م 4 / ف 14 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 836

أحمد صبحى منصور
handh241@gmail.com

2021 / 6 / 18

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 836
تابع شهر رجب
دوران محمل الحجاج في ظروف استثنائية
( وفي يوم الخميس ثاني عشره‏:‏ أدير محمل الحاج . ولم يعمل ما جرت العادة به من التجمل ، بل أوقف تحت القلعة وأعيد ، و لم يتوجه إلى مصر ( أي ما يعادل القاهرة الكبرى الآن ) ، وهذا شيء لم يعهد مثله‏. )
لمجرد التذكير كان دوران المحمل ( الذى يحمل كسوة الكعبة ) أحد شعائر الحج وقتها ، طبقا للمعلوم بالضرورة من الدين السُنّى .
قبل خروج حملة برسباى المتجهة الى الشرق
1 ـ ( وفي رابع عشره‏:‏ نصبت خيام السفر خارج القاهرة بطرق الريدانية ، تجاه مسجد تير‏. ) الريدانية الآن مكانها مدينة نصر .
2 ـ ( وفي سادس عشره‏:‏ خرج أمراء الجاليش - وهم الأمير الكبير سودن من عبد الرحمن وأمير سلاح أينال الجكمي وحاجب الحجاب قرقماس وقانباي الحمزاوي وسودن ميق - ونزلوا بالمخيمات . )
3 ـ ( ورسم بإخراج البطالين من الأمراء والمماليك، فتوجه الأمير ألطنبغا المرقبي - صاحب الحجاب في الأيام المؤيدية - والأمير أيتمش الخضري أستادار إلى القدس‏. وكان كل منهما عدة سنين ملازماً لداره . ومنع من بقي من الأسياد أولاد الملوك من ذرية الناصر محمد بن قلاوون من سكن القلعة وطوعها وأخرجوا من دورهم بها وكانوا لما منعوا من سنين سكن أكثرهم بالقاهرة وظواهرها فذلوا بعد عزهم وتبذلوا بعد تحجبهم ، وبقي من أعيانهم طائفة مقيمة بالقلعة وتنزل بالقاهرة لحاجاتها ثم تعود إلى دورها فأخرجوا بأجمعهم في هذه الأيام ومنعوا من القلعة فتفرقوا شذر مذر كما فعل أبوهم الناصر محمد بن قلاوون بأولاد الملوك بني أيوب وكذلك فعل الله ببني أيوب كما فعل أبوهم الكامل محمد بن العادل أبو بكر بن أيوب بأولاد الخلفاء الفاطميين ‏"‏ ولا يظلم ربك أحداً ‏"‏ ‏"‏ الكهف 49 ‏"‏‏. )
تعليق
1 ـ لتأمين نفسه وهو خارج بالجيش نحو الشام قام السلطان برسباى بالآتى
1 / 1 : نفى الى القدس الأمراء البطالين ، أي الذين على المعاش خوفا من أن يتآمروا عليه.
1 / 2 : طرد من القلعة من بقى فيها من( أبناء الأسياد ) أي أبناء السلاطين القدماء ، والمقصود بهم أحفاد السلطان الناصر محمد بن قلاوون ، والذين حكموا بعده أواخر من حكم من المماليك البحرية ، ثم أسّس السلطان برقوق الدولة المملوكية البرجية ومقرها قلعة الجبل ، حيث عاش المماليك الجدد . والسلطان محمد بن قلاوون في سلطنته فعل نفس الشىء من قبل مع ذرية السلاطين السابقين ، وكذلك فعل السلاطين الأيوبيون مع سابقيهم من الخلفاء الفاطميين ، والسلطان الناصر صلاح الدين الأيوبى إعتقل ذرية الفاطميين وأبناء آخر خليفة فاطمى ( العاضد ) في القلعة حتى ماتوا فيها نسيا منسيا ، والمقريزى يعلّق بآية قرآنية .
موكب للسلطان في القاهرة لخروجه قائدا للجيش
( وفي يوم الخميس تاسع عشره - الموافق له أول فصل الربيع -‏:‏ وانتقال الشمس إلى برج الحمل - ركب السلطان وعبّى أطلابه ، وتوجه في أثناء الساعة الثالثة من النهار ، فسار في ركب جليل إلى الغاية ، وقد تجمع الناس لرؤيته، حتى نزل بمخيمه . وصحبته الأمير جقمق العلاي أمير أخور ، والأمير أركماس الظاهري الدوادار ،والأمير تمراز القرمشي رأس نوبة ، والأمير جانم ابن أخي السلطان، والأمير يشبك المشد، والأمير جانبك الحمزاوي . هؤلاء أمراء الألوف . ومن الطبلخاناه الأمير تمرباي الدوادار الثاني ، والأمير قراخجا الشعباني والأمير قرا سنقر من عبد الرحمن . ) ،
تعليق
1 ـ المقريزى يؤرخ باليوم والساعة وبالفصل وبحركة الكواكب ( التقويم الفلكى ) زيادة في تحرّى الدّقة . وذكر أسماء القادة الذين صحبوا السلطان في حملته .
