شيلنج وقلق الله

سعود سالم
saoudsalem@free.fr

2021 / 7 / 25

أركيولوجيا العدم
٥٧ - شيلنج وعودة الله

يشار إلى المصطلح اليوناني "άγχω " على أنه أصل مصطلح القلق. إنه يعني حرفياً "الاختناق والضغط والتضييق". إنه يشير إلى حالة حقيقية من الاختناق وضيق الصدر، ولكنه لا يشير إلى هذا المعنى المجازي لهذا الإحساس الذي يمكن العثور عليه في الوصف السريري للقلق في العصر الحديث. وعند استخدام هذا الفعل آغو akhô في العصور القديمة، فإنه لا يعني وصف شعور أو حالة من الخوف أو القلق أمام العالم، أو الدوار الذي يجتاح الإنسان في مواجهة احتمالات حريتة في إختيار هذا السلوك أو ذاك، بل بالأحرى تحديد الارتباطات المادية المتعلقة بـه. ذلك أنه في اليونان القديمة، لم يكن يُنظر إلى العالم على أنه مخيف أو مرعب، بل كان يُنظر إليه على أنه كوزموس Κόσμος - kosmos منظم ومستقر ومعد من أجل راحة الإنسان وسعادته، أما القلق، وهو نوع من الخوف الميتافيزيقي الغير محدد كما سبق القول، فهو مرتبط بالأشياء أو الأشخاص أو بالمواقف التي تجعل الإنسان في علاقة مبهمة مع هذه الأشياء وهؤلاء والأشخاص، ولا يتم توجيهه أو الشعور به تجاه العالم كمحيط كلي. غير أنه فيما بعد، حين تهز الأحداث التاريخية المختلفة تدريجياً هذه الثقة والبراءة اليونانية في العالم المنظم والمستقر، وخاصة مع الديانة المسيحية، حيث يحدث تغيير حقيقي في المنظور : لم يعد يُنظر إلى العالم على أنه عالم منظم وثابت ويبعث على الطمأنينة، ولكنه يصبح عالما محزنا ويبعث على الكآبة والقلق، ويصبح مصدرا للخطر والخطيئة، ومكانا للعقاب، ألقي فيه الإنسان لعدم طاعته للأوامر الإلهية.
غير أن مصطلح القلق، كما نعرفه اليوم، أي كحالة نفسية أو كأحاسيس وجودية تنتمي في جوهرها إلى طبيعة الوعي البشري، ظهر لأول مرة في القرن التاسع عشر، مع الفيلسوف الألماني شيلينج Schelling في بحثه عن الحرية الإنسانية. حيث القلق هو "قلق من الحياة"، وهو الكرب الذي يدفع الإنسان إلى خارج المركز الذي خلق فيه، وهو المركز الذي يمثل الجوهر الأكثر نقاء حيث يتحد مع الله - الذي هو إرادة عليا، وحيث تكون الإرادة الفردية الخاصة لا فرصة لها للحياة؛ مما دفع الإنسان للإبتعاد ومغادرة هذا المركز والذهاب إلى الضواحي أو الحواشي بحثًا عن الراحة لإرادته الخاصة.
لقد كان شيلنج ابنا لقس بروتستانتي (من أتباع لوثر) في فورتمبرج Wurttemberg، وكان أبوه غنيا من ذوي الممتلكات، وراح يهيء ابنه ليشغل منصبا كهنوتياً ليكون أحد رجال الدين، فألحقه بكلية اللاهوت في توبنجن Tubingen، وهناك أصبح شيلنج وهولدرلين Holderlin وهيجل يشكلون مجموعة نشيطة من الدارسين الراديكاليين الذين احتفوا بالثورة الفرنسية ـ بل أن شيلنج هو أول من ترجم نشيد الثورة La Marseillaise لإلى الألمانية - وأعادوا تعريف الإله و تحديد معنى جديد له، وشيدواا فلسفة جديدة قائمة على التركيب والمزج بين أفكار سبينوزا وكانط وفيخته