نهاية المطاف.. قصة قصيرة

حسن الشامي
helshamy99@gmail.com

2021 / 5 / 14

كان الجميع يتحدثون عن حبه لها، وعن حبها له..بعدما شاع وذاع ولم يعد يخفى على أحد.. وأصبحت تتناوله الألسن بالإعجاب والإطراء تارة، وبالسخط والتعليق السخيف تارة أخرى.. كل ذلك على مرأى ومسمع منه ومنها.. ولكنهما لم يأبها بشئ من ذلك.. ولم يحركا ساكنا قل أم كبر..
............

وتمضي بهما الأيام ـ وما أسرع ما تمضي الأيام ـ والحب بينهما يكبر مع مرور الأيام.. وخيوط الحب تتوثق بينهما لتكون نسيجا متكاملا حتى أصبح متينا قويا..
............

وتعود بي الذاكرة إلى الوراء كثيرا.. حيث كانت "منال" الحبيبة ما تزال في صباها.. كانت تبلغ آنذاك الرابعة عشر أو أكثر قليلا من عمرها الغض.. جسدها يفور أنوثة.. صدرها الناهد العالي.. ووجهها الدقيق ذو الأنف الصغيرة الدقيقة.. وشفتاها الرقيقتان.. وخداها الورديان.. وأسنانها الصغيرة البيضاء الناصعة البياض.. وشعرها الأسود الفاحم.. أما قوامها.. فما أروعه!!
ليس هذا كل شئ.. بل إن هناك شيئا مهما هو مع أنها ذات أربعة عشر ربيعا من عمرها إلا أنها كانت أنضج من ذلك كثيرا وأكبر من عمرها سنوات...
............

ولقد كانت "منال" وأسرة أختها ـ المكونة من زوجها وأولادها ـ قد قدموا من حي أشتهر أهله بالفجور والسفور وقلة الأدب والحياء.. هكذا كنا نسمع عن هذا الحي..
وكانت والدتي تحذرني تحذيرا شديدا من أهل هذا الحي.. لما اشتهروا به.. وعرف عنهم.. وكنت منقادا لرأي أمي، فكنت أتعصب للحقد على هؤلاء القوم، وأصب جام غضبي عليهم وكأنهم ليسوا خلقا من عباد الله.. أو كأنهم زنوج أمريكا المضطهدين.. ولكن هناك فارق أساسي وهو أن الزنوج يعاملون بوحشية علنية سواء كانت مادية أو عينية.. أما أنا فأعامل هؤلاء القوم في خفاء ومعنويا فقطّ !!
............

وكانت "منال" كثيرا ما ترتدي بنطلون زوج أختها القديم.. كانت ترتدي البنطلون عندما تقوم بالغسيل مع أختها.. وعندما تخرج من المنزل لترش الماء في الشارع.. كنت أراها ـ كما يراها غيري كثيرون ـ وقد بدت وكأنها شيئا جديدا.. فلقد كان ارتداء البنطلون في حينا جديدا وغير مألوف على عاداتنا التي رسخت في الأذهان من زمن بعيد !!
............

ويثور القوم ـ ولكن في خفاء ومواربة ـ ويبدأ الشبان في التفكه والتنكيت عليها حتى تضيق بهم الصدور.. ولكنها لا تأبه بشئ.. بل تصمد وتصمد حتى استطاعت أن تكبح بعضهم وترد كيد الآخرين..
ولكن هناك من كان لا يمل من التفكه عليها وإلقاء النكات اللاذعة.. ولكنها كانت تصمد كعادتها.. ثم لا يمل هو من التفكه ولا تمل هي من الصمود.. وشيئا فشيئا يتحدث معها وتتحدث معه.. لقد كان هذا الشخص هو حسام صديقي.. الذي أعرفه معرفة تامة وهو يكبرني عاما تقريبا..
............

