العجوز والبحر لهيمنجواي

محمد زكريا توفيق
zakariael@att.net

2021 / 5 / 29

الروائي الأمريكي، هيمنجواي (1899-1961)، أبوه طبيب، والأبوان مسيحيان ملتزمان. شارك في الحرب العالمية الأولى والثانية حيث خدم على سفينة حربية أمريكية كانت مهمتها إغراق الغواصات الألمانية، وحصل في كل منهما على أوسمة.

أثرت الحرب في كتابات هيمنجواي ورواياته. منها "وداعا للسلاح"، "لا تزال تشرق الشمس". رواية العجوز والبحر، صدرت له عام 1952. عندما نشرت الرواية أول مرة في مجلة "لايف"، بيعت منها 5 مليون و300 ألف نسخة.

قوبلت بحفاوة من النقاد، وفازت بعدة جوائز عالمية أدبية. كما أنها قد حصلت على جائزة بوليتيزر لعام 1953، وجائزة الجدارة للرواية من الأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب، ولعبت دورا هاما في اختيار همنغواي لجائزة نوبل للآداب عام 1954.

اهتمت بها الجامعات والمدارس وأصبحت جزءا من المقررات الأدبية. تم إنتاجها فيلما سينمائيا ناجحا عام 1958م، من إخراج "جون استورجس"، وبطولة "سبينسر تريسي".


كان ياما كان فيه صياد أسماك كوبي اسمه "سانتياجو". مرت عليه 84 يوما بدون صيد. عجوز ضعيف البنية هزيل، عنقه حاد التجاعيد، يداه بهما ندوب غائرة من جراء سحبه لخيوط السنانير وهي محملة بالأسماك الكبيرة. كلها ندوب قديمة، قدم تآكل التلال في صحاري خالية من الأحياء.

فشل سانتياجو لم يوهن عزيمته، كما يبدو من عينيه المبتهجتين واللتين لم يصبهما اليأس. له صديق واحد، صبي يدعى "مانلين". كان يقوم بمساعدته في الأيام الأولى من فترة نحسه.

بعد 40 يوما، رأى الأبوان أن العجوز قليل البخت، فطلبا من ابنهما العمل في مركب آخر. مع هذا، كان الصبي يساعد العجوز كل يوم، ويقوم معه بسحب المركب الخالي من الأسماك إلى الشاطئ.

أخبر العجوز الصبي أنه ينوي في صباح اليوم التالي، الدخول بعمق في الخليج للصيد. ثم ذهبا كلاهما إلى بيت العجوز. البيت بسيط للغاية. سرير وطاولة وكرسي وأرض ترابية. تبادلا الحديث فترة، ثم غادر الصبي لكي يحضر طعاما، وترك العجوز يخلد للنوم.

عندما عاد الصبي، أيقظ العجوز من النوم، لكي يتناولا الطعام معا. أثناء تناول الطعام، لاحظ الصبي حالة البؤس التي يعيشها العجوز، فقرر بينه وبين نفسه أن يحضر له قميصا وحذاء وجاكتة وبطانية لقرب حلول الشتاء. بعد الحديث عن رياضة البيسبول لفترة، غادر الصبي ونام العجوز.

يحلم سانتياجو بأفريقيا، التي زارها في شبابه عندما كان يعمل على ظهر المراكب. هو الآن ينام كل ليلة في كوخه على الساحل. يسمع أثناء نومه وأحلامه هدير الأمواج التي تشقها القوارب. يستيقظ ويستدعي الصبي من بيته.

ينقل الإثنان ما يحتاجه سانتياجو إلى مركبه، ثم يحتسي كوبا من القهوة في مقهى الصيادين. في نفس الوقت، يذهب الصبي لإحضار سمك السردين المستخدم كطعم. يعود ويتمنى للعجوز حظا سعيدا وهو ذاهب بقاربه إلى البحر.

