ماذا تغير البلشفية؟ - الشيوعية الجديدة

آسو كمال
asokamal@yahoo.com

2021 / 8 / 10

الفصل التاسع من كتاب الشيوعية الجديدة
ماذا تغير البلشفية؟

يقول غرامشي في خطابه "مشاكل الماركسية"، كان لينين رائدا في إظهار الأهمية الفلسفية للأفكار وحقيقة الهيمنة*1 . أن هذا "التطور السياسي لفكرة الهيمنة نفسها يظهر تقدماً فلسفيا كبيرا وأيضا ممارسة سياسية" *2. وهذا يعني أن "البروليتاريا يجب أن تقاتل لتصبح الطبقة الحاكمة في الإمكانية والقوة الداخلية". يجب أن يكون الصراع من أجل الهيمنة قبل أن تصل إلى السلطة، وفي وقتها، وبعد السلطة" *3. هذا هو محتوى التغييرات التي جلبها لينين وبالبلشفية على عصرهما، شيوعية القرن العشرين.
من أين نشأ هذا التغيير البلشفي في الشيوعية؟
وقد تطورت الديمقراطية الاشتراكية في أوروبا حتى ذلك الحين في عملية التغيير من يوتوبيا إلى العلم، وفي حركة التغير التدريجي إلى حزب ذي قاعدة شعبية عريضة له مقاعد في البرلمان البرجوازي. ولكن الثورة الديمقراطية في روسيا ضد السلطة المطلقة القيصرية خلقت أرضية جديدة أعطت الطبقة العاملة الفرصة لاختبار الشيوعية كوسيلة ثورية للتخلص من القيصرية الأرثوذكسية الإقطاعية. كانت هذه هي سمة روسيا، التي أصبحت في بداية القرن العشرين، مثل الثورات الديمقراطية البرجوازية في منتصف القرن التاسع عشر في أوروبا، و أصبح هذا البلد مركز الثورة.
ما فصل لينين والبلشفية عن الديمقراطية الاشتراكية و الديمقراطية الاشتراكية الألمانية هو النقطة التي كان ماركس وأنجلس يحاولان القيام بها من فترة البيان الشيوعي حتى نهاية القرن التاسع عشر، وهي أن الطبقة العاملة في الثورة البرجوازية لا ينبغي أن تكون ملحقا للأحزاب والحركات البرجوازية، بل يجب أن تظهر استقلالها داخل تلك الثورة وتتبع مصالحها الخاصة وتهدف إلى تغيير النظام الرأسمالي.
كانت هذه الحركة الثورية داخل الطبقة العاملة نتاج الأرضية الثورية في روسيا، التي تريد تغيير العلاقة بين الاقطاعية والسلطة الديكتاتورية القيصرية المطلقة، إلى العلاقات الرأسمالية و السلطة البرلمانية، وتوفير الحرية السياسية. ووفقا لتأثير ثورات العمال الأوروبيين ووجود حركة ثورية ديمقراطية اشتراكية أظهرت نفسها في الاممية الثانية وكان لها تأثير كبير في روسيا، فضلا عن وجود حركة زراعية ثورية، فإن كل هذه الحركات زادت من مستوى التوقعات والتطور السياسي للعمال الروس منذ ثورة عام 1905. خاصة عندما أصبحت البرجوازية الروسية في ائتلاف مع القياصرة ، كان على العمال بعد الثورة قيادة الحركة الثورية للإطاحة بسلطة القيصر، وإنهاء بقايا الاقطاعية والأرستقراطية القمعية لأصحاب العقارات والحصول على الحريات السياسية.
لم تتضمن هذه الأهداف أي شيء عن الاشتراكية وتغيير النظام الرأسمالي، على الرغم من أن الاشتراكية كانت الهدف النهائي والرغبة في البرنامج الديمقراطي الاشتراكي. وحتى نيسان/أبريل 1917، يقول لينين: "ليس من واجبنا الفوري تقديم الاشتراكية".*4
لكن المواقف والتكتيكات حول الثورة نفسها في روسيا أصبحت محور الصراع داخل الحركة العمالية والحركة الديمقراطيةالاشتراكية. ونحن نرى هذا في كتاب لينين تكتيكان للديمقراطية الاشتراكية في الثورة الديمقراطية. *5
القضية الرئيسية هنا هي دور الطبقة العاملة في الثورة والسلطة والدولة. وقال "المشكلة الرئيسية هي كيف يمكن للطبقة العاملة والمضطهدين اكتساب الهيمنة.*6 ويعتقد لينين أن هذه هي القضية الرئيسية في الثورات الروسية، سواء في شكل "الديكتاتورية الديمقراطية الثورية للعمال والفلاحين" كما في عام 1905 أو في "كل سلطة للمجالس" في أبريل 1917، أو في "ديكتاتورية البروليتاريا" في أكتوبر 1917.
كان لدور النضال الجماهيري في الثورة الروسية تأثير إيجابي على الحركة الديمقراطية الاشتراكية العالمية نحو التوجه الراديكلي للحركة، وصعود مجالس العمال والفلاحين في ثورة عام 1905، ثم تطوير هذه المجالس في عام 1917، مما فتح الباب أمام الخروج من أزمة مأزق البرلمانية. وقد لعب هذا الأسلوب دورا رئيسيا في نجاح التنظيم الطبقي في دور البلشفيين نحو تطوير الحركة الراديكالية، مطالبا بسلطة مباشرة من العمال، وجعل شعار "كل السلطة للمجالس" بديلا للحكومة والبرلمان البرجوازي.
في الازمة البرجوازية الروسية و مأزق الديمقراطية الاشتراكية المنشفية والاشتراكي الثوري، ببقاءهما على هامش حكومة كرينسكي، التي أطالت نفس سياسة الحرب الإمبريالية وسلطة كبار ملاك الأراضي والرأسماليين، وتمكن البلشفيون من إقامة علاقة عضوية بين الحزب الثوري وجماهير الحركة الثورية من خلال مجالس العمال والجنود والمزارعين. وقد استطاعت صلة البلشفيين بالممارسة الثورية للجماهير في مجالس الشورى وفي الاحتجاجات وإظهار أفق لتحقيق المطالب الثورية، مثل السلام والأرض للمزارعين ودور نقابة العمال في المصانع، أن تجعل الرغبة العامة للاشتراكية بديلا وتجمع الحركة الثورية حولها.
وقد أثبت البلشفيون أن سلطتهم وحدها هي التي يمكنها مواصلة الوضع الثوري الذي يمكن فيه للعمال والفلاحين والجنود تحقيق رغباتهم. كان عمل البلشفيين استمرارا للتراديزون العمالي الذي حمله اليعقوبيون والكومونات الباريسية في الثورة الفرنسية، وهو فهم وإدراك للنضال الطبقي وهدفه، وهو الاستيلاء على السلطة وقمع المعارضة البرجوازية.
تعلم البلشفيون من فشل اليعقوبيين والكومونيين، وبالتالي شكلوا حزبا سياسيا وجماهيرياً من العمال خلال العقدين. وكان هذا هو سر نجاح البلشفيين في البقاء في السلطة وهزيمة الجيش الأبيض والقوى البرجوازية الروسية والدولية.
تم تشكيل الحزب في خضم ثلاث ثورات، كانت الطبقة العاملة ناشطة فيهم. وعندما منعت الدولة البرجوازية المؤقتة العمال والفلاحين من تحقيق رغباتهم وكان الوضع بحاجة إلى حزب العمال لجعل السلطة الثورية للمجالس قوة ضد البرجوازية، استجاب البلشفيون للوضع كبديل لسلطة الدولة. علاقة البلشفيين بالممارسة الثورية للعمال في هذه الثورات الثلاث واتجاه الحركة الثورية ضد الأحزاب البرجوازية وحكومتها جعلت الحزب البلشفي يطبع الدولة بطابعه الشخصي.
على عكس الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني والمناشفة، لم يكن البلشفيون خلفاء الحكومات البرجوازية خلال الحرب العالمية الأولى وبعد ثورة فبراير 1917، بل كانوا من بين معارضة هذه الحكومات، في الخط الأمامي للاحتجاجات وثورات العمال والفلاحين، ووقفوا ضد السياسات الإمبريالية والشوفينية والقمعية. وقد أدى ذلك إلى عدم فصل البلشفيين عن جماهير العمال والثورة. وكان إصرار الحزب على "استقلال العمال وأهمية اكتساب الهيمنة على المجتمع علامة على شكل جديد من أشكال الدولة" 7*، وهو ما أظهره البلشفيون.
ولكن هل يستطيع أي حزب بهيكله العمالي وبرنامج الدعاية الاشتراكية أن يغير المجتمع الرأسمالي إلى مجتمع شيوعي وينهي السلطة الطبقية؟ في تحقيقنا في تجارب السوفييت والحزب البلشفي، سنجيب بالتأكيد على السؤال لماذا الحزب البلشفي، على الرغم من عمله، وعلى الرغم من كل الخصائص والتقدم الذي ذكرناه أعلاه، لماذا لم تنجح الثورة الاشتراكية بعد؟ بالطبع، يجب أن نحقق في النقاط المذكورة أعلاه وممارسة الدولة البلشفية لمعرفة ما هو السبب الخفي وراء هزيمة هذا الحزب الثوري عندما وصل إلى السلطة؟

1*غرامشي في خطابه "مشاكل الماركسية"، Gramsci, Prison Notebooks، ص 381
2* Gramsci, Prison Notebooks، دراسات الفلسفية، ص 333
http://www.asokamal.com/index/wp-content/uploads/2020/08/hob.pdf * 3*
هوبسباوم ، كيفية تغيير العالم- غرامشي ، ص 325،
https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1917/apr/04.htm *4*- لنين ، اطروحات نيسان
5* لینین، تكتيكان للديمقراطية الاشتراكية في الثورة الديمقراطية ، https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1905/tactics/index.htm
http://www.asokamal.com/index/wp-content/uploads/2020/08/hob.pdf *6
هوبسباوم ، كيفية تغيير العالم- غرامشي ، ص 325،
7* غرامشي في خطابه "مشاكل الماركسية"، Gramsci, Prison Notebooks، ص 388



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World