الإحتلالات المشروعة و الإحتلالات المرفوضة

خليل قانصوه
khalilkansou@hotmail.fr

2021 / 6 / 13

لا نقدم كشفا كبيرا بقولنا ان موضوع تقسيم لبنان مطروح ضمنيا ، بل لا نجازف بالكلام أنه تحقق و اقعا بنسبة معينة و أن إنجاز ما لم يتحقق هو غير عملي بالإصافة إلى أنه بعيد المنال . ليس مستبعدا أن تكون محاولات التقسيم المستحيلة هذه هي وسيلة اتجار و تربح أوصلت البلاد إلى الإنهيار الحاصل و إلى إضعاف القدرات على بلورة خطة عملية لدرء الخطر الوجودي المحدق .
لا بد من الإعتراف توخيا للدقة ، بأن الدولة في لبنان هي في الحقيقة منذ أن تأسست أو اعلنت، تحت الرعاية الأحنبية ، و بالتالي فإن التقسيم الجزئي أو الكامل ، او توزيع الحصص ، تطلبا كالعادة دعما خارجيا ، و على الأصح أنهما يعكسان رغبات دولية بالتأثير في شؤون البلاد و الإقليم .وبالتالي ليس تعدد الأطراف الدولية على الساحة متغيرا طارئا ، و لكن ما يجري هو نتيجة السلوك العدواني الذي تنتهجه الولايات المتحدة و اسرائيل و حلفائهم و عملائهم ، الأمر الذي جعل القوى المستهدفة بهذا العدوان تتحرك لردعه في لبنان و سورية والعراق ، أي في ميدان المواجهة التاريخية ، القديمة ،بين مصر و تركيا و إيران ، وشبه جزيرة العرب التي كان سكانها ينتهزون الفرص للإنقضاض على المنهزمين والمنهكين في الحروب .
من البديهي أن لبنان ليس معزولا عن الحرب التي يتعرض لها العراق و سورية ، بل هو في وسطها وفيه اضرمت شرارتها الأولى . أما في ما يتعلق بمسألة استقلالية الطوائف الكبرى في بعض مناطق البلاد ،فإن ذلك دليل قاطع على أن هذه الطوائف تشارك ، بشكل من الأشكال ، في الحرب الدائرة في سوريةو العراق . و من نافلة القول أنها تقف في معسكرات متعادية ، و أن ما تقوم به في لبنان هو أمتداد للدور الذي تؤديه كل منها إلى جانب حلفائها على جبهات القتال .
فالرأي عندي أنه ليس صحيحا ان لبنان محتل من قبل جهة أجنبية واحدة ، و أنما هو تحت احتلالات جميع الأفرقاء المتحاربين على الساحتين السورية العراقية الأصيلين منهم و الوكلاء ،الذي يجسده الحصار الشديد المالي و التجاري و الخدماتي الذي يئن تحت وطأته الناس . أي بعكس ما تروج له وسائل الإعلام المحلية بوجه خاص و الدولية بوجه عام . و هنا ليس من حاجة للتذكير بأن الولايات المتحدة الأميركية و أبواقها يتميزون في مجال الدعاية و تلفيق الاخبار الكاذبة بأساليب متطورة جدا إلى جانب امتلاكهم الأقمار الإصطناعية التي تمكنهم من التغطية الواسعة من جهة ومن منع الآخرين من البث و النشر من جهة ثانية .
و لكن المفارقة في هذا كله أن الأفرقاء اللبنانيين الذين يتباغضون و يتحاربون في سورية و يتعاونون مع أعدائهم جميعا ، لكي ينكلوا بخصومهم ، و يشاركون مع زعماء طوائفهم في تشديد الحصار الأميركي ـ الإسرائيلي على سورية و لبنان ، يشككون بوطنية كل منهم و بارتهانه لجهة أجنبية . وما يثير الدهشة إلى حد الذهول أنهم بالرغم من أن الدولة أفلست و الأسعار ارتفعت و المواد الغدائية شحت و الأدوية فقدت ، يستقدمون السلاح و يستعدون للإقتتال فيما بينهم في الوقت الذي يتظاهر فيه زعماؤهم و قادتهم الطائفيون و كلاء تفليسة الدولة و اصحاب الأموال الطائلة غير الشرعية في مصارف الدول الغربية ، بالبحث على حلول لكفاح الفقر و العذاب نتيجة سياسات اتبعوها ، برهانا و دليلا على أنهم ليسوا مؤهلين لإقامة دولة وطنية ، و ان المستقبل يتوقف ، في البلاد الثلاث ، لبنان و سورية و العراق ،حيث تتعدد المعتقدات و الأصول الإثنية ، على نهضة حركة علمانية قادرة على تحرير هذه البلدان من المستعمرين و على توحيدها في كيان واحد.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World