قصص وحواديت من العالم القديم (03)

محمد زكريا توفيق
zakariael@att.net

2021 / 8 / 13

اغتصاب نساء سابين

لا نعرف سبب نقص النساء في روما في زمن رومولوس. ربما بسبب مرض غامض أصاب النساء، أو غصب من الآلهة، أو شيء آخر من هذا القبيل.

لعلاج الأمر، أرسل رومولوس، حاكم البلاد، إلى المدن المجاورة، يرجو ويطلب الإذن لشباب بلده بالزواج من عذارى بلادهم. غير أن طلبه قد قوبل بالرفض التام. لم يقابل رومولوس الرفض بروح رياضية. وصمم على تحقيق طلبه بالعافية، مادام الذوق والأدب لا ينفع مع هؤلاء الأقوام.

في يوم معين، أعلن رومولوس عن إقامة مهرجان كبير، تقام فيه ألعاب وعروض ومسرحيات وطبل وزمر وجوائز في مدينته، روما. والدعوة عامة لكل عائلات المدن المجاورة.

بدأت الحشود تتوافد فرادا وزرافات للمشاهدة والاشتراك في المهرجان الكبير في اليوم الموعود. منهم كل عائلات سابين. بينما الكل مشغولا بالعروض والألعاب الرياضية والأنشطة المختلفة، وبعد إطلاق إشارة معينة، انقض شباب روما المتعطش للحب، على ضيوفهم الغرباء، وهرب كل شاب منهم بعذراء وجدها الأكثر جمالا.

بالطبع دي حركة ليست ظريفة من رومولوس. آباء الفتيات المخطوفات كانوا غاضبين جدا. بحثوا عن بناتهم دون جدوى. ثم غادروا المدينة يائسين. وهم يسبون ويلعنون، متعهدين بالانتقام من الرومان الغدارين. الذين لم يراعوا جيرة أو أصول ضيافة، وقاموا بفعل شنيع لا يمكن تبريره.

قامت حرب بسبب هذا الحادث، بين السابين والرومان. والتقى الجيشان. كل منهم عاقد العزم والنية على النصر أو الموت. وقبيل بدء المعركة، هرعت النساء، اللواتي كن السبب في هذا العداء، تطلقن شعورهن، وتمزقن ثيابهن، أمام القوات المنتظرة إشارة البدء للقتال.

حاول بعضهن تليين قلوب أزواجهن؛ وأخريات حاولن إذابة قلوب آبائهن وإخوتهن. لقد بكين، توسلن، ورجون. ثم أعلن أنهن قد تزوجن وكن يعاملن بلطف شديد من أزواجهن. إنهن هنا من أجل إحلال السلام بين الأقارب القريبين والأهل الأعزاء.

لقد تحققت صلواتهن، ووافق السابين أخيرا على الصفح والغفران ومسامحة الرومان. وكان الرومان على استعداد أيضا للمصالحة مع السابين، الذين شعروا بالإهانة. ثم عاشت الأمم في حب ووئام لسنوات عديدة. وحل السلام، وتم الحفاظ عليه، هو صرح المرأة الحقيقي.

في زمن رومولوس، حوالي B.C. 732، غزت مستعمرة من كورينث، وهي مدينة في اليونان، جزيرة صقلية، ووضعت هناك أسس مدينة سيراكيوز.

بعد أن جلب رومولوس إلى مدينته القوة والعظمة والرفاهية، توفي. خلفه "نوما بومبيليوس"، من السابين بلد البنات الحلوين، وكان هو الملك الثاني لروما. قيل أن رومولوس قد مات مقتولا، وقيل أيضا أنه صعد حيا إلى السماء.

أما بالنسبة لنوما، فقد كان رجلا حكيما فاضلا، يعيش سعيدا قانعا في خصوصيته. عندما عرض عليه عرش روما، رفضه. وبعد أن ألح عليه أصدقاؤه مرارا وتكرارا، قبله على مضض، من أجل الصالح العام.

لقد أثبتت الأيام أن نوما، المواطن البسيط، هو أيضا ملك متميز. حكم روما لمدة 43 عاما في سلام ووئام. وبذل كل ما في وسعه للعناية بعمائر روما وشوارعها، وتحسين أحوال سكانها.

أثينا كانت المدينة الأكثر شهرة في اليونان. واليونان مساحة كبيرة من البلاد في الركن الشرقي من أوروبا، كانت مغطاة بالمدن. لكل منها أراضيها وملكها. منها، اسبرطة، كورينث، أرجوس، وأثينا وغيرها. أثينا وما حولها من قرى وأراض، تسمى أتيكا، وهي مملكة أوديسيوس بطل الأوديسة.

ثيسيوس، أريادني

كان ثيسيوس، ابن أوجيوس، أكثر ملوك أتيكا شهرة. حكم هناك قبل حرب طروادة.