يبحر سانتياجو قبل بزوغ الشمس. ترك الساحل خلفه. رائحة الماء النظيفة في الصباح، تدل على أنه قد توغل داخل الخليج. إنه يجدف الآن فوق بقعة من الماء يسميها الصيادون "البئر العظيمة". هي عبارة عن عمق مفاجئ يصل إلى 700 قامة، حيث يتجمع الجمبري والحبار والأسماك المستخدمة كطعم.

يواصل العجوز التجديف بقاربه داخل الخليج، فيرى الأسماك الطائرة والطيور الصغيرة. يرأف بحال الطيور ويتساءل، لماذا هي رقيقة بينما البحر قاس جبار؟

يستمر سانتياجو، ويمر بمكان عميق لم يمر به من قبل. يرى الطيور تحوم حول بقعة قريبة منه. ربما لأنها قد رأت شيئا تحت الماء. يقترب العجوز بقاربه من مكان الطيور، ويدلي بسنانيره بعمق إلى الماء. على أمل التقاط بعض الأسماك التي رأتها الطيور.

هذه مجموعة كبيرة من الدلافين، تسبح بسرعة كبيرة. ليس في مقدور الطيور أو سانتياجو صيدها. يواصل سانتياجو السير بقاربه وهو يبغي صيد أسماك ضالة، أو أسماك تتبع الدلافين. إنه متعود على صيد أسماك التونة الصغيرة. بعد فترة قصيرة، بدأت إحدى سنانيره تغمز من عمق. يبدو أنها قد أمسكت بشئ.

الغمزة الأولى كانت شديدة، أسقطت عصا السنارة بشكل حاد. الغمزة التالية كانت أقل حدة. لكن سانتياجو، كان يعرف بالضبط ماذا تعني. شيء ضخم هنا أسفل القارب. إنها سمكة من نوع مارلين، كانت تأكل السردين.

لقد توقع سانتياجو بخبرته أنها لا بد أن تكون سمكة كبيرة جدا.
ظلت السمكة تقضم حول خطاف السنارة لبعض الوقت، رافضة أن تلتقم الطعم بالكامل. سانتياجو كان يتحدث إلى نفسه بصوت عال، كما لو كان يتملق السمكة لكي تقبل الطعم.

يقول لها: "هيا... قومي بلفة أخرى. شمي الأكل، أليس جميلا؟ تذوقيه وكلي جزءا منه. إنه بارد وشهي. لا داعي للخجل. تفضلي بالهناء والشفاء." بعد العديد من القضمات الكاذبة، بلعت سمكة المارلين التونة في النهاية، وسحبت طولا كبيرا من خيط السنارة.

انتظر سانتياجو السمكة حتى تبتلع هوك السنارة بالكامل، ثم قام بسحب الخيط بشدة لكي يخرجها من الماء إلى جوار المركب. لكن السمكة كانت قوية، أبت أن تستجيب للشد، وأخذت تسبح بعيدا عن المركب، وهي تسحب معها الرجل العجوز وقاربه. سانتياجو كان يتمنى في هذه اللحظة، أن يكون معه الصبي مانولين للمساعدة.

اقتربت الشمس من المغيب، وسمكة المارلين لا تزال تسبح في نفس الاتجاه. لقد ابتعد سانتياجو عن الساحل كثيرا، ولم يعد يرى شيئا من اليابسة. لكنه يعرب عن عزيمته، ويتحدث مع السمكة قائلا: "أيتها السمكة، لن أتركك وسأبقى معك حتى الموت".

يعرب عن تناقضه بين رغبته في أن تهرب السمكة لكي تنهي الصراع في أسرع وقت ممكن، وقلقه من سقوط الخطاف من فمها وفقده لها. ثم يخاطبها من جديد: "أيتها السمكة، أحبك وأحترمك كثيرا لكنني سأقتلك للأسف قبل نهاية هذا اليوم".

