الحروب العبثية

خليل قانصوه
khalilkansou@hotmail.fr

2021 / 7 / 8



أظهرت و أثبتت الحرب الأمبريالية الغربية على البلدان العربية ، تحت عناوين براقة مثل "التدخل الإنساني " و " الحرب على الارهاب " معطيات لابد من التوقف عندها و المبادرة إلى استخلاص العبر و الدروس ، ليس على مستوى جمعي لأن السلطة الحاكمة تحكَر السياسة و الرأي ، و لكن على المستوى الشخصي ببسلطة و تواضع ، انطلاقا من حق الإنسان العادي بالتعبير عن رؤيته ، لا سيما أنه ليس مستبعدا أن تصل الأمور إلى طي صفحة شبه الدولة العربية نهائيا ، أي إلى متغيرات جذرية في النظام الذي كان قائما قبل الحرب ، علما أن ما بعدها ما يزال غامضا فالناس في حيرة تهيم على غير هدى في طريق خطها دليل مجهول ، كون جميع القادة والزعماء يتبرأون من المسؤولية عما جرى ، و يدينون العملاء و المفسدين .
ينبني عليه أن لا جدوى من المحاسبة ، فهذه ليس مقدورا عليها . و لكن ما يدهش إلى حد الذهول هو أن الزعماء و القادة ، و بالرغم من تنصلهم من أية مسؤولية ،ما يزالون في قصورهم يأمرون بما يمتلكون من وسائل وهي كبيرة و فاعلة ، بالسير في هذا الإتجاه أو ذاك .
لا نجازف بالكلام أن أمضى هذه الوسائل هي الحرب الأهلية ، حيث من المعروف أنها تتلبس بسهولة لباسا طائفيا أو عشائريا أو إثنيا و أن اياد أجنبية تسارع إلى مساعدة المتحاربين ، فتقدم لهم المال و السلاح و الغذاء حتى يتوافقوا مؤقتا على هدنة فيما بينهم وعلى إبقاء الأوضاع على حالها .
ما أود قوله هو أنه لا شك في أن مسألة " الحرب الأهلية " تلعب دورا بارزا في الخلل الإجتماعي الذي يمنع التجديد و الترميم و التقدم . لا تحسم هذه الحرب ولا ينتصر فيها فريق من الافرقاء المتنازعة و لا تُلغَى أسبابها ، فيبقى خطر إشعالها و تأجيجها قائمين .
الرأي عندي أن المستعمر جعل من هذه الحرب فزّاعة يلوح بها في الأوقات المناسبة ، فيشل إلى درجة كبيرة ،القدرات المتوفرة على التصدي له . خذ إليك مثلا ما يجري في بعض شبه الدول العربية بحجة دفع خطر الحرب الأهلية بتحالفات داخلية بين أطراف يشتبه بأنهم يتعاونون مع المستعمر من جهة وأطراف تزعم مناهضة هذا الأخير من جهة ثانية .تحسن الإشارة هنا إلى أنه من المفروض أن يتوخي كل داخل في تحالف ،الخيرَ منه لنفسه .
تقودنا هذه المقاربة إلى التساؤل عما إذا كان للناس الذين يعيشون تحت سلطة شبه الدولة يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم و عن أرضهم ، قبل أن يتخلصوا من سيف الحرب الأهلية المسلط على رؤوسهم وقبل أن ينجزوا اتحادهم المجتمعي . فإزالة أسباب الحرب الأهلية ووحدة المجتمع ، شرطان أساسيان للعيش المشترك في وطن والإستقلال فيه . بكلام آخر ، إن تمييز حركة التحرير الوطنية الحرب الأهلية من الحرب العدوانية الإستعمارية هو كذر الرماد في الأعين ، لا سيما عندما تتلازم الحربان ، دليلا على مشاركة المتعاونين فيهما بشكل من الأشكال . فهم يخلقون في الحد الأدني ذرائع " التدخل الإنساني " و " الحرب ضد الإرهاب " .
و لا مفر في سياق تناولنا لمسألة الدفاع عن النفس و عن الموطن من الإشارة إلى ضرورة و لزوم معرفة حقيقة و طبيعة هذا الخصم الذي ينغّص عيشنا و يمثل خطرا يتهدد وجودنا . أستنادا إلى هذه المعرفة يبنى على الشيئ مقتضاه . فهل من شك في أن الولايات المتحدة الأميركية و حلفائها المقربين من الدول الغربية يدعمون هذا الخصم و يقفون معه إلى أقصى الحدود و يعملون على توفير الظروف الملائمة لكن يبلغ أهدافه ؟ و في المقابل هل يعقل أن نعتبر الولايات المتحدة و الدول الغربية المتحالفة معها أعداءً بينما هم يمتلكون القواعد العسكرية في بلداننا دون استثناء و لهم تأثيرا كبيرا على السلطات الحاكمة في شبه الدولة سواء في تركيبها و في السياسات التي تنتهجها ؟ في مختلف الأحوال سيبقى التحرير الوطني حلما ما لم يتم اخراج المتعاونين بواسطة الحرب الأهلية و تصفية القواعد الأجنبية الموجودة في شبه الدولة بالأساليب و الوسائل الملائمة .



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World