحداث تغيير اقتصادي واجتماعي لصالح العاملين والأُجَراء والفُقراء...
رسّخت أحزاب وقوى اليمين التشيلي إرث وخيارات الدكتاتورية العسكرية وزعيمها الجنرال "بينوشيه"، ولم تَتَرَدّدْ في قمع المُحْتَجِّين من الفئات المحرومة والسكان الأصليين الذين تعرضوا لقمع شديد في العاصمة سانتياغو والمدن التي يشكلون فيها أغلبية (جنوب البلاد)، إذ استخدم الجيشُ السلاحَ لقمع احتجاجات 2019/2020، التي تطالب بتغييرات لصالح الفُقراء وأغلبية السّكّان في مجالات التعليم والتقاعد والنظام الصحي والرواتب، وإعادة تأميم خدمات المياه والكهرباء وغيرها، لأن الخصخصة أضرّت بذوي الدّخل المحدود، وبالفئات المتوسطة، خلال السنوات الأخيرة، وعلى سبيل المثال يُقدّر متوسط أجر العُمال وصغار الموظفين بنحو خمسمائة دولار شهريا، ويُقدّر حجم إنفاق أُسرة من شخْصَيْن، بدون أبناء، بما لا يقل عن 732 دولارا شهريا، ويتهدّد الفقر نحو 53% من أفراد شعب تشيلي الذي يعد حوالي 18 ألف نسمة، وتُوضّح هذه الأرقام والبيانات سبب اتّساع رقعة الإحتجاجات.
لم تبدأ الإحتجاجات الشعبية ضد ائتلاف الأثرياء واليمين الحاكم، سنة 2019، بل احتجّ الطلبة منذ سنة 2011 ضد ارتفاع الرسوم في مؤسسات التعليم العمومي، فضلا عن التعليم الخاص، واحتجّت العديد من الفئات ضد التفاوت الطبقي المُجحف، واحتج الأُجَراء عدة مرات (رغم ضُعْف النقابات) ضد ارتفاع تكاليف العيش، وانخفاض القيمة الحقيقية للرواتب، وارتفاع نسبة الفَقْر، فيما يرى النّاس مظاهر الثراء الفاحش في أحياء الأثرياء، وهي معزولة ومحاطة بالأسلاك وبالجدران ومحروسة من قبل شركات أمنية خاصّة. أما اليسار المائع المتحالف مع قوى وسطية، فقد عجز عن تقديم أي بادرة تخدم التّغيير، بسبب القُيُود التي يفرضها دستور بينوشيه (دستور سنة 1980)، وخصوصًا بسبب عمل اليسار داخل حدود القوانين البرجوازية، وإهمال قُوة العاملين والفُقراء، وأغلبية الشعب.
أعاد احتلال الجيش للشوارع والساحات إلى الذاكرة الجَماعية، مشاهد القمع الدّموي واغتيال حوالي أربعة آلاف مُعارض، والإعتقالات بالجملة، وحشد المُعتقلين في الملاعب الرياضية، خلال انقلاب 1973 والسنوات التي تَلَتْهُ، ما اضطر الآلاف لمغادرة البلاد، وهو ما يُفسّر المشاركة الكبيرة وعزل قوى اليمين، في انتخاب المجلس الذي سوف يقترح دستورا جديدًا، بالتوازي مع الإنتخابات البلدية، ليُعبّر الشعب عن نقمته ضد طبقة الأثرياء التي ينتمي لها الرئيس "سبستيان بنييرا"، الذي يشرف مع بعض أفراد أسْرَتِهِ على العديد من القطاعات (كالنقل الجوي والصحة والتعليم...) التي تمّت خصخصتها وخفض الضرائب على أرباحها، سواء خلال فترة الدكتاتورية العسكرية أو بعدها...
يتمثّل إرث الدّكتاتورية العسكرية التي تزعّمها "أوغوستو بينوشيه" في منظومة اقتصادية واجتماعية وقانونية، رسّخت التفاوتات الإجتماعية، بل عَمّقتها جغرافيا (مناطق السّكن) وماليا، عبر إقصاء الفُقراء من منظومة التعليم ومن قطاع الصّحة، بفعل خصخصة كافة القطاعات والخدمات، وعبر ترحيل السّكّان من أحياء الفقراء، المجاورة لمناطق سَكَن الأثرياء، وعبر افتكاك أراضي السّكّان الأصليين في مناطق تجمّعهم، لتحويل بعضها إلى مزارع ضخمة أو إلى منتجعات سياحية، ما رفع سعر أراضي بعض الأحياء وبعض المناطق التي استحوذ عليها الأثرياء المُضاربون، عبر افتعال الحرائق، أو عمليات التخريب، بدعم من مؤسسات الدّولة، وفي مقدّمتها الجيش ومنظومة القضاء، فضلاً عن السّلطة السّياسية.