يأتي طائر صغير لكي يقف على متن القارب، ويقوم سانتياجو بالتحدث معه، بينما مارلين تترنح وهي تسحب القارب إلى الأمام والخيط إلى أسفل، مما تسبب في جرح يده.

غمس سانتياجو يده في الماء المالح لوقف نزيف الدماء، وهو يلاحظ أن سرعة مارلين تتباطأ. انتهز هذه الفرصة لكي يأكل شيئا من سمكة التونة التي أمسك بها، لكي تمنحه بعض القوة، حتى يستطيع التغلب على محنته.

بينما يقوم بتقطيع سمكة التونة، تتقلص يده اليسرى فلا يستطيع التحكم فيها. فيخاطب يده قائلا: " أي نوع من الأيادي هذه؟"، "تقلصي كما تريدين، أو تحولي إلى مخلب، فهذا لن يفيدك.". ثم أخذ الرجل العجوز يأكل التونة، على أمل أن تجدد قوته وتساعده على علاج يده.

بعد ذلك، أخذت سمكة المارلين تخرج من الماء ثم تغوص فيها مرة أخرى بسرعة. سانتياجو مندهش من حجم مارلين، التي يزيد طولها قدمين عن طول القارب. هو يعلم جيدا أنها في إمكانها تدمير القارب وإغراقه إن أرادت.

يتحدث سانتياجو إلى نفسه قائلا: "نشكر الله أن الأسماك ليست بذكاء من يقومون بقتلها. إلا أنها أكثر نبلا وأقدر على الحياة". ثم يقوم بالدعاء والصلاة لكي يهدئ من روعه، ويبعد القلق عن نفسه. ويستمر في مطاردة صيده الكبير مرة أخرى.

بعد الغروب، يفكر سانتياجو مرة أخرى في انتصاراته الماضية، حتى يعطي نفسه المزيد من الثقة. يتذكر مباراة مصارعة ذراع رائعة خاضها في حانة في الدار البيضاء. كانت قد استمرت يوما بليلة، لكنه فاز بها في نهاية المطاف.

قرر سانتياجو النوم بعض الوقت. قام بتقطيع سمكة الدلفين التي أمسك بها حتى لا تفسد وأكل بعض أجزائها قبل أن يخلد للنوم. ثم أخذ يلف خيط السنارة حول جسمه، وظل ممسكا الخيط بيده اليسرى، لإيقاظه عندما تترنح مارلين. أثناء نومه، أخذ يحلم بأسطول أسماك، وبكوخه في القرية، وشبابه على سواحل أفريقيا.

استيقظ سانتياجو من نومه عندما ضغط خيط السنارة بشدة على يده اليمنى، بسبب قفز مارلين من الماء إلى سطح البحر. كل ما يمكن أن يفعله الرجل العجوز هو مسك الخيط بشدة. لكن ضغط الخيط على يده وهو يسحبه نحوه، قد أدمى يده وجعله يسقط في قاع القارب.

يحاول سانتياجو حفظ توازنه بالرغم من ذلك، ويدرك أن مارلين لن تذهب إلى العمق لكي تموت. بعد ذلك، أخذت مارلين تسبح في دائرة، استعدادا للجولة النهائية.

مع شروق الشمس، تبدأ مارلين السباحة في دائرة كبيرة. سانتياجو يجذب الخيط بقوة، ويسحبه ببطء بينما تدور مارلين. في الجولة الثالثة، يرى سانتياجو السمكة ويندهش من كبر حجمها.

يعد سانتياجو الحربة، ويسحب الخيط. مارلين تحاول يائسة سحب الخيط بعيدا. سانتياجو يخاطب السمكة: "أنت تقتلينني. لكن لديك كل الحق في ذلك. فلم أرى أبدا شيئا أعظم أو أكثر جمالا أو أكثر نبلا منك يا أختي العزيزة. هيا اقتلينني. لا يهمني من يقتلني".