وتتحدث "منال" مع "حسام".. ويتحدث معها أمام الناس وفي سفور.. والناس تنظر وتتعجب.. ويبدأ الرجال في النظر إليهما في شغف وحقد وضغينة.. وتبدأ النساء في النظر إليهما في غيرة وحقد كذلك.. ولكنهن تخفين ذلك بالضحك وبعض الكلمات التي تعبر عن صدور مكظومة قلوب حاقدة..
وكثيرا ما كانت "منال" تتحدث مع الجميع.. سواء من كان يبدأ في التشهير بها أو الإطراء على حسنها.. وتبدأ في الرد عليهم.. إما لتسكتهم أو لتزيد في قلوبهم ما يكتمونه سواء أكان ذلك حقدا أو وجدا.. وكان الجميع يملون منها ويتركونها إلا "حسام" لا يتركها ولا يمل منها.. بل يزداد شغفا وحيا وعطفا..
أما أنا فقد كان موقفي مغايرا للجميع لأن قول والدتي ـ التي أعتبرها لا تنطق إلا الحق ـ دائما كان قولها يصدني عنها ويبعدني عن فعل شئ مما يفعله معها الآخرون..
............

ورغم أنها كثيرا ما كانت تحضر إلى منزلنا لقضاء بعض حوائجها فكانت تحضر إلينا وهي ترتدي بنطلونا.. فأنظر في تلذذ ولكن في خوف.. وأنظر في عجب ولكن في حقد على أهل هذه الفتاة لأنها من حي يعرف عنه الفجور والسفور.. وكانت نظريتي التي أعتمد عليها دائما هي : ما فائدة الجمال مادام هناك فجور وسفور وقلة أدب وعدم حياء ؟! فليذهب إلى الجحيم إن وجدت هذه الصفات.. وفعلا لقد ذهب هذا الجمال ـ في نظري على الأقل ـ إلى الجحيم ومعه.. وبسببه أيضا..
............

وأحيانا تحضر وهي ترتدي قميصا داخليا يظهر أكثر مما يخفي.. يظهر الصدر عاريا والأيدي حتى الأكتاف عارية والسيقان حتى الركبة ظاهرة.. ثم ما بين هذا وذاك يتركه نهبا للعيون.. وأحيانا أكون بمفردي عندما تحضر ولكنني ـ في خوف وتلذذ ـ أنظر فأطيل النظر.. وأمعن إمعانا شديدا.. ثم أعطيها ما تريد ثم تذهب هي وربما في قلبها شئ ولكنها تخاف أن تفصح به.. وأنا في عقلي أشياء أتردد في الإفصاح عنها...
............

وتمر الأيام.. ويشهد حينا مشاجرات كثيرا ما تنشب مع أسرة "منال" وأهل الحي.. ويظهر معدن أسرتها.. إنهم يجيدون الشجار كأحسن ما يكون.. وليس هذا علينا بعجيب أو مستغرب.. لأننا قد عهدنا ذلك كثيرا من أهل هذا الحي الذي جاءت منه "منال" وأسرتها..
.............

وتدور الأيام دورتها.. وتكبر "منال".. وتنضج أنوثتها حتى تبلغ الذروة وهي بعد لم تتعدى السابعة عشرة إلا قليلا وتصبح وكأنها ابنة العشرين أو تزيد..
وكانت عندما تحضر إلى منزلنا.. كثيرا ما تحدث والدتي بقولها :
ـ يا حماتي...
وكثيرا ما كانت ترد عليها أمي وهي تنظر إلي في إمعان وتفحص :
ـ وياريت يا بنتي.. وهل أجد أحلى منك لأبني حمدي ؟؟
وكان يحمر وجهي خجلا.. و"منال" تضحك وتضحك ولا يسعها إلا الضحك.. وكثيرا ما تأتي ومعها ابنة أختها الصغيرة التي لا يتجاوز عمرها شهورا وتقول لي أمام أمي :
ـ أنظر