العراق في خضم تسريبات محمد جواد ظريف

احمد هاشم الحبوبي
ahabobi@yahoo.com

2021 / 7 / 21

المقدمة
في الخامس والعشرين من نيسان 2021، نشر موقع "إيران إنترناشيونال" المعارض مقطعاً صوتياً مسرباً لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف تحدث فيه عن خلافاته مع الحرس الثوري والجنرال قاسم سليماني، وتأثير الحرس الثوري على السياسة الإيرانية الخارجية. سيبحث هذا المقال الجزء المتعلق بالعراق من هذه التسريبات.
صنّفَ البعض هذا الخلاف على صراع بين الحمائم والصقور، أو بين الدبلوماسية والنزعة العسكرية المتحكمة في علاقات إيران الإقليمية والدولية. ولكن واقع الحال ينفي ذلك، فالصراع أنما على الصلاحيات. وقد أكد ظريف ذلك بنفسه حين قال في نفس التسريب: «كلنا ثوريون مثل القائد الأعلى، أحدنا يكون دبلوماسيًا، والآخر عسكريًا، قوة إيران في ثوريتها» [1]. فالأهداف واحدة. فبعد غياب قاسم سليماني لم تحد إيران قيد انملة عن نهج سليماني في الاستحواذ والهيمنة. وهنا اتحدث عن الدور الإيراني في العراق.
لا أجد ضرورة لإثبات التغول الإيراني في الشأن العراقي. فالأدلة ماثلة والشواهد مؤكدة ومعلنة دونما مواربة أو خجل. ولكن من المفيد توثيق وسرد بعض التدخلات الإيرانية في فترة سليماني التي جاءت على ألسن مسؤولين عراقيين من الصف الأول.


هشام داود
في تعليق لقناة "بي بي سي" نشر في الرابع من كانون الثاني 2021، بيّن هشام داود، مستشار رئيس وزراء العراق أن «سليماني كان يعتقد أنه مسؤول عن جزء في العراق أو مسؤول عن العراق. وبالتالي يدخل متى يشاء ويخرج متى يشاء». وأضاف داود، وهنا أنقل بتصرّف لغرض إزاحة الغموض، أن سليماني كان يعتقد أن منصبه الوظيفي الذي يشغله في إيران يمتد إلى العراق إلى الحد الذي يؤهله لتجاوز المسؤولين فيه، «فبالتالي، الأصول العامة للدولة العراقية لم تكن ضمن أولوياته» [2].
الإنجاز الوحيد الذي حققه العراق بعد اغتيال سليماني هو أن خليفته صار يزور العراق بتأشيرة دخول ليس إلاّ.

بنكين ريكاني
إنّ دبلوماسيي إيران ليسوا أقل فوقية وتجاوزا للأعراف الدبلوماسية في تعاملهم مع العراق، حيث يسرد بنكين ريكاني، وزير الإعمار والإسكان في حكومة عادل عبد المهدي، حواراً جرى بحضوره (حين كان في منصب وكيل وزير النقل والمواصلات) بين وزير النقل والمواصلات عامر عبد الجبار والسفير الإيراني في بغداد كاظمي قمّي. يقول ريكاني إنّ «السفير الإيراني كان يتحدث معنا وكأنه مسؤولنا ويهددنا بأنّه «سيتصل ويفعل ويقول» لأنه أراد فرض أشياء علينا. وقد انتفضنا عليه وقال له الوزير «هل يمكن لسفيرنا في طهران أن يخاطب وزير إيراني بهذا الشكل؟ هل يمكن أن يهدد الوزير بأنه سيتصل برئيس الوزراء الإيراني؟»، فأجابه قمّي مستنكراً: «كيف لك ان تقارنني بالسفير العراقي ونحن قدمنا وفعلنا لكم ما فعلنا؟» [3].
إن هذه الحادثة تؤكد ما ورد في تسريبات ظريف، حين أشار إلى الخلفية الأمنية لأغلب سفراء إيران في المنطقة مبيناً أن «معظم هيكل وزارة الخارجية شأن أمني» [1].

حنان الفتلاوي
لم ينحصر نفوذ وتدخّل قاسم سليماني في المؤسسة العسكرية فحسب، بل امتدا وتشعّبا في كل المجالات النائبة. وصار بعض المسؤولين العراقيين يتحدثون بوقاحة ودون خجل عن ذلك. حيث صرّحت النائبة السابقة حنان الفتلاوي أن قاسم سليماني كان أول من اتصل بها مواسياً بخسارتها للانتخابات النيابية. وقالت حنان الفتلاوي: «كان كلامه (سليماني) طيباً جداً فيه دعم معنوي. وقال لي «لا تتألمي، أنت لم تخسري، نحن خسرنا صوتاً قوياً بالحق». كان كلاما داعماً» [4]. هكذا تسرد النائبة الحوار على الملأ دون أدنى خجل، بل بفخر واعتزاز.