عندما كان شابا، كان من العادات في أثينا إرسال سبعة شبان وسبع عذارى إلى مينوس، ملك كريت، كنوع من الجزية. يقال إنه يضع هؤلاء الضحايا في مكان يسمى متاهة، لكي يلتهمهم وحش، مينوتور، في شكل نصف رجل ونصف ثور. المتاهة، من يدخلها لا يستطيع الخروج منها.

كان يحدث ذلك مرة كل عشر سنوات. وكان الشباب الفقراء يختارون بالقرعة. عندما حان وقت تقديم القرابين لثالث مرة، تقدم الأمير ثيسيوس، وعرض نفسه طواعية كأحد الضحايا.

لم يوافق الأب، الملك أوجيوس، بالتضحية بابنه في بادئ الأمر، إلا أنه رضخ أخيرا لرغبة ابنه وإصراره على الذهاب مع الفتيان والفتيات لمجابهة الوحش المخيف.

السفينة التي حملت الضحايا التعساء كان لها شراع أسود. وعد ثيسيوس والده أوجيوس، في حالة انتصاره على الوحش، أن يبدل شراع السفينة بشراع أبيض، كرمز للانتصار والعودة سالمين.

عندما وصلت السفينة إلى كريت، وقعت عذراء شابة تدعى أريادني في حب ثيسيوس، وأعطته خريطة للمتاهة، وبكرة خيط، تساعده على الخروج منها.

دخل ثيسيوس بشجاعة المغارة، وقتل الوحش. تتبع الخيط وخرج سالما هو وباقي الشبان والشابات. ثم أخذ من تم إنقاذهم وأريادني معه، وأبحر عائدا إلى أثينا.

عندما اقتربت السفينة من أتيكا، كانوا جميعا في نشوة فرح وسعادة غامرة، أنستهم تماما رفع الشراع الأبيض. الملك أوجيوس، كان يراقب بفارغ الصبر السفينة وهي تقترب.

عندما رأى أوجيوس الشراع الأسود، اعتقد أن ابنه قد مات. فرمى نفسه، من شدة الحزن، من فوق تلة عالية ليسقط فوق الصخور ويلقى حتفه. خطآن كبيران تسببا في هذه الكارثة المحزنة: عدم الوفاء بالوعد، والتعجل بالحكم على الأمور قبل التحقق منها.

أصبح ثيسيوس الآن ملكا على أثينا. هو أحكم وأنزه من رأتهم البلاد من حكام. أعلن لشعبه أنه لا يبغي حكمهم. الناس يجب أن تحكم نفسها بنفسها حتى يتساوى الجميع.

ترك ثيسيوس حكم أثينا وأسس كومنولث. ثم أقام مجلسا نيابيا يجتمع فيه الناس للمناقشة وتبادل الآراء وأخذ القرارات بالتصويت. اكتفى بمنصب القائد الأعلى.

أصبح سكان مدينة أثينا، دون باقي سكان مدن العالم القديم، هم الوحيدون الذين يحكمون أنفسهم بأنفسهم. وهم الأسعد والأكثر حرية ورخاء وازدهارا بين باقي البشر.

أثناء حرب السبعة ضد طيبة، عندما رفض أهل طيبة المنتصرون دفن جثث أعدائهم، استنجد المهزومون بالبطل ثيسيوس والأثينيين. وهم واثقين من أن أثينا الحرة تحت قيادة عظيم مثل ثيسيوس لن تقبل أبدا انتهاك حرمة الأموات ومعاملتهم بمثل هذه القسوة.

ذهب ثيسيوس إلى نساء الأمازون المقاتلات. البعض يقول بأنه أخذ معه البطل هرقل، وآخرون يقولون بأنه ذهب إليهن وحده. عاد بواحدة منهن اسمها أنتيوبي أو هيبوليتا.

جاءت نساء الأمازون المقاتلات إلى أتيكا لنجدة هيبوليتا. أتيكا هي البلد التي تحيط بمدينة أثينا. في ذلك الوقت، أنجبت هيبوليتا من ثيسيوس ابنا أسمته هيبوليتوس. لكن جيش الأمازونات أصيب بالهزيمة، ولم يستطع أي جيش دخول أتيكا أثناء حياة ثيسيوس.
قصص كثيرة من هذا النوع تبين لنا خلق بطل أثينا العظيم ثيسيوس. منها:
قاطع الطريق سكايرون الذي كان يجبر ضحاياه على الانحناء لغسل قدميه، ثم يقوم بركلهم لكي يسقطوا من حافة الجبل إلى البحر، قام ثيسيوس بإلقائه إلى الهاوية لكي يلقى حتفه.

المفتري سينيس، الذي كان يقتل المارة بربط كل منهم في شجرتي صنوبر بعد ثنيهما إلى الأرض، ثم يتركهما لكي يقوما بتمزيق الضحية وقتلها شر قتلة، قام ثيسيوس بربط سينيس في شجرتين وقتله بنفس الطريقة التي كان يقتل بها ضحاياه.