كشفت الإحتجاجات الشعبية، منذ 2011، عُيُوب النظام السياسي والإقتصادي، الذي كان صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي يتستّران عليها، وأظهرت جائحة كوفيد ما لحق المنظومة الصّحّية من تخريب، عبر الخَصْخَصَة، حيث انتقلت حالات الإصابة بسرعة من أحياء الأثرياء، خلال الرّبع الأول من سنة 2020، إلى أحياء العُمّال والفُقراء، جنوب شرقي العاصمة سنتياغو، فارتفعت حالات الوفاة بالفيروس بنسبة 2,5 مرة، مقارنة بمناطق سَكَن الأثرياء، الذين يمتلكون مقومات المقاومة ومواجهة الوباء، خلافًا للفُقراء، الذين يضطرون للعمل، والتنقل بواسطة وسائل النقل العمومي، والعيش في أحياء ومساكن ضيقة ومُكتضة، تنقصها التهوئة، وكان انتشار وباء "كوفيد 19" عاملاً مُحفِّزًا أو مُسَرِّعًا لتفجير الغضب الشعبي والطّبَقِي والإجتماعي. أما العُمّال فانخفضت القيمة الحقيقية لرواتبهم، ولئن بقي مُعدّل الخصم من الرواتب بحدود 10% لمنظومة التقاعد، فإن قيمة المعاشات التقاعدية انخفضت في المتوسط إلى ما دون الحد الأدنى للرواتب، منذ أصبح القطاع الخاص يُشرف على تجميع مبالغ الخصم وعلى توزيع جرايات التقاعد، فكانت هذه العوامل مجتمعة، مفجّرة لغضب الفُقراء والمُعَطّلين والعاملين الذين يحاولون خلق موازين قوى تُمكّنهم من افتكاك حقوقهم...
بلغ عدد أيام الإضراب في منجم "إسكونديدا" هذا العام 25 يومًا، وروّجت الحكومة اليمينية وشركات التّعدين، في بداية شهر آب/أغسطس 2021، خبرًا عن "صفقة" مُحتملة بين المجموعة الأنغلو-أسترالية ( BHP )، التي تستغل منجم "إسكونديدا" ونقابة العمال، بشأن عقد العمل الجماعي (الإتفاقية المُشتَرَكة) ومكافأة الإنتاجية ومزايا مختلفة، وزيادة الرواتب بنسبة 5%، لتفادي إضراب شامل وطويل، مثلما حصل سنة 2017 الذي أدّى إلى انكماش اقتصاد البلاد بنسبة 1,3% من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب الحكومة، وأعلنت نقابة العاملين أن أَلْفَيْ عامل وافقوا على "الصفقة"، وأكّدت الصّحف المحلية الخبر، لكن لم يتم نَشْرُ تفاصيل الإتفاق لغاية يوم 20 آب/أغسطس 2021.
بالتوازي مع ذلك، أوردت برقيات لوكالة "أسوشيتد برس" ووكالة الصحافة الفرنسية و"رويترز" (18 آب/أغسطس 2021) خبر إضراب عمال ثلاثة مناجم كُبرى، وأكّد بلاغ نقابات شركة "كوديلكو" التشيلية الحكومية، يوم الثلاثاء 17 آب/أغسطس 2021، بداية الإضراب عن العمل، بعد رفض العُمال بنسبة فاقت 97% (منهم 1437 عاملا في منجم أندينا) مقترحات الشركة التي تهدف "خفض تكاليف العمالة وإلغاء حقوق العاملين في الرعاية الصحية وتعويضات نهاية الخدمة ..."، ويتوقع أن يبلغ إنتاج شركة "كودلكو" نحو 8% من إجمالي الإنتاج العالمي للنحاس، هذا العام.
وذكّر النّقابيون أن عُمّال مناجم "أندينا" الواقعة على ارتفاع ثلاثة آلاف متر عن سطح البحر، وسط البلاد، بذلوا، خلال انتشار وباء "كورونا"، جهودًا استثنائية، رغم مخاطر الوباء والمواد الكيماوية السّامّة والغُبار...



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World