الجذور التاريخية للديانة المسيحية

مصطفي محمود
jmustafamahmoud@gmail.com

2021 / 8 / 10

لا شك بأن الديانة المسيحية لا تختلف عن غيرها من الأديان فهي ابنة بيئتها وتأثرت في نشأتها وعقائدها بما قبلها من أديان ، والحقيقة أن هذا الأمر ليس بجديد على الفكر الديني سواء كان متمثل في الأديان القديمة او الاديان الابراهيمية (الحديثة نسبياً) التي هي من الأساس نتاج تطور الأديان القديمة ، وعلى هذا فإن الديانة المسيحية تحتوي على الكثير من الأفكار الدينية القديمة التي طورت فيما بعد لتصبح أحد أهم ركائز الإيمان المسيحي ، وهذه السلسة ما هي إلا لمحة على بعض هذه النقاط لأننا لو أردنا أن نسترسل في هذا الحديث نفكك ونبحث عن الجذور التاريخية لعقائد الإيمان المسيحي لاحتجنا إلى مئات الصفحات ولكن قد يكون حديثنا المقتضب محرك لعقول حكم عليها الإيمان الأعمى بالجمود



الولادة العذرية


لا شك أن أسطورة الميلاد العذري للمسيح المولود من مريم التي تدعى عذراء تحتل مكانة كبيرة في قلوب المؤمنين بها الأسطورة التي لم تكن الأولى في التاريخ الذي تدعي مثل هذا بل هي امتداد طبيعي لغيرها من الأساطير كأسطورة ابن الإله اتيس المولود من نانا العذراء والذي كان يلقب بالراعي والمولود في الخامس والعشرين من ديسمبر وهو نفس التاريخ الذي أصبح بعد ذلك موعد لميلاد يسوع المسيح وايضاً وبوذا المولود من عذراء تدعى مايا معلناً عن ميلاده بنجمة حيث جاء العلماء وقدموا له الهدايا وهي بدورها الأسطورة التي أصبحت فيما بعد في إنجيل متى رواية لميلاد يسوع وليس بوذا حيث يقول متى في الإصحاح الثاني (فَاسْتَدْعَى هِيرُودُسُ الْمَجُوسَ سِرّاً، وَتَحَقَّقَ مِنْهُمْ زَمَنَ ظُهُورِ النَّجْمِ. ثُمَّ أَرْسَلَهُمْ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ، وَقَالَ: «اذْهَبُوا وَابْحَثُوا جَيِّداً عَنِ الصَّبِيِّ. وَعِنْدَمَا تَجِدُونَهُ أَخْبِرُونِي، لأَذْهَبَ أَنَا أَيْضاً وَأَسْجُدَ لَهُ». فَلَمَّا سَمِعُوا مَا قَالَهُ الْمَلِكُ، مَضَوْا فِي سَبِيلِهِمْ. وَإذَا النَّجْمُ، الَّذِي سَبَقَ أَنْ رَأَوْهُ فِي الشَّرْقِ، يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَتَوَقَّفَ فَوْقَ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ الصَّبِيُّ فِيهِ. فَلَمَّا رَأَوْا النَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحاً عَظِيماً جِدّاً؛ وَدَخَلُوا الْبَيْتَ فَوَجَدُوا الصَّبِيَّ مَعَ أُمِّهِ مَرْيَمَ. فَجَثَوْا وَسَجَدُوا لَهُ، ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا، ذَهَباً وَبَخُوراً وَمُرّاً.) وايضاً تكررت القصة بشكل آخر ولكن عند ميلاد كريشنا من العذراء ديفاكي والذي كان ميلاده معجز إضاءة له النجوم والميلاد العذري لميترا الذي كان يدعى المنقذ ابن الإله الفادي وايضاً ميلاد زرادشت المولود من عذراء والذي اظهر كل اسرار السماء وطرد الشيطان و ازوريس و ديونيس وهيرقليس وغيرهم وغيرهم من قصص الولادة العذرية الموجودة في التاريخ فالمسيحية لم تكن الديانة الأولى التي تتبنى هذه الأسطورة ، وبالنظر نجد أن أول الكتابات المسيحية مجموعة من الرسائل تنسب إلى بولس الرسول وفي هذه الرسائل لا يذكر بولس الميلاد العذري للمسيح ولا حتى يلمح إليه الامر الذي يطرح الكثير من التساؤلات فنحن لا نجد أي ذكر لاسطورة للميلاد العذري للمسيح إلا بعد مرور أكثر من 70 عام من ولادة المسيح في إنجيل متى فحتى إنجيل مرقص المكتوب في حدود سنة 60 ميلادياً أي قبل إنجيل متى بعشر سنوات لم يذكر هو الآخر الميلاد العذري للمسيح ولكن وعلى الرغم من أن إنجيل متى قد دون الحادثة لا أنه لا يمكن الاعتماد عليها حيث أن إجماع الأكاديميين على أن أسطورة الميلاد العذري الموجودة في إنجيل متى هي دخيلة عليه فهي لم تكن موجودة إلا بعد القرن الثالث الميلادي حيث ان المسيحيين الأبيونيين وهي أحد الفرق المسيحية التي كان لها وجود في القرن الثالث الميلادي لم يعترفوا بالميلاد العذري للمسيح بل إن اعتقادهم قائم على ان المسيح مولود ولادة طبيعية نتيجة لعلاقة جسدية بين مريم ويوسف النجار والمفاجاة ان الابيونيين لم يعترفوا بأي من الاناجيل فيما عدا الانجيل العبراني (انجيل متى) أي أن إنجيل متى لم يوجد به الإصحاح الأول والثاني حتى القرن الثالث الميلادي الذي يذكر اسطورة الميلاد العذري وبهذا تسقط رواية متى للميلاد العذري ونجد في الحقيقة أن أول من ذكر القصة و يمكن الاعتماد عليه هو إنجيل لوقا المكتوب سنة 85ميلادياً والمكتوب بعد أن أصبحت المسيحية ديانة تنتشر في العالم اليوناني بعد نهاية الكنيسة الاولى عقب خراب الهيكل في أورشليم و لوقا الإنجيلي لم يكن من تلاميذ يسوع اصلا بل كان تابع لبولس الرسول بعد أن انتقل إلى العالم الروماني ذو الثقافة اليونانية ومن هنا تحولت المسيحية من ديانة لم تخرج بعد من رحم اليهودية إلى ديانة ذات صبغة يونانية بامتياز وكما ذكرنا سابقاً على سبيل المثال وليس الحصر أن أغلب الهة الرومان كانت تنسب إليهم اسطورة الميلاد العذري فليس من العجيب أن تنتقل هذه الأسطورة إلى المسيحية بعدما انتقلت إلى روما بل ان الامر لم يقف عند اسطورة الميلاد العذري فقط بل أن أساطير كأسطورة الإله و ابن الإله المتجسد القائم من بين الأموات حامل خطايا البشر هي أفكار يونانية وثقافة يونانية بامتياز اخذتها وطورتها المسيحية لتتلائم مع مناخها الجديد وهذا ما سوف نورده في هذه السلسلة التي تتبع الجذور التاريخية للمسيحية .


يتابع………………………….



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World