مارلين لا تزال تدور في دوائر، تقترب بسبب سحب خيط السنارة. أخيرا تصل مارلين إلى جانب القارب، لكي يرشق سانتياجو حربته في جسدها. لقد ناضلت السمكة لكي تظل حية. مع قرب موتها، ارتفعت عاليا من الماء وظهر طولها الكبير وكل قوتها وجمالها. ثم اصطدمت بالبحر مما أمطر سانتياجو بوابل من رذاذ البحر.

بلمحة من عينيه، رأى سانتياجو السمكة ملقاة على ظهرها، والدم القرمزي ينتشر في الماء اللازوردي. يقول سانتياجو وهو يرى جائزته أمامه: "أنا رجل عجوز متعب، قتلت أختي السمكة البريئة، والآن يجب أن أقوم بعملي."

بعد صيد مارلين، ربط سانتياجو جسدها بالطول جنبا إلى جنب مع القارب. ثم بدأ يسحب خيط السنارة عبر خياشيم مارلين ومن فمها، وأبقى رأسها بالقرب من مقدمة المركب.

"أريد أن أراها، وألمسها وأشعر بها. فهي كل ثروتي. ظل سانتياجو يحدث نفسه. بعد تأمين مارلين وربطها بالقارب، وجهه لكي تقوم الرياح التجارية بدفعه نحو الجنوب الغربي.

بعد ساعة تقريبا من صيد مارلين وإسالة دمائها في الماء، ظهرت سمكة قرش جائعة من نوع ماكو. لقد تتبعت أثر الدماء التي خلفتها مارلين وراءها. وبينما سمكة القرش تقترب، أخذ سانتياجو يعد حربته، على أمل قتل القرش قبل أن يمزق جسد مارلين.

كانت رأس القرش وظهره يخرجان من الماء. وبينما هو يمزق جلد ولحم السمكة الكبيرة، رشق سانتياجو حربته في رأسه. أسماك القرش تغرق ببطء في مياه المحيط العميقة.

بعد ساعتين، يصل قرشان من نوع مختلف رأسه مثل المجرفة. بعد أن خسر سانتياجو حربته وهو يطارد سمكة القرش الأولى، ربط سكينه إلى نهاية المجذاف، وأخذ يستخدم هذا السلاح البدائي في إبعاد الأسماك المتوحشة عن صيده الثمين.

نجح بسهولة في قتل إحدى السمكتين، لكن السمكة الأخرى كانت في هذه الأثناء تمزق جسد مارلين من تحت القارب. وبعد جهد مضني، يقتل سانتياجو سمكة القرش الأخرى.

ثم يعتذر سانتياجو لمارلين عن التشويه الذي أصاب جسدها. ويعترف: "ما كان ينبغي أن أذهب في المحيط إلى هذا العمق، أيتها السمكة. هذا لم يكن في مصلحتك أو مصلحتي. أنا آسف حقا."

هنا يجلس سانتياجو متعبا فاقدا الأمل. منتظرا الهجوم القادم من سمكة قرش أخرى من نوع أنف المجرفة. ينجح الرجل العجوز أيضا في قتل سمكة القرش، لكنه يكسر سكينه المثبت بنهاية المجداف أثناء ذلك.

تظهر المزيد من أسماك القرش عند غروب الشمس. ولم يعد مع سنتياغو أسلحة يستطيع بها الزود عن حماه، وإبعادها عن قاربه. إنه لا يريد أن يقتل أسماك القرش، بل يريد إصابتها بأضرار كافية حتى تبتعد عنه.

ينتظر سانتياجو حلول الظلام، حتى يكون قادرا على رؤية أضواء هافانا من بعيد وهي تقوده إلى اليابسة. يتأسف لعدم قطع سيف مارلين المثبت في رأسها واستخدامه كسلاح، عندما كانت معه السكين، ويعتذر مرة أخرى للسمكة. في حوالي الساعة العاشرة مساء، يرى ضوء هافانا ويتوجه نحوها.