2 ـ ومن بين القادة المماليك نقرأ إسم ( والأمير جانم ابن أخي السلطان )، أي استقدم برسباى ابن أخيه ورقّاه أميرا، جاء من المماليك ( الجلب / الجلبان ) وترقّى سريعا في ضيعة برسباى . هذه الضيعة هي ( مصر ).!
قادة المماليك الذين خلفهم برسباى في مصر
وفى النّصّ التالى ذكر أسماء ووظائف من أوكل اليهم برسباى حفظ الأمور في مصر في غيبته ، قال : ( واستقر في نيابة الغيبة بباب السلسلة من القلعة الأمير تغري برمش التركماني أحد الألوف. واستقر بالقلعة المقام الجمالي ولد السلطان أحد الألوف، والأمير خشقدم الزمام أحد الطبلخاناه ، والأمير تاني بك والي القلعة في عدة من المماليك‏. واستقر خارج القلعة الأمير أقبغا التمرازي أمير مجلس ، وقد رسم بحضوره من عمل الجسور بعد فراغها‏. ورسم للأمير أينال الششماني أحد الطبلخاناه أن يكون أمير الحاج في الموسم ، ورسم بإقامة الأمير الإسماعيلي أحد الطبلخاناه وحاجب الميسرة، وإقامة الأمير الوزير كريم الدين أستادار‏. ) .
تعليق
1 ـ ( نائب الغيبة ) هو نائب السلطان في مصر أثناء غيبة السلطان عنها . وكان نائبه في القلعة تغرى برمش، أما النائب عن السلطان داخل القلعة فهو الطفل ابن برسباى ، والذى ترقى ليكون أميرا لألف . ويعاونه خشقدم وتانى بك ، ويحرسه عدة من العسكر المملوكى .
2 ـ خارج القلعة كانت مهمة أقبغا التمرازى ، الذى جىء به من الريف حيث كان مُكلّفا بعمل الجسور . وتقرّر أن يكون الشمشانى أمير الحج ، الخ ..
سير السلطان بالجيش
( وفي يوم الجمعة عشرينه‏:‏ سار السلطان من الريدانية ومعه من ذكرنا من الأمراء والمماليك ، ومعه الخليفة وقضاة القضاة الأربع ، وسافر في الصحبة ناظر الدولة أمين الدين إبراهيم بن مجد الدين عبد الغني بن الهيصم ، ونديم السلطان ولي الدين محمد بن قاسم الشيشيني‏. )
تعليق
من صحراء العباسية ( الريدانية / مدينة نصر الآن ) تحرّك أكبر أكابر المجرمين السلطان برسباى . ولأنه الموصوف ( كذبا وزورا ) بأنه ( سلطان الإسلام ) فقد اصطحب معه أكابر المجرمين من رموز دينه السُّنّى ( الخليفة وقُضاة القُضاة ).
‏وظائف أكابر المجرمين ( تنقلات وتقلبات )
1 ـ ( وفي سابع عشره‏:‏ أعيد دولات خجا إلى ولاية القاهرة، عوضاً عن التاج لسفره في الخدمة السلطانية مهمندار وأستادار الصحبه وجليساً‏. ). ضمن الوظائف أن يكون أحدهم نديما وجليسا للسلطان ، وهكذا كان التاج ابن الخطير .
