لقَد هزمَنا تظاهرنا بالقوّة

ازهر عبدالله طوالبه
Azhertawalbeh@yaho.com

2021 / 6 / 27

سنينُ العُمر تمرُّ بنا دونَ أن نمرَّ بها، وتُلقي علينا عند كُلِّ مرورٍ " خيّبة ونكّسَة، وتشرُّد في عالم الهُموم، وكُل ما يطيب لها مِن أشياءٍ بائسة "، وذلك لإعتقادها بأنَّ زهرَة شبابنا لا تذّبل حتى وإن زُرِعَت في أرضٍ لا أحلام فيها، لكنَّها نسيت بأنّنا شباب عربيّ لا يعرف إلّا الذبول وهو ابن الأرض ـ أرض الخيرات المسلوبة والمنهوبة ـ التي لَم يترك بُقعةً فيها إلا وقَد زرَعَ فيها أحلامه، ولكنَها ـ أي أحلامه ـ كانَت أسرَع للذُبول مِن أن تُزهر، فهذه الأرض لَم تَعُد تصّلُح لزراعةِ الأحلام ؛ لكُثرةِ ما فيها مِن أنهارِ دماء, وقلّةِ ما فيها من أنهار ماء . فالدماء مهما كانَت زكيَّة لَن تسّقي زَهرة أحلام الشَّباب ـ كما يقولون ـ كما تسّقيها ماء التَّمكين الحقيقي المليئة بجُزيئات الكرامة والحُقوق.

نسيَت تلكَ السّنين بأنَّنا شبابٌ عربي قَد ضُحِكَ عليه بكُلِّ سذاجةٍ بكذبةِ " الإكتفاء والدّور الشَّبابي " الذي لَم يكُن فعّال، وأنَّه عماد الأمّة كما يتغنّونَ في مؤتمرات الحُكام الكاذِبة، وكَذِبة " أنَّ المُستقبل بأيدِ شبابِ الأمّة"، فكيفَ يكون لنا مُستقبلاً نحتَضِنهُ بأيدينا وترعاهُ عقولنا، وحاضرنا يُسّرَق أماَم أعيُنِنا، ويتَلاعبونَ به ثُلَّة من السَّقط المعروفين " بالمسؤولين " ؟!

تمُر سنوات العُمر ولا يعنينا كيف تمُر بقدَر ما يَعنينا ما الذي ستتركهُ من أثرٍ في حياتنا بعد مرورها، فهي بطبيعة الحال ومِن خلال مرورها في المرّات الّسابقة اتضحَ لنا بأنَّها لا تترُك إلا أثراً سلبياً في داخلنا، وتجّعَلنا أكثر بؤسا عند مرورها، ولا تزّرَع في داخلنا إلّا حيرةً وتشرُّد، وتفكير وضياع وألم واختلال، والكثير من المشاكل التي حاولنا أن نقفَ بوجّهِها لكن لَم يكُن بإستطاعتنا إلا أن نقول " بأنَّنا شباب, وفي جُعبتنا الكثير ـ كما قالوا لنا في صغرنا ـ من التَّحمُّل، والصَّبر على السّير في هذه الطريق الوَعِرة المليئة بالضّياع والمخاطِر"، بل في كثير من الأحيان كانت أقرَب إلى استبدالِ الحياة بالموت، وللأسف لَم يكُن أمامنا إلا أن نتظاهرَ بالقوةِ أمامها وأمام الجميع، وكلمةِ " التظاهر " لوحدها تُدخلنا في معاركٍ مع النَّفس، وبالطبع، فإن النّفس وصاحبها هُما الخاسِر الأكبَر، بل الخاسِر االوحيد مِن كُلِّ هذا . فنحن لا نجيد التَّعامل مع كلّ هذه الإلقاءات والإبتلاءات رغم اعتقادنا بأنَّنا قّد حصّنا أنفسنا جيداً عندَ آخرِ مرور ـ وهو الآن, لحظة كتابتنا لهذا المقال..قلم الشباب هو من يكتب وليس قلمي، وبلسانهم أتحدَّث وليس بلساني ـ وأصبحنا أكثرّ قوَّةً في مواجهة هذه الخسائر . لكن، ما أن تبدا رحلة المرور المعهودة، والتي لا نستَطيع أن نفرِضَ عليها قانون عدم المرور كما هو عدم السّفر على المُجرمين والفاسدين، وأن نقوم بإدراجها ضمن قائمة قاتلي الذّات " الأشد فتكاً " وكأنَّها تُخبرنا بأنَّ لا حاجة لنا في مرورها، فهي لا تمُر إلا بالنَّكسات والخيبات . فمنذ أن أتينا إلى هذا العالم الرذيل، وإلى الآن ـ ونحن ابناء ما بين العقد الثاني والرابع من سنوات أعمارنا التي لا نذكُر كيف نحفظها إلى الآن ـ ونحن نتجرَّعُ الخيبات والنَّكسات التي لا ترأف على حال شباب هذه الأمَّة، التي لا أجدُ وصفًا أصفها به ..

على أيّة حال، لا نريد مِن أحّد شيئًا ثمينًا، وإنّما كُلّ ما نُريدهُ هو ألّا نُسأل لماذا لا نفرَح؟! و ألّا نُتهم بأنَنا لا نحاول الإقتراب من الفرّح، أو نتهم بأنّنا نتغوّل على أعمارنا بعد الخيبات التي أذقناها .. فنحن لا نجيد صناعة الفرّح مِن أحزاننا المُتقرِّحة، وهمومنا المُتراكمة فوق رؤوسنا ؛ لأنَّ هذا الفرَح لَن يكون إلا فرحاً فاسداً في حقيقته وأصله، فالمشاعر لا تكون إلأ بأصلها وحقيقتها ..

لقّد هزمنا تظاهرنا بالقوة كثيرًا..



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World