العصابة و العصبية و مذلة العيش في لبنان

خليل قانصوه
khalilkansou@hotmail.fr

2021 / 8 / 13



من نافلة القول أن العصابة الطائفية تدعي زورا أنها تمثل الطائفة التي تنتمي إليها . لا يوجد في الواقع ، بالرغم من توظيف العصبيات و إبراز الجهلة السوقيين وترفيعهم وتسليطهم على الناس ، طائفة من طوائف لبنان الثمانية عشرة ، متجانسة في الرأي والموقف من الأحداث الجارية . و لكن من المعروف أن الأفواه مكممة و الأطراف مكبلة في ظل "الديمقراطية اللبنانية "
.
أضع هذه التوطئة لأقول أن العصابات التي أطلت برأسها في الأيام الأخيرة ، على الطريق إلى جنوب البلاد و في المناطق المحاذية لفلسطين ، و في قلب العاصمة بيروت ، لا تمثل الطوائف التي خرجت منها ، فهي لا تعدو غالبا أدوات يستخدمها متزعمو هذه الطوائف في نقل الرسائل فيما بينهم ، على حساب أمن و دماء و مصالح الناس . هذه أمور لا يجهلها أحد في لبنان .هذا من ناحية أما من ناحية ثانية فمن من المعلوم أن العصبية تبرر وتترجم خطاب العصابة .

و في مختلف الأحوال لا أتناول هنا موضوع العصابات التي أعتمد عليها أمراءُ الحرب للإستيلاء على السلطة وإدارة شبه الدولة بطريقة تتعارض كليا مع القوانين و الأعراف و الأخلاق والمسؤولية الوطنية ، فما أنا بصدده في الحقيقة هو محاولة توصيف لما يجري بناء على فكرة مفادها أن لبنان موجود تحت اشراف أوروبي ـ أميركي ، كحقل تجارب و مراقبة و قيادة ، لكل ما يتعلق من وجهة نظر المشرفين ،بشؤون المنطقة السورية العراقية خصوصا ،بحيث تكون الأوضاع فيها ملائمة لمصالحهم و خطتهم .

من البديهي أننا نلامس هنا موضوعا و اسعا يحتاج إيفاؤه إلى تفاصيل يضيق هذا المقال عن إحتوائها ، لذا أكتفي بالاشارة إلى مسألة لافتة تكشفت بوضوح من خلال التطورات المتتالية مند سنوات 1970 ، بخصوص العلاقة الثابتة بين الوصول إلى السلطة و استقرار الأوضاع من جهة ودور الولايات المتحدة الأميركية الأساسي ، الثابت و المؤثر ، في مصير السلطة و البلاد من جهة ثانية .

بكلام أكثر صراحة أٌقول يخيّل إلي أن جميع الشخصيات التي ظهرت في الفترة المذكورة ، و لعبت دورا بارزا في حوكمة بلادها ، حازت في بداية الأمرعلى موافقة الولايات المتحدة الأميركية أو على مساعدتها أو أنها منحتها فترة سماح ، ثم تبدّلت العلاقة في مرحلة ثانية ، إلى خصومة أو استغناء عن الخدمات تجسدت بشكل من أشكال العزل أو التصفية المعنوية أو الجسدية . نجم عنه في معظم الأحيان إعادة البلاد إلى المربع الأول ، أي التراجع و محو أكثر الإنجازات التي تحققت ، تعديا لكل الحدود وصولا إلى تدمير البلاد الشامل و تمزيق المجتمع الوطني و إلغاء الدولة .

مجمل القول ان التغيير محرّم دوليا كما يبدو في المنطقة السورية العراقية و أن الرقابة الدولية ذات بأس شديد ، فهي لا تمهل الذين يرتكبون " الخطيئة المميتة " . فلو تصفحنا تاريخ المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن لتبين لنا أن الدين اعدموا على عجل رميا بالرصاص ، أو غيبوا و لم يعثر لهم بعد ذلك على أثر ، أو قتلوا غيلة على قارعة الطريق ، أو تحت الركام ، كانوا يعملون في مشروع تغييري لا ترضى به الولايات المتحدة ، بصرف النظر عن الموقف منه ، أو أنهم أنهوا مهاما أوكلت إليهم من أجل توفير الظروف الملائمة للتفسيخ و الهدم ، فتوهموا و أوهموا الناس ، بسلوك نهج يقود إلى حائط مسدود أو أغووهم عن الإستقامة و العدالة و أغروهم بالوعود المعسولة ، فتعطلت العقول وساءت الأخلاق ، و ضعفت الإرادة وضربت الذِّلّة .



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World