القلق الفردي

سعود سالم
saoudsalem@free.fr

2021 / 7 / 20

أركيولوجيا العدم
٥٦ - القلق العاري

القلق علي مر العصور كان جزءا من حياة الناس، فهو تنظيم انفعالي داخل الـنفس، كما دلت العديد من الدراسات أنه محور لاضطرابات وعلل نفسية كثيرة، ولكنه في نفس الوقت جزء من الوجود الإنساني المكثف في العالم وهو الذي يشير إلى الحرية والمسؤولية ويظهر إمكانية العدم في الكينونة وبالتالي إمكانية الوجود. القلق هو الانفعال الذي نشعر به عندما نجـد أنفـسنا محاصرين في ركن ضيق، إننا نشعر حينئذ بأننا مهددون بالإختناق، علي الرغم مـن أن مـصدر التهديد قد لا يكون دائماً واضحاً لنا، غير أن الشعور بالخطر حاضر بطريقة واضحة ومؤثرة على الجسد نفسيا وماديا. والقلق في حد ذاته ليس مرضا، يل هو ضروري للحياة، فهو الذي يدفع الإنسان للنشاط والإعداد للمستقبل ومواجهة المواقف المختلفة والأخطار الفعلية، ويجعل الحياة الداخلية للإنسان تنبض بالأحاسيس والعواطف والأفكار، ومثل هذا النوع من القلق يختلف عن القلق - المرضي - الذي يتميز بحدته أو بدوامه لفترات طويلة أو لتكراره، ففي هذه الحالة فإنه يمعطل الإمكانيات الإبداعية للإنسان وقدراته وتقدمه نحو حيـاه أفـضل وأكثر ثراء. وللتعرف علي القلق - المرضي - يجب ملاحظة النواحي العضوية، والنواحي الوجدانية أو النفسية، وكذلك النواحي الفكرية أو العقلية، ففي حالات هذا النوع من القلق تحدث تغيرات عضوية غـير طبيعية يمكن معاينتها وتحليلها علميا، بعضها داخلي يرتبط بتوترات المعدة، وضغط الدم وزيادة الإفرازات الهرمونيه، وبعضها خارجي يرتبط بالتوترات العضلية واحمرار الوجه وكذلك زيادة إفراز العـرق والرعشة وزيادة الحركة بدون داع ولا ضرورة. والتغيرات العضوية هذه تكـون نتيجة أو سبب في استثارة مشاعر وجدانية وفكرية محورها الانشغال الشديد، والاستثارة السريعة والهواجس، والأحلام المزعجة، والإرهاق السريع، وتوقع المـصائب، وتعمـيم الخبرات السيئة علي مواقف لا تتسم بالضرورة بالسوء. والقلق عموما هو شعور داخلي يجعل الإنسان غير قادر علـي التفاعـل مـع محيطـة الاجتماعي ولا القيام بأداء وظائفه العقلية والاجتماعية بشكل مناسب. الانفعال الذي نشعر به عندما نجد أنفسنا محاصرين في ركـن ضيق ونشعر بأننا وقعنا في المصيدة مثل الفئران، هذا هوالقلق الفردي أو الذاتي. فهو حالة نفسية وفسيولوجية تتركب من تضافر عناصر إدراكية وجسدية وسلوكية ترتبط بالموقف الذي يعيشه الفرد والظروف المحيطة به وذاكرته وتجاربه السابقة، فينبثق شعور أو إحساس بخوف مبهم بلا هوية محددة مما يخلق نوعا من عدم الارتياح والتوتر أو التردد وعدم الإستقرار. غالباً ما يكون القلق مصحوباً بسلوكيات تتسم بالغرابة والإرتجالية مثل الحركة النزقة والسير بخطوات ثابتة ذهاباً وإياباً بدون هدف. القلق هو حالة مزاجية عامة تحدث من دون التعرف على آثار تحفيزها، ولهذا يختلف القلق عن الخوف، الذي يحدث في وجود تهديد ملحوظ ومعروف ومحدد، وبالإضافة إلى ذلك، يتصل الخوف بسلوكيات واستراتيجيات موضوعية مثل الهروب من الخطر والتجنب والإختباء، في حين أن القلق هو نتيجة لتهديدات لا يمكن السيطرة عليها ولا يمكن تجنبها ولا يمكن تحديدها بالدقة الكافية. في حالة القلق تظهر مبالغة في رد الفعل اتجاه موقف يراه الشخص مهدداً بشكل غير موضوعي، وقد يصحب القلق تغيرات جسدية وفسيولوجية مثل التشنج العضلي، الأرق، التعب والإرهاق وفقدان الشهية وصعوبة التنفس وضيق الصدر ومشاكل في التركيز إلخ.
