الدولة الموظَّفَة

خليل قانصوه
khalilkansou@hotmail.fr

2021 / 7 / 1

سؤال مبرر يطرحه أو من المفروض من وجهة نظري ،أن يطرحه على نفسه الإنسان العادي في بلدان العرب ، عن ما هية الدولة في بلاده . فعلى الأرجح أن الأزمة التى تتدحرج منذ سنوات 1970 و لم تتوقف بعد بالرغم من انتفاخها و حجمها الكبير، تبطن إجابة على السؤال دون الحاجة إلى جهابذة التحليل المتواصل توازيا في نفس الوقت ، على القنوات الإعلامية التي تمتلك بعضا منها الجماعات الرئيسية في السلطة التي تحكم الدولة على اختلاف مشاربها و أهوائها .
لا حرج في القول في هذا السياق ، أن السمة الرئيسية للدولة العربية هي شخص "الزعيم " الموجود في الواقع لفترة غير محدودة زمنيا . بكلام أكثر وضوحا و صراحة ، إن هذا "الزعيم " الثابت جمع بين يديه كل مقاليد الحكم في إطار سلطة مطلقة ، حيث أنه ليس مطالبا بتقديم أية شروحات أو مبررات للإجراءات التي يتخذها . فأفعاله هي من حيث المبدأ صحيحة ، سواء أسفرت عن نتائج ايجابية تُعد انتصارات بحسب تقييمه لها ، أو سلبية هي في وسائل إعلامه نسبية او مرحلية يمكن معالجتها بما لديه من حنكة و إرادة و تصميم .
يمكننا تلخيص السمة الثانية للدولة العربية بمشاركة دول أجنبية في إدارتها انعكاسا لنفوذ هذه الأخيرة في مجالات الإقتصاد ، و تحديدا السوق التجارية ، الثروة المنجمية بالإضافة أيضا إلى القدرة على ممارسة ضغوط أمنية على هذه الدولة العربية بخصوص سلامة التراب الوطني و المحافظة على الاستقرار الداخلي . ينجم عنه أن الدولة العربية هي في الحقيقة شبه دولة ذات سيادة منقوصة كون نشأتها في الأصل ناتجة في أغلب الأحيان عن توافق بين نخبة وطنية حصلت على إعتراف الدولة المستعمرة من جهة و بين هذه الأخيرة من جهة ثانية .
من البديهي ان النخبة المشار إليها ، التي اختارها المستعمر ( فرانز فانون : المعذبون في الارض) لكي تحل مكانه في أدارة البلاد ، لا تمثل بالضرورة جميع مكونات النخبة الوطنية ، هذا من ناحية أما من ناحية ثانية فإن هذه الصفقة قطعت الطريق على أهل البلاد فلم ينجزوا بأنفسهم تحريرهم الكامل من الإستعمار و تحررهم من وصاية الزعماء " الوطنيين " الذين تعاقدوا مع المستعمر . نجم عنه شروخ عميقة بلبوس عشائرية و طائفية وعرقية مختلفة ، منعت التئام المجتمع الوطني بين المتعاونين مع المستعمر و بين المناهضين له .
السمة الثالثة ، ترك المستعمر في البلاد العربية مجتمعات بدائية ، منقسمة ، قبل أن تتمكن من تجاوزالفوارق فيما بينها ، فلم تندمج في وحدة مجتمعية وطنية ، كشرط لازم و ضروري لكسب صراعها المشترك من أجل التحرير الوطني و بناء الدولة الوطنية على أساس نظام يلائمها ، و ليس بالضرورة على اساس النظام الموروث من المستعمر .
يحسن القول في هذا السياق و باقتضاب أن المجتمع الوطني (الامة الوطنية ) يتكون نتيجة إلتقاء جماعات قبلية أو عرقية أودينية ، و اختلاطها طوعا أو كرها ، ضمانا لبقائها في كيان وطني .ينبني عليه أن المجتمع الوطني ليس إرثا أو ميزة جينية ، و ليس ثابتا و جامدا ، و أنما هو صناعة الأفراد المنتمين إليه ، متغير بمرور الوقت ، منفتح ، يغتني من الملتجئين إليه من خارجه .
من المعروف أن المستعمر يرتأي أحيانا أيقاف نضال حركة التحرير الوطني في منتصف الطريق ، حتى لا تطول المواجهة ضده و تصل هذه الحركة إلى أهدافها المتمثلة بولادة الأمة الوطنية في وطن مستقل ، لايقوم وطن من دون أمة وطنية تتعهده أنطلاقا من الحاجة إليه . لذا يعقد المستعمر تحالفا، مع شرذمة من "النخبة الوطنية " متعطشة إلى السلطة ، أو يجتذبها إلى طاولة المفاوضات بحثا عن تسوية أو صفقة تقضي بمقايضة أنسحاب قواته و إعلان " الإستقلال " بتسلمها إدارة شبه الدولة والمحافظة على مصالحه .
استنادا إلى كل ما تقدم ، ينهض السؤال عن مسألتين اساسيتين :
ـ إظهار العلاقة الوظيفية التي تربط السلطة في شبه الدولة ، او سلطة الحكم الذاتي بالأستعمار
ـ عن سبل تشكيل المجتمع الوطني ، الأمة ، توازيا مع النضال ضد الدولة الموظّفة وشرطا لازما وضروريا لبناء الدولة الوطنية التي لا يفسدها حكامها ولا يتآمرون على أهلها إلى جانب الولايات المتحدة



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World