2 ـ ( وخلع على شهاب الدين أحمد ابن محمد بن علي - ويعرف بابن النسخة شاهد القيمة - واستقر في حسبة مصر عوضاً عن شمس الدين أحمد بن العطار‏. )
سلطان تونس والمغرب يرسل للسلطان برسباى بأخبار حربه ضد ملك الفرنج الكاتيلان
( وقدم كتاب متملك تونس - وعامة بلاد المغرب - أبي فارس عبد العزيز يتضمن واقعته مع ملك الفرنج القطلان على جزيرة جربة‏. )
شهر شعبان أوله الاثنين‏:
لم يسجّل المقريزى في أحداث هذا الشهر سوى تحركات السلطان فى حملته
1 ـ أول شعبان ( فيه وصل السلطان إلى غزة، ورحل منها في رابعه . وقدم النجّاب ( الرسول حامل رسالة السلطان ) بذلك في ثامنة، فنودي بالقاهرة في الناس بالأمان ورفع الظلم ومنع الرمايات على الباعة‏. ) . كعادة الانسان وقت الشدة يرجع لربه مؤقتا ، وهكذا نودى في القاهرة بالأمن والأمان ورفع الظلم ، ومنع نهب الباعة بفرض الضرائب والمكوس والرشاوى .
2 ـ ( وفي يوم الاثنين خامس عشره‏:‏ وصل السلطان إلى دمشق، وسار عنها يريد حلب في يوم السبت عشرينه . وقدم النجاب بذلك في سادس عشرينه، فدقت البشائر بقلعة الجبل ونودي في القاهرة وظواهرها بذلك‏. ) ‏
تعليق
1 ـ ( المُنادى ) هو ( وزير الاعلام ) وقتها .
2 ـ فى دول الاستبداد لا بد أن يكون الإعلام جزءا من السلطة ، يُملى على الشعب ما يريده المستبد . أي هو إعلام من طرف واحد ، هو المستبد ، وليس مسموحا أن يكون هناك إعلام مستقل حُر ، يعبر عن الشعب . والمستبد لا يتحمّل رأى الشعب القادم عبر الانترنت . والمستبد المصرى الآن يكتم أفواه المصريين في الداخل ، ويطارد الأصوات الحُرّة الآتية من الخارج باعتقال أقاربهم كما يفعل السيسى معنا ( أهل القرآن ). وليس لنا إلا أن نلجأ الى الله جل وعلا نتمسك بالصبر والصلاة والدعاء أن ينتقم لنا ممّن ظلمنا ويتخذ أهالينا الأبرياء المستضعفين رهائن كيدا لنا ، وصدّا عن سبيل الله جل وعلا ، يتخذها عوجا .!
3 ـ دليلا على أن التاريخ يسير في ركاب أكابر المجرمين نرى المقريزى لم يسجّل في أحداث هذا الشهر سوى تحركات السلطان فى حملته.
شهر رمضان ، أوله الثلاثاء‏:
1 ـ ( وفي خامسه‏:‏ وصل السلطان إلى حلب فنزل بظاهرها في المخيمات ، ورحل يريد مدينة آمد ، في حادي عشرينه‏. )
2 ـ ( وفيه قدم الخبر بذلك إلى قلعة الجبل، فدقت البشائر ،ونودي بإعلام الناس ، فنزل السلطان إلى البيرة في سادس عشرينه ، وكتب منها إلى القاهرة على يد نجّاب‏. ).( النجّاب هو الرسول السريع )
نعيد التدليل على أن التاريخ يسير في ركاب أكابر المجرمين بأن المقريزى لم يسجّل في أحداث هذا الشهر سوى تحركات السلطان فى حملته ، ولا يهمّه كثيرا أخبار الناس لأن أكبر أكابر المجرمين ترك الناس ، وجرى المقريزى لاهثا خلفه . ‏
شهر شوال أوله الخميس‏:‏
تحركات جيش السلطان
( في تاسعه‏:‏ قدم النجاب برحيل السلطان من البيرة ، بعد تعدية الفرات في سادس عشرين رمضان‏. )
خروج المحمل بالحجاج وكسوة الكعبة في ظروف غيبة السلطان
( وفي يوم الاثنين تاسع عشره‏:‏ خرج محمل الحاج صحبة الأمير أينال الششماني إلى الريدانية خارج القاهرة ، ورفع منها إلى بركة الحجاج ، ثم استقل بالمسير من البركة في ثالث عشرينه. والحاج ركب واحد لقلتهم، و لم نعهد الحاج فيما سلف بهذه القلة‏. )
حرائق غامضة في غيبة السلطان
( وفي هذا الشهر‏:‏ تعدد وقوع الحريق في أماكن ، فظهرت نار في الجرون بناحية شيبين القصر وأحرقت غلات كثيرة، وكان وقت الدراس. واجترت فارة فتيلة سراج في خن مركب قد أوسق بثياب وسيرج وغير ذلك ، ووقف بساحل مدينة مصر ليسير إلى الصعيد فأحرقت النار جميع ما كان في الركب وسرت إليها فاحترقت بأجمعها وهي في الماء حتى صارت فحماً ، ووقعت النار في دور متعددة بالقاهرة ومصر‏.‏ ) . ليس هذا من فعل الفئران ، بل ينطبق عليه المثل المصرى ( غاب القط العب يا فار ) . هذا بفعل فاعل ، وقد تعدّد الفاعلون من الريف الى القاهرة والنيل .