ومصدر كلمة قلق في اللغات الأوروبية هي الكلمة اليونانية " άγχω - آغو" التي تشير إلى "الاختناق ، والضغط"، فقد حددت ظاهرة القلق في العصور القديمة الأعراض الجسدية لحالة القلق أمام العالم، وليس هذه الحالة نفسها. بعبارة أخرى، حدث تطور وتغير في معنى مفهوم القلق منذ اليونان القديمة، حيث لم يكن العالم، الذي كان يُنظر إليه آنذاك على أنه نظام مستقر وثابت، مصدرا للقلق، ومع ذلك فإن الفلسفة الإفلاطونية كان من خصائصها علاج القلق، والحصول على السلام والإستقرار النفسي الداخلي، ونجد هذه الفكرة عند أبيقور وأيضا عند الرواقيين، التأمل الفلسفي عموما كان يعتبرهدفا في ح ذاته لأنه يجعل الإنسان أكثر حرية وأكثرقدرة على تحمل مسؤولية الحياة.
القلق هو أحد المفاهيم الرئيسية للفلسفة الوجودية، مرتبط بمفهوم الحرية في إتخاذ القرارات المصيرية كما هو الحال عند كيركيغارد، بحرية الإلتزام ومسؤولية الفرد عن وجوده كما هو عند عند سارتر، أو القلق الوجودي للإنسان في مواجهة الموت عند هايدجر، يُعرَّف القلق فلسفيا على أنه خوف أنطولوجي شبحي غير محدد المصدر يشترك فيه جميع البشر. وهو يتميز عن الخوف، الذي هو دائمًا الخوف من "الشيء - objet"، بأنه لا يتعلق بأي شيء معين، ومن هنا طبيعته العامة والمقلقة بشكل خاص. إن القلق من الموت في حد ذاته هو قلق غامض للغاية ولا يصاحبه أي تمثيل دقيق، مجرد شعور بالسقوط وانحلال كل تمثيلاتنا.
لقد اتخذت كلمة "القلق" في الفلسفة الوجودية معنى "القلق الميتافيزيقي" الذي يشعر به الإنسان من خلال الهواجس والوساوس الفردية. والقلق في نهاية الأمر يكشف عبثية الوجود. تمت معالجة موضوع القلق من قبل العديد من الفلاسفة في المدرسة الوجودية بفرعيها الوجودية المادية والوجودية الروحية أو المسيحية والتي أعتبرت القلق نافذة على الوعي ووسيلة للتشكيك ومسائلة الحالة الإنسانية la condition humaine. في علم النفس المرضي psychopathologie، يشير إلى حالة من التعاسة mal-être التي تتجلى من خلال الإحساس الداخلي بالقمع والتوتر والضيق الذي يشعر به الجسد، عادة ما يكون هذا مصحوبًا بالخوف من مصيبة أو كارثة ما أو الموت الوشيك الذي يشعر الشخص بأنه لا حول له ولا قوة. القلق ليس علامة نفسية مرضية في حد ذاته ولكنه مرآة لمجموعة من الظواهر العاطفية. ومع ذلك ، إذا أصبح القلق متكررًا جدًا أو مستمرًا، فإنه يصبح أحد الأعراض التي يمكن ربطها بعلامات معينة أخرى لتشكيل متلازمة syndrome، تظهر منعزلة من خلال القلق العام، أو في عصاب القلق névrose d angoisse. في بعض الحالات السريرية ، يمكن أن يكون غياب القلق مزعجًا مثل الإفراط في ظهوره.
في التحليل النفسي الفرويدي ، القلق هو مفهوم ميتابسيكولوجي métapsychologique تم تطويره في المرحلة الأولى من نظرية فرويد كنتيجة لقمع بعض الأحاسيس والعواطف أو التجارب الشخصية refoulement، ثم تمت مراجعته وتعميقه في المرحلة الثانية باعتباره أصل القمع، وبالتالي، يعتبر إشارة لـ "الصراع داخل النفس conflit intrapsychique .



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World