مجتمع آلهة سومر

سعود سالم
saoudsalem@free.fr

2021 / 6 / 7

أركيولوجيا العدم
٤٦ - مجتمع الآلهة

الآلهة السومرية، مثلها مثل الآلهة اليونانية فيما بعد، كانت منظمة في مجتمع شبيه بالمجتمع البشري كما سبق القول. فكانت هذه الآلهة تتزوج وتمارس الحب وتتكاثر، تأكل وتشرب وتحب وتكره. وكانوا ينظمون الإجتماعات ويتخذون القرارات ويقيمون الإحتفالات الصاخبة، يغنون ويرقصون يمارسون الحب والكراهية والخداع والتحايل والغش. غير أن الصفة الأساسية التي يشتركون فيها جميعا وتميزهم عن البشر هي الحياة الأبدية التي يتمتعون بها وغياب "الموت" عن ماهيتهم الإلهية وعدم تأثرهم بهذه الظاهرة الأرضية. فعندما أضطرت هذه الآلهة لخلق "الإنسان"، أحتفظت لنفسها بسر الحياة الأبدية وإمكانية الخلود، وهو الموضوع الذي ستعالجه النصوص الميثولوجية السومرية والبابلية الكبرى.
آلهة العصور القديمة في بلاد ما بين النهرين معظمها كانت تتخذ أشكالا بشرية، وكانت تملك قوى خارقة، وصورت بحجم وقوة هائلة. هذه الآلهة كانت تلبس ما يسمى "ميلام" نوع من الملابس التي كانت تخفي قواها الغامضة، وهو ما كان يلبسه الأبطال والملوك والعمالقة. غالباً ما كان يتم تصوير آلهة بلاد الرافدين مع خوذات تزينها قرون وفي بعض الأحيان رؤوس حيوانات طوطمية قديمة. سكان بلاد النهرين القدماء كانوا يؤمنون بوجود آلهة تعيش في مكان يشبه الجنة يسمى "ديلمون"، وتمثال الإله ومعبده كان يجسد ويمثل هذا الإله على الأرض. وكان يتم العناية بهذه التماثيل من قبل كهنة المعبد، االذين كانوا يعتنون بمظهر ولباس هذه التماثيل، وكانوا يقيمون الأعياد من خلال إطعامهم والقيام بالطقوس وتقديم النذور والأضاحي. أحياناً كان يتم اصطحاب تماثيل هذه الآلهة خلال المعارك لاعتقادهم بأنها ستساعدهم على سحق العدو والإنتصار في المعركة.
آلهة بلاد ما بين النهرين الرئيسية تطورت وتغيرت على مر العصور كما ذكرنا، والتاريخ الديني لهذه المنطقة يمكن تقسيمه إلى أربعة مراحل. المرحلة الأولى، خلال الألفية الرابعة قبل الميلاد، حيث ظهرت آلهة بدائية بسيطة تلبي احتياجات إستمرارية معيشة الإنسان في صراعة مع الطبيعة الشرسة والمجهولة. في الألف الثالث قبل الميلاد ظهرت آلهة ذات قدرات خارقة، وقد تم تأليه بعض الملوك أيضاً خلال هذا العصر لإعطائهم المزيد من السلطة والرهبة. خلال الألف الثاني قبل الميلاد، أي المرحلة الثالثة، بدأ الاعتقاد بأن الآلهة يمكن أن تتدخل وتأثر في حياة الأشخاص ألذين يعبدونها ويخدمون معابدها وكهنتها، مما ساهم في تقوية سلطة الكهنة والمعابد. وخلال الألف الأول أصبحت الآلهة مقربة جداً من الحكام، وأصبح هناك إمتزاج وتداخل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية. ولقد تم تسجيل وإحصاء ما يقارب حوالي 3000 إله تم ذكرها في الألواح الأثرية في المنطقة.