كسوف
( وفي يوم الأربعاء ثامن عشرينه‏. كسف من جرم الشمس نحو الثلثين في برج السرطان بعد العصر بزيادة على ساعة ، فما غربت حتى بدأ الكسوف ينجلي ، وفي مدة الكسوف اعتمت الآفاق وظهر بعض الكواكب‏. )
شهر ذي القعدة أوله السبت‏:‏
قياس النيل
( فيه أخذ قاع النيل فجاء ستة أذرع وثلاثة أصابع ، ونودي من الغد بزيادة خمسة أصابع ، واستمر النداء بزيادة ماء النيل‏.)
خسوف القمر بعد كسوف الشمس
( وفي ليلة الجمعة رابع عشره‏:‏ خسف أكثر جرم القمر، فطلع من الأفق الشرقي منخسفاً وانجلى الخسوف وقت العشاء‏. وهذا من النوادر ؛ وقوع الخسوف القمري بعد كسوف الشمس بخمسة عشر يوماً‏. )
تحركات جيش السلطان
1 ـ ( وفي خامس عشره‏:‏ قدم ساع على قدميه من حلب بكتاب السلطان من آمد ، بأنه نزل عليها ، وقد خرج عنها عثمان بن ططر علي المعروف بقرا يلك ، وأشحنها بالمقاتلة فحصرها العسكر‏. )
2 ـ ( وفي حادي عشرينه‏:‏ قدم نجاب بكتاب السلطان من آمد ، مؤرخ بعشرين شوال ، بأن قرا يلك عزم تعدية الفرات يريد حلب ، فأدركته العساكر السلطانية، وقد نزل بعض أصحابه الفرات فقاتلوهم ، وقتلوا منهم وغرق منهم جماعة ، وأسر جماعة ضربت أعناقهم‏.)
3 ـ ( وفي رابع عشرينه‏:‏ دقت البشائر بقلعة الجبل ، ونودي بأن اسكندر بن قرا يوسف قدم بعساكره نجدة للسلطان ، ثم تبين كذب هذا الخبر‏.). كان هناك عداء بين إسكندر بن قرا يوسف وقرا يلك المعادى للمماليك . لذا كان إسكندر بن قرا يوسف يتودد لبرسباى .
إشاعات بعدم زيادة النيل تؤدى الى ‏غلاء الأسعار وتخزين الحبوب
( وفي هذا الشهر‏:‏ تحركت أسعار الغلال ، فأبيع القمح بمائة وثلاثين درهماً الأردب بعد مائة ، وأبيع الأردب الشعير والفول من ثمانين إلى بضع وتسعين بعد ما كان بستين‏. وسبب ذلك أن طائفة من الناس قد اعتادت منذ سنين أن ترجف في أيام زيادة النيل بأنه لا يبلغ الوفاء ، يريدون بذلك غلاء الأسعار ، فتكف أرباب الغلال أيديها عن البيع ، ويأخذ آخرون في شراء الغلال وخزنها ليتربص بها دوائر الغلاء، فيتحرّق السعر من أجل ذلك ، فإذا بلغ النيل القدر المحتاج إليه في ري الأراضي وزرع الناس أيس طلاب الغلاء ، فباعوا ما قد اختزلوه منها ، فينحل السعر ويتضع‏.)
نائب السلطان في مصر يولى شخصا مجهولا تابعا له مديرا لأمن القاهرة وعزل دولات خجا المشهور بظلمه . والمقريزى ــ على غير العادة يمدح نائب السلطان .!
( وفي ثامن عشرينه‏:‏ عزل نائب الغيبة دولات خجا عن ولاية القاهرة وأقام عوضه دواداره - أعني دولات حجا - وهو مجهول لا يعرف ونكرة لا يتعرف . ومع ذلك فأحوال الناس بالقاهرة جميلة لحُسن سيرة نائب الغيبة، وتثبته وإظهار العدل مع كثرة الأمن ورخاء أسعار عامة المبيعات كلها‏.).
تعليق
غريب أمر المقريزى ؛ حين يظهر شخص مسئول حسن السيرة يصفه بالنكرة والشخص المجهول ، بينما يُسهب في سيرة أكابر المجرمين .‏



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World