محمد جواد ظريف في العراق بعد اغتيال قاسم سليماني
بعد يوم من نشر التسريبات، أي في السادس والعشرين من نيسان 2021، زار ظريف العراق ومارس نفس ما كان سليماني يفعله، لكن هذه المرّة في العلن، فبدلاً من أن تكون الزيارة رسمية محصورة بلقاء المسؤولين العراقيين، اجتمع بـ«البيت الشيعي العراقي» بعقلية الراعي لساسة الشيعة العراقيين. حضر الاجتماع رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، ورئيس الوزراء الأسبق زعيم ائتلاف "النصر" حيدر العبادي، وزعيم ائتلاف "دولة القانون" نوري المالكي (وهو رئيس وزراء أسبق أيضاً)، وزعيم تحالف "عراقيون" عمار الحكيم، ورئيس ائتلاف "الفتح" هادي العامري، ورئيس الهيئة السياسية للتيار الصدري نصار الربيعي، ورئيس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي همام حمودي. وجرى الاجتماع في منزل رئيس هيئة الحشد الشعبي، فالح الفياض.
بعد ذلك طار ظريف إلى أربيل واجتمع مع رئيس وزراء إقليم كردستان مسرور برزاني. وقد «تناول اللقاء، العلاقات بين إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية، فضلاً عن أهمية تنفيذ قانون الموازنة العامة والالتزام به، إلى جانب إرسال المستحقات المالية لحكومة إقليم كردستان من قبل الحكومة الاتحادية» [5]. يجلس مسرور مع ظريف ويناقش شأناً عراقياً داخلياً بحتاً مع وزير خارجية دولة اجنبية.

يؤكد بنكين ريكاني سالف الذكر أن «كل القوى السياسية تراعي إيران، بما فيهم نحن الكرد. لأن إيران احتضنت الكل (أيام المعارضة)» [3].
لستُ بصدد بحث خنوع وذيلية وتشرذم الساسة العراقيين، لكني سردتُ تفاصيل زيارة ظريف لتأكيد ما هو مؤكد على أن خلافه مع سليماني إنما خلاف على الصلاحيات والاختصاص.
فاتني أن أذْكر بأن ظريف استهل زيارته بالوقوف عند موقع اغتيال سليماني قرب مطار بغداد الدولي.

إن الحديث عن صقور وحمائم في إيران، إنما هو تلاعب بالألفاظ، فمكتب رئيس رؤساء إيران المرشد علي خامنئي، هو الذي يتحكم بكل السياسة الإيرانية. ولا يمكن لمسؤول أن يخرج عن الخط المرسوم من قبل المرشد.
المشكلة في العراق أن أغلب المتصدين والمعارضين للهيمنة الإيرانية على شؤون البلد، يفتقرون لرؤية وطنية تحفظ للعراق سيادته وكيانه الموحد، فالبديل لديهم هو الارتماء في الحضن الأميركي. وهو حضن لا يُؤْتَمَن. لكن العراق لن تقوم له بدون مساعدة "صديق".

المصادر
[1] موقع ساسبوست. موجز 3 ساعات من التسريب الصوتي لجواد ظريف ومعاركه مع قاسم سليماني وروسيا. تاريخ النشر 26 نيسان 2021.
https://www.sasapost.com/javad-zarif-leaked-tape/

[2] موقع «يوتيوب». تاريخ النشر 4 كانون الثاني 2021.
https://www.youtube.com/watch?v=lX0gQ7eR69k

[3] موقع «يوتيوب». تلفزيون "UTV". برنامج شهادات خاصة. عبد الحميد عبد الله. الجزء الثاني. تاريخ النشر في موقع يوتيوب 28 أيار 2021.
https://www.youtube.com/watch?v=sJFroi5MYLE

[4] موقع «يوتيوب». تاريخ النشر في الموقع: 2 تشرين الثاني 2021.
https://www.youtube.com/watch?v=LHxWT5-UOxE

[5] موقع بغداد اليوم. تاريخ النشر 27 نيسان 2021.
https://baghdadtoday.news/news/152223/%D9%85%D8%B3%D8%B1%D9%88%D8%B1-%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%B2%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%8A%D8%A8%D8%AD%D8%AB-%D9%85%D8%B9-%D8%B8%D8%B1



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World