ظهرت آلهة الأنوناكي وهي من أهم القبائل الإلهية وأكثرها قوة وعددا، خلال حكم كوديا ملك لكش وخلال عصر سلالة أور الثالثة، والأنوناكي تم تصويرها كآلهة الجنة والتي كانت تملك قوى خارقة، وأعتقد أنهم هم من خلقوا البشر. بعد ذلك ظهرت آلهة العالم السفلي ثم ظهرت أيضاً مجموعة أخرى من الآلهة وإسمها "إجيجي" وألذين ظهروا في عصر سلالة بابل الأولى، على شكل خدم وشغيلة للآلهة الكبرى، تم في وقت لاحق تمت مساواتهم معهم بعد أن قاموا بإضراب عام وتمردوا على ظروف معيشتهم كعبيد. النظام الإجتماعي والسياسي لمجتمع الآلهة كان نظاما هرميا وتراتبيا يتشكل من ثلاث طبقات أو أدوار أساسية :
- فهناك اللجنة الإلهية الكبرى أو المركزية، وتتكون من الآلهة مقررة المصائر البشرية والأرضية عموما، وهي لجنة تتكون من سبعة آلهة، حيث اعتقد سكان بلاد النهرين القدماء بوجود سبع آلهة مهمة، بينما السومريون إعتقدوا بوجود ستة آلهة كبرى وهي أنو، إنليل، إنكي، ننهورساج، نانا، أوتو وإنانا. وكانوا يعتقدون بأن بعض من هذه الآلهة تجسد الكواكب التي كانت معروفة لديهم، فإنانا هي كوكب الزهرة، أوتو كان يمثل الشمس، فيما كان نانا يمثل القمر، في وقت لاحق ربطوا سكان بلاد النهرين آلهة أخرى مع الكواكب المعروفة لديهم والتي كان يمكن رؤيتها ومراقبتها من خلال العين المجردة.
- ُثم هناك لجنة أو مجمع آخر يشمل أغلبية الآلهة العظام، أو الآلهة النبيلة، وعددهم متفاوت وإن كان بعض المؤرخين قد حدده بخمسين إلاها.
- وفي المرتبة الثالثة، هناك بقية الشعب الإلهي المكون من الألهة الفرعية المتعددة، والمسماة بالآلهة الشغيلة، أو البروليتاريا الإلهية، لأن مهمتها الأساسية هي القيام بكل الأعمال الشاقة اليومية التي يرفض الآلهة العظام القيام بها.
وأهم الآلهة على رأس هذا النظام، هي كما هو متوقع الآلهة التي تمثل العناصر الكبرى في الطبيعة وذات التواجد الدائم، أي السماء والأرض والماء والهواء. وقد تمكنت هذه الآلهة من الإحتفاظ بالسلطة العليا لثباتها ووجودها المستمر والدائم مقارنة ببقية الآلهة المتغيرة الإسم والوظيفة والشكل والتي لم تتمكن من الإتسام بديمومة التواجد. وقد أطلق على هذا المربع الإلهي إسم "الآلهة الخالقة"، وهذا يجعلنا نفكر على الفور في "العناصر الأربعة" في الفلسفة اليونانية اللاحقة، حيث استبدلت السماء بعنصر النار - البرق - وحفظت العناصر الباقية، الهواء والأرض والماء لتكون مصدر الوجود والمبدأ الأول التي أنبثقت عنه كل الكينونة. ويبدو واضحا أن التساؤل البدائي للإنسان هو عن كيفية حدوث الأشياء وميكانيكية الكينونة، وهو التساؤل المنبثق من علاقة الإنسان بمحيطه الطبيعي ورغبته في ملء الفراغ - العدمي - الناتج عن عدم فهمه لما يجري أمام عينية من ظواهرذات قوة خارقة مدمرة، ولكنها قوة باعثة للحياة والخصب في نفس الوقت، فخلقت الآلهة وتشكلت تدريجيا من عقل الإنسان وخياله المرتبط إرتباطا وثيقا بالبحث الجوهري عن علية الأشياء وأسباب حدوثها، وهذا التساؤل هو أصل البحوث العلمية المعاصرة.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World