الله والفراغ والذرة

سعود سالم
saoudsalem@free.fr

2021 / 7 / 14

أركيولوجيا العدم


يقول الفيلسوف المادي فويرباخ Ludwig Feuerbach : "الله هو الفراغ الذي ينعكس فيه تاريخ الإنسانية"، ففي هذا الفراغ تكونت الأساطير الأولى والديانات العجيبة وتبلورت نظرة الإنسان وفكرته عن العالم ونشأته. في هذا الفراغ نبتت بذرة الألوهية وضرورة الخالق والمهندس والعلة الأولى. ولكن في نفس الوقت، كانت هناك بذرة أخرى ظهرت في نفس اللحظة أو قريبا منها وهي بذرة الفلسفة والتفكير العقلي والمنطقي المنظم. وفي هذا الفراغ السرمدي ترعرعت أيضا الأفكار السوداوية الأولى والكوابيس التي ما زالت تؤرق البشرية وتمنعها من النوم الهاديء البريء مثل العدم والعبث والإرتياب والإنكار. هذه المباديء والأفكار التي أدت إلى هذه النظرة السوداء للوجود نمت في تربة نفسية مغلفة بإحساس عميق بالقلق أوما يمكن تسميته مجازا بـ"الخوف الميتافيزيقي" من المجهول واللامرئي واللامفهوم، وعدم القناعة برؤية ما نراه تحت البصر، باعتبار وجود شيء آخر دائما وراء ما يظهر. الإنسان يريد أن يملأ هذا الفراغ بأي شيء يقع تحت يديه وبأول شيء يستطيع أن يستند إليه ليتفادى السقوط في الهاوية ويتشبث ولو بقشة لكي لا يغرق كما يقال. ذلك أن الحياة الحقيقية والشديدة الواقعية لا تحتمل الفراغ أو الخواء. تاريخ البشرية ليس تاريخا مملا، بل هو مليء بالأحداث والثورات والحروب والزوابع والكوارث والكوابيس، هذا العالم حتى ولو كان رديء الصناعة " انظر إلى العالم ثم أنظر إلى البنطلون الذي أصنعه لك " كما يقول بيكيت، فإن ميزته الحقيقية هي كونه كائنا ماديا موجودا، بينما ميزة الآلهة هي عدم وجودها مما يجعل دراستها والإحاطة بها أمرا شديد الصعوبة. ولا شك بأن الإنسان يعاني من نوع من الإنفصام الأنطولوجي في صميم كينونته، فهو الذي يشن الحروب ويزرع الجثت ويثقب السماء والأرض، ثم يتباكى على مصيره المزري: " أشعر بأن الحياة كابوس مؤلم، أنظر حولك، تجد الحروب والمآسي والكراهية والظلم .. الموت يتربص بنا من كل جانب "، وكأنه هناك قوى خارجية قادمة من المريخ تقوم بهذه الأعمال المشينة. ذلك أن الفنان الذي يصف حالة العالم، ليس هو المهندس المدمر للعالم وللبشرية، يونيسكو Eugène Ionesco، المسرحي الروماني ورائد ما يسمى بمسرح العبث théâtre de l absurde عبر عن تشاؤمه ونظرته السوداوية للعالم، ذلك أنه لمس بيديه، بقلبه وعقله مأساة الإنسان المقهور والمنهزم والذي تطحنه الحرب والأنظمة السياسية الشمولية السلطوية أثناء الحرب العالمية الثانية وفي أعقابها، وسط الرماد ودخان الحرائق المتصاعد من المدن المدمرة، وأصوات المدافع والدبابات والقنابل والطائرات تكتسح أغلب المدن الأوروبية وكذلك القرى والسهول والحقول والمصانع، قوة تدميرية عبثية عمياء ولا عقلانية، تركت ورائها عدة ملايين من الجرحى والمعاقين والوجوه المشوهة والعائلات المشردة، وعدة ملايين من الجثت البشرية تملأ المقابر الجماعية. بالإضافة إلى كارثة الحرب العبثية، تمكن الإنسان، وهنا لا بد من تسمية هذا الإنسان، إنه الرجل الأبيض الغربي، تمكن هذا الإنسان من صناعة القنبلة النووية، ليخلق إمكانية تدمير العالم بكل ما يحتويه من حياة تدميرا نهائيا ومطلقا. ذلك أنه بعد تجربة القنبلة الذرية الأمريكية على هيروشيما وناجازاكي، بدون مبرر أيضا، لأن الحرب قد أنتهت واليابان أقرت بهزيمتها، أصبح شبح القنبلة يلقي بظله المرعب، منتصبا كشبح الموت مهددا العقل الغربي بالجنون وفقدان التوازن، لولا الفن والإبداع الفني الذي يجعل الحياة محتملة لفقدت العديد من العقول النيرة حياتهم وامتلأت السجون والمصحات العقلية بآلاف النفوس الشديدة الحساسية. ذلك أن الأسلحة النووية، وكذلك المفاعلات النووية المدنية تشكل مصدرا للقلق الدائم للبشرية، وأمثلة هيروشيما ونجازاكي الإجرامية، وكوارث تشيرنوبيل وفوكوشيما أمثلة تثبت مصداقية هذا القلق الشرعي تجاه نتائج منتجات العالم المجنون.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World