Fichte· وأضاف شيلنج قصيدة بعنوان عقيدة أبيقوري The Creed of an Epicurean يندد فيها بموضة العودة إلى الدين والتصوف التي أجتاحت الحركة الرومانسية في ذلك الوقت. لقد شخص شيلنج قضية الفلسفة الأساسية بأنها المأزق الواضح بين المادة والعقل، إذ كان من المستحيل (من وجهة نظره) أن نفكر في أن أحدهما ينتج عنه الآخر، وانتهى، وهو في هذا يعود مرة أخرى إلى فكر سبينوزا، إلى أنَّ أفضل مخرج من هذا المأزق هو أن نفكر في المادة والعقل كوجهين لحقيقة واحدة معقدة ولكنها متحدة، فكل فلسفة تقوم على العقل الخالص وحده هي فلسفة سبينوزية أو ستصبح كذلك، لكن هذه الفلسفة في رأي شيلنج منطقية على نحو صارم ومبالغ فيه بشكل يُفقدها الحيوية والعفوية والروح.
واشتغل لبضع سنين مدرساً، مثل فيخته وهيجل ونشر وهو في العشرين مقالاً عن أسس الفلسفة لفت أنظار فيخته وضمن لشيلنج دعوة لتدريس الفلسفة في يينا Jena، وكان وقتها في الثالثة والعشرين· وكان راضياً - لفترة - بوصف نفسه بأنه أحد أتباع فيخته، وأنه يقبل العقل كحقيقة وحيدة، لكن في يينا Jena، وبعد ذلك في برلين انضم للرومانسيين وأتاح لنفسه نشوة عابرة : لن أطيق هذا طويلاً، لابد أن أمارس الحياةَ بشكل أعمق، لا بد أن أترك حواسي حرّة - فهذه الحواس هي - تقريباً - أساسي الذي خرجت منه أو اشتُقِقتُ منه. على وفق ما تقول به النظريات الكبرى التي تتناول ما وراء الخبرة البشرية transcendental theories ولكنني أيضاً سأعترف الآن كيف أن قلبي يثب والدماء الحارة تندفع في عروقي·· ليس لي دين إلا هذا، وهو أنني أحب الرُّكب الجميلة التكوين والصدور الناهدة والخصور النحيلة والورود التي تفوح عطراً، والإرضاء الكامل لرغباتي، وتلبية كل حب أطلبه، وإذا كان لا بد أن يكون لي دين (رغم أنني أستطيع أن أعيش بدونه بسعادة أكثر) فلا بد أن يكون هذا الدين هو الكاثوليكية في شكلها القديم حيث كان القسس والمصلون من غير رجال الدين يعيشون معاً·· ويمارسون يومياً في بيت الرب House of God المرحَ الصاخب ويعربدون.
في المرحلة الأخيرة من حياته، يتخلى شيلينج عن فلسفة المطلق ويتحول تدريجيا إلى كتابة تاريخ المطلق. ينتقل من السؤال "ما هو الكائن؟ وما هو المطلق؟ " إلى السؤال الأكثر تحديدا " من هو الكائن؟ ومن هو المطلق؟ ". عندئذ يكون المطلق شخصًا حيا وليس مادة ميتة. الخطأ في رأيه هو إقامة "ذات" محايدة ومجردة كمبدأ أولي، بالعكس يجب أن يكون هناك موضوع شخصي يحمل اسم الله الصحيح. وهكذا يتم التحول تدريجيا في فكر شيلينج، من عالم لاهوت ملحد يؤمن بالعقل، ليصبح مفكرًا مسيحيًا يؤمن أكثر فأكثر بنوع من عودة المتعالي، هو الذي كان في البداية مؤمنًا بوحدة الوجود ويسخر من عودة الأفكار الدينية، ينتقل تدريجياً إلى الإيمان بوجود إله شخصي متعالي، ليؤسس ما يمكن تسميته بالمسيحية السبينوزيه، رغم أن السؤال "من هو المطلق؟" ليس سؤالا سبينوزيا.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World