الحداد والمجرم بروكرست، كان يقبض على المارة ويضعهم بالطول فوق سريره الحديدي. ثم يقوم بقطع أرجل الضحية، إن كانت طويلة، أو شدها من رأسها ورجليها بآلة خاصة، إن كانت قصيرة، حتى يجعل طول الجسد مناسبا لطول السرير. قتله ثيسيوس بنفس الطريقة، وكان الجزاء من جنس العمل.
بعد ثيسيوس، حكم العديد من الملوك في أثينا: آخرهم، كودروس، يستحق الذكر. قيل له إن أثينا لن تزدهر حتى يموت ملكها على يد عدو. فذهب مباشرة متنكرا إلى معسكر العدو، وافتعل شجارا مع أحد الجنود، عمدا لإثارة حماسه حتى يقتله، وقد كان له ما أراد.

قتال بين الهوراتي والكورياتي

كان الرومان يحاولون النصر دائما بكل الوسائل المتاحة لهم، سواء كانت قوة السلاح أو المخططات البارعة، للتوسع وفرض سيطرتهم على الدول الأخرى.

أرسل الملك الروماني، تولوس هوستيليوس، تحت ذريعة أن فلاحي أمة ألبا لنجا المجاورة قد نهبوا رعاياه، رسالة يطالبهم باسترداد البضائع المنهوبة. كان يعلم أن الألبان سيرفضون، لأن الرومان قد نهبوهم سابقا. وما فعلوه كان مجرد رد فعل.

لذلك قامت الحرب بين البلدين. وكما يرويها ليفي عن تاريخ روما، اجتمعت الجيوش المتحاربة، قدم جنرال من ألبا، ميتيوس، اقتراحا يحقن الدماء، ويقدم طريقة أخرى لتسوية النزاع.

حدث أن في كل جيش، كان يوجد ثلاثة إخوة توأم. أولئك الذين على الجانب الروماني كانوا يسمون هوراتي، وأولئك على الجانب ألباني، كورياتي. اقترح القادة على هؤلاء الشبان القتال حتى الموت، كل لبلده. والفريق المنتصر، يكون قد حصل على النصر لأمته. وتم عقد معاهدة بين الجيشين بهذا المعنى. وهي أقدم معاهدة سجلت في التاريخ.

حارب كلا الجانبين بشجاعة نادرة. أصاب الرومان الهوراتي، الكورياتي الثلاثة بجروح. لكن أثناء القتال، قُتل اثنان من الرومان . ترك شقيقهما بوبليوس وحده محاطًا بالألبان الثلاثة.

أدرك بوبليوس أنه لم يعد لديه أية فرصة ضد أعدائه الثلاثة معًا. لذا بدأ يركض عبر ساحة المعركة بدلًا من المواجهة. طارده الألبان، كل منهم بالسرعة التي سمحت بها إصاباته. كان هذا بالضبط ما يريدهم أن يفعلوه.

بعد أن ركضوا بعيدًا، احتار الألبان الثلاثة وانفصلوا عن بعضهم البعض. نجحت خطة الروماني. ثم استدار وشن هجومًا شرسًا على الكورياتي الأول، الأقل إصابةً، وقتله.

بدأ المتفرجون الرومان، الذين كانوا متأكدين من الهزيمة، قبل لحظات، يهتفون بحماس، بينما الألبان يصيحون في الكورياتي الاثنين للوحدة في مواجهة هجوم بوبليوس.

لكن قبل أن يتمكنوا من ذلك، قبض الروماني على الألباني الثاني وقتله على مرأى شقيقه العاجز. استُنفد الكورياتي الأخير جسديًا من جروحه ومطاردته. هنا، غرز الروماني سيفه في حلق الألباني وأرداه قتيلا. ثم أخذ دروع أعدائه القتلى كغنائم انتصاره. الحكمة هنا هي فرق تسد.

أثينا، دراكو
كان أهل أثينا يرغبون في قوانين مكتوبة. حتى يكون الحكم أكثر ثباتا وسهولة. لذلك طلبوا من دراكو، وهو رجل حكيم وصادق، كتابة مجموعة قوانين تناسبهم.

فعل دراكو ذلك. وكانت هذه أول القوانين المكتوبة، التي سجلها التاريخ. لكنها كانت قاسية. جرائم تافهة جدا، كانت عقوبتها الإعدام. هذا يعني أن دراكو، لم يكن لديه الرحمة أو الحكمة. القوانين هدفها منع الجرائم. الشخص الذي يعاقب باعتدال على جريمة صغيرة، من السهل تقويمه وتحويله إلى إنسان فاضل.

كانت قوانين دراكو قاسية جدا، لدرجة أن أحدا لم يرد تطبيقها. النتيجة، هي أن ساءت الأمور في أثينا، وبدت كأنها كانت بدون قوانين. لأن الفوضى سادت بها والهلع لسنوات عديدة.

بعد مائة وخمسين عاما من وفاة دراكو، اختار الأثينيون سولون رئيسا لهم. ثم طلبوا منه عام 594 ق م، تعديل قوانين دراكو، وضع قوانين جديدة عادلة.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World