أثناء الليل، تعود أسماك القرش. ظل سانتياجو يقاتل حتى منتصف الليل، هذه المرة كان يعرف أن المعركة عديمة الفائدة. لقد جاؤوا كمجموعة ولم يتمكن إلا من رؤية زعانفهم وهي تخط في الماء، متجهين لكي ينقضوا على سمكة المارلين.

أخذ سانتياجو يضرب بالعصا وبأي شيء يقع في يده يائسا أسماك القرش دون فائدة. إلى أن جاءت آخر سمكة قرش، لكنها لم تجد شيئا هناك يصلح للأكل.

الآن يبحر سانتياجو بخفة، لم تعد لديه أفكار ولا مشاعر من أي نوع. هو الآن يركز على توجيه القارب للعودة إلى المنزل بعد غياب ثلاثة أيام، ويتجاهل أسماك القرش التي جاءت لقضم عظام مارلين.

عندما يصل إلى الميناء، كان الجميع نائمين. سانتياجو يخرج من القارب، حاملا الصاري مرة أخرى إلى كوخه. لكنه يسقط على الأرض وفوقه الصاري.

لقد حاول النهوض لكنه لم يستطع. جلس هناك والصاري على كتفه وأخذ ينظر إلى الطريق. حاول النهوض عدة مرات، وكان مضطرا إلى الجلوس خمس مرات قبل أن يصل إلى منزله. عند وصوله إلى كوخه، انهار سانتياجو على سريره ونام.

يصل الصبي مانولين إلى الكوخ فيجد سانتياجو لا يزال نائما. الصبي يتركه بسرعة لكي يحصل على بعض القهوة له، ويبكي على حاله وهو في طريقه إلى الشرفة.

يرى الصبي مانولين الصيادين وقد تجمعوا حول القارب، يقيسون طول مارلين الذي بلغ 18 قدما. عندما يعود مانولين إلى الكوخ، يجد سانتياجو مستيقظا. يتحدث الاثنان لفترة من الوقت، ويقول مانولين: "الآن سنصطاد معا مرة أخرى".

أجابه سانتياجو: "لا. لم أعد محظوظا بعد الآن". يعترض مانولين ويقول: "وليذهب الحظ إلى الجحيم. سأحضر معي الحظ". سانتياجو يرضخ ويترك مانولين يعد الطعام ويحضر له قميصا نظيفا.

بعد ظهر ذلك اليوم، يأتي سياح إلى الشرفة. سائحة ترى الهيكل العظمي لمارلين يحركه المد والجزر. لا تعرف أي نوع من الأسماك هذه، فتسأل عنه. فتأتي الإجابة بلغة إنجليزية ركيكة من صبي "إنه القرش". معتقدا أنها تريد أن تعرف ماذا حدث.

تعلق السائحة بقولها: "لم أكن أعرف أن أسماك القرش لديها ذيول جميلة". في الوقت نفسه، في كوخ سانتياجو، كان الرجل العجوز "لا يزال نائما على وجهه، وكان الصبي يجلس بجانبه يراقبه. كان الرجل العجوز يحلم بالأسود"

ملاحظات على الرواية:

سانتياجو بطل الرواية، صياد عجوز من كوبا، لم يصطاد أي شيء لمدة 84 يوما. في اليوم الخامس والثمانين، يصطاد سمكة كبيرة من شأنها أن تنقذ سمعته المهنية.

يكابد سانتياجو صراعا مريرا مع سمكة كبيرة على غير العادة من نوع مارلين التي لها حربة أو سيف كبير مثبت في رأسها.

لكنه يفقدها بسبب هجوم أسماك القرش الجائعة على جسدها أثناء عودته إلى بيته. بالرغم من خسارته لصيده الثمين الذي يمثل كل شيء له، ينهي سانتياجو الرواية بروح لا تعرف الهزيمة. سانتياجو يمثل همنغواي نفسه.

بحث سانتياجو عن صيد ثمين في شيخوخته، يعادل بحث هيمنجواي عن عمل عظيم يختم به حياته. في مواجهة المأساة الإنسانية وحقيقة الموت، كل عمل مخلص يقوم به الإنسان، هو عمل بطولي بدون شك.


بالرغم من أن الأسماك لا تتكلم، وليس لدينا إمكانية الوصول إلى أفكارها، سمكة المارلين هي بالتأكيد شخصية هامة في الرواية. سمكة المارلين هي السمكة التي ظل سانتياجو يتتبعها لمدة ثلاثة أيام، محاولا صيدها وسحبها إلى الشاطئ.

لكن السمكة هي أكبر وأكثر حيوية من أي سمكة قد شاهدها من قبل. لذلك، هي تمثل العظمة والكبرياء وهما سمتان من سمات النبلاء. لذا، عليه أن يكون هو الآخر نبيلا وعظيما، حتى يكون جديرا بهذا الصيد العظيم. العمل الأدبي العظيم، يجعل صاحبه عظيما.

سمكة المارلين الكبيرة، تمثل الأمل والجائزة الكبرى التي نحلم بها جميعا. هي الحب الكبير الذي يمكن أن نفقده، والشهادة العالية التي نفشل في الحصول عليها، والدولة الكبيرة التي يمزقها الفساد مثل تمزيق أسماك القرش لسمكة المارلين.

هي الشقة أو الأرض التي يغتصبها النصابون، والوطن الذي يسلب ويضيع على مرأى ومسمع العالم كله. كل منا له سمكة مارلين كبيرة يحلم بالحصول عليها، اختطفتها منه أسماك القرش المتوحشة في صورة أو في أخرى.

البحر هو شخصية مركزية في الرواية. معظم القصة تجري على قارب صغير يطفو على سطح البحر. يتعرف سانتياجو باستمرار على طيوره وسمائه وأسماكه وباقي مخلوقاته، هم سكانه وإخوته. حتى عيناه ملونتان بزرقة البحر وقوته. البحر هو اللاوعي الذي يستمد منه الكاتب أو الفنان أفكاره الإبداعية؟

نعم، هي قصة بسيطة على السطح، لكنها حكاية تحمل رسالة أعمق بكثير، تتجاوز الزمان والمكان. إنها تتحدث عن الحقائق العالمية لوجود الإنسان داخل هذا العالم. حيث يلعب الفخر والاحترام والمثابرة والأحلام، أدوارا هامة في حياة الإنسان أثناء نضاله وسعيه في مواصلة الحياة.

سانتياجو ليس لديه سوى كوخ مكسور وقارب متهالك مع شراع مرقع بقطع من أجولة الدقيق القديمة. عندما يفرده، يشبه راية هزيمة دائمة. تجاعيد وجهه الغائرة وجسمه الهزيل ينم عن مدى بؤسه. بسبب سوء حظه الرهيب، هو أيضا منبوذ في قريته الصغيرة.

كل شيء حول سانتياجو قديم بال، إلا أن عينيه لا تزالان بنفس لون البحر، مبهجتان وغير مهزومتين. بدلا من اليأس والاستسلام وسوء الحظ الذي لازمه مدة 84 يوما، أصر أن يبحر بمفرده إلى عمق الخليج ويذهب إلى مسافة أبعد مما كان قد قطعها من قبل. إصرار على البقاء ونضال من أجل الحياة.

فالرجل يجب أن يستمر في فعل ما يجب فعله، بأفضل ما لديه من قدرات، بغض النظر عن المحن التي تحل به. قد تقف التحديات والنكسات عقبة في طريق الرجل، لكن روحه يجب أن تبقى وثابة دون هزيمة. أو كما بينها همنغواي: "الرجل يمكن تدميره، لكنه لا يجب أن يهزم أبدا".



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World