الأرواح الغرائبية المعذبة 1 فان جوخ،السعيد عبدالغني

السعيد عبدالغني
el.elsaied@gmail.com

2021 / 8 / 10

في هذه السلسلة "الأرواح الغرائبية المعذبة" سنتحدث عن من طالتهم الأمراض النفسية والعقلية والاضطرابات العصبية من الفنانين، الشعراء، الفلاسفة والأدباء وغرائبيتهم وسنبدأ بأول هؤلاء، بأكبر المعذبين وأكثرهم غرائبية الفنان الهولندي فينسنت فان جوخ الذي كان يعاني من ثنائي القطب والذهان واضطراب الشخصية الحدية والذي يقول البعض أنه كان يعاني أيضا من الفصام.
ففي رسائله إلى أخيه ثيو يذكر له معاناته من هلاوس بصرية وسمعية وأيضا العصبية المفرطة ، والكآبة ،والتشويش، التهيج والقلق.
وقد تعافى بعد وقت قصير في الأزمات الأولى عند وضعه في المصحات بسبب النظام الغذائي ومنعه من تناول الكحول حتى تطور المرض في عقده الثالث، وقمة إثارته لتشويه ذاته في انتحاره في عقده الرابع.
وبعد التحليلات الكثيرة الطبية نسبوا مرضه إلى التاريخ الوراثي للمرض العقلي في عائلته.
مرض المبدعين "ثنائي القطب"
وهذا المرض البشع ثنائي القطب الذي ينعته الكثير بمرض المبدعين يجعله يتغير مزاجه بسرعة كبيرة جدا وبعنف شديد فتسبب في قطعه لأذنه في الحادثة الشهيرة له. والتي أرخها في لوحة له وعزى الأطباء الأمر إلى تسمم الكحوليات ، وقلة النوم ، وضغوط العمل ومشاكل غوغان ، الذي كان على وشك المغادرة عنه وغوغان هو فنان فرنسي حيث "كان الفنانان صديقان مقربان ، وكان فان جوخ يأمل أن يكون العيش معًا بداية لمستعمرة أكبر للفنانين"[1]

ويجب أولا أن نوضح مصطلح الغرائبية ولا نقصد بالغرائبية ذما أو مدحا ولكن يجب توضيح مفهومين مرتبطين بالمفهوم هذا:
1.مفهوم الغريب
الغريب بالنسبة لأي إنسان هو الذي لا يفهمه كاحتمال أول أو الذي لا يوجد في دلالاته ولا يتماس مع معانيه فيصنفه بالغريب لكي يبعد خطره وخوفه منه.
ولا يوجد غريب بالمطلق فلا يوجد غريب بالنسبة لجميع الناس بسبب تفاوت في المعاني والتجارب..إلخ
2.التصنيف
التصنيف نفسه غير موضوعي يغلق القدرة على الفهم العميق للشخصيات النادرة الوجود التي تتعامل مع العالم بطريقة مختلفة.
لا أقصد بالمسمى دلالته السائدة فقط فلا يمكن مساواة شخصيات غرائبية كالحلاج وساد ولكن يمكن الجمع بينهما في صفات مشتركة.
فالوحدة هي خالقة التطرفات دوما بدون تصويب أو تأثيم الغرائبية في حالتنا تلك فليس ذلك موضوعنا.
الشاعرية كمصدر للجنون
لذلك آثرت أن أتحدث عن من هم له غرابة وكرامات غرائبية وجودية ففان جوخ قطع أذنه وساد مارس الألم على غيره والحلاج شطح بالوحدة والاتحاد.
ولاحظت في بحثي أن الشاعرية هي من نوازع التطرف ذلك وربما هذا بسبب كثافة الشعور وإرادته في الخروج من أي قيد لإحساسه العظيم به.فالقيود على أيادي كثيرة مربوطة لكن نادرا ما يكتشفها ويشعر بها أحدا.
النظرة السائدة للمبدع المعذّب الغرائبي
دائما ما يرى الناس الغرائبي المبدع أنه واهن ضعيف محتاج الشفقة ويعتقدوا أن هذا حق من حقوقهم.
لكن إن تحدثنا بعمق أكبر سنجد أن هذه الشخصيات تلغي نظرة الآخر تماما ولا تؤثر عليها، ربما بسبب وحدة العالم فيه كالحلاج وربما بسبب شريته كساد.
فالذي يقرأ مثلا و له آراء مختلفة في العالم بالنسبة إلى الجاهل، فهو يستحق الشفقة، وهكذا بالنسبة إلى الغرائبي فهو يبادلهم الشفقة أيضا.
تُلزم الغرائبية الذكاء الشديد الشعوري والعقلي كحس لص وشعور لص فاللص يفهم جيدا المكان الذي سيذهب ليسرقه ويعي كل شيء فيه ويتفوق على أبعاده بحِيله، هكذا هو الغرائبي يتفوق على أبعاد وعيه المجرد ويُغير فيه ويتحكم فيه.ولا تصدر هذه الأفعال الغرائبية عن عمد واكتراث في جذب النظر لهؤلاء العوام ففان جوخ كان فقيرا مغمورا حتى وفاته مثلا بل هي تعبير تلقائي لحياته المكتظة.
الغرابة الشخصية التي تتعدى حيز الإنتاج الإبداعي حتى هي دليل على الحركة الداخلية ونشاطها،فالتجارب الذاتية جزء عظيم منها، هي تجارب في الرأس مع الأفكار والمشاعر ليست تجارب جسدية أو أفعال جسدية.
إن الغرائبي هو التجربة الأقرب للحياة والتجرد بعيدا عن أي قانون،وتمزيق القوانين وتمويهها من أثر تلك النسبية المطلقة التي تجتاح الناظر الشامل الذي لا يريد أن يتعين.
المرض النفسي والفنون

التصقت الأمراض النفسية بالفنون غالبا ويظهر ذلك في كتابات عدة تمجد الجنون. ولم ترتبط فقط بالفنون بل بالأديان ومذاهبها فالذي يرى رؤى في المجتمعات الشرقية كمجتمعاتنا يتم إلحاقه بالمتصوفة وبفكرة الرؤى.
" فإن فكرة العلاقة الحميمة بين الذهان والإلهام والوحي هي اليوم أكثر من أي وقت مضى فكرة هامشية. في بلدان مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ، من المرجح أن يتعرض الأشخاص الذين يعانون من أعراض ذهانية للوصم والعزلة أكثر من احتمال تحملهم أو حتى الاحتفال بهم. على النقيض من ذلك ، في العديد من المجتمعات التقليدية ، قد يتم تبجيل هؤلاء الأشخاص أنفسهم باعتبارهم رؤى ومتصوفة ويتم البحث عن رؤاهم وقدراتهم الخارقة."[2]
لكن هذه الرؤى غير المتصوفة ،أي التي ليست لديها مرجعية دينية أيا كان نوع التصوف مسيحي أو إسلامي أو ..إلخ نجدها في لوحات كثيرة وبغزارة وبدقة عالية وحرفية. فإن اتسعنا في رؤية الفن الحديث وامتداده سنجد فن ميثولوجي وغامض حديث عظيم البلاغة في وصف ماورائيات باختلافات دلالية عن الدين.ولقد كان يعاني فان جوخ من الذهان والذي لا يرد خيالاته إلى قوة عليا يشقى أكثر لأنه يحتمل بشاعة الأمر وحده بدون دعم ولو حتى وهمي.
هل المرض العقلي أو النفسي شرط للإبداع؟
الأمر هو أن المرض العقلي أو النفسي يغير من الرؤية الحسية عند صاحبه،يغير في التجريدات المكونة للأصول المعرفية والحسية فيُنتج عوالما مختلفة تماما عن العوالم الطبيعية. وهذا في الفن أو الشعر أو الأدب وفي الفن خصوصا كون الفن منوط بالصورة والشكل والتمثُل المباشر للمرض العقلي والنفسي في الصور الغريبة أو تطاحنات المرئيات المختلفة بينما في اللغة يقل ظهوره بشكل كبير مثل الفن.
ولكن ليس المرض العقلي أو النفسي شرطا من شروط الإبداع فهناك إبداع بلا مرض نفسي أو عقلي وهو الذي يستطيع فيه المبدع الذهاب لمساحات المخيلة والرجوع بدون أن يؤثر ذلك على عقله أو حسه.
والمفارقة رغم معاناة فان جوخ النفسية والعقلية إلا أنه لم يرسم لوحات بشعة بل كانت لوحاته تنتمي للمذهب الانطباعي فغرابته كانت في شخصيته وفي أفعاله الحياتية والتي ساعدت على إشهاره بجانب فنه.

المراجع:
. Sarah Cascone, Vincent van Gogh Was Definitely Crazy, but Doctors1 Aren’t Sure Why
2.Neel burton M.D.,Mad genius :schizophrenia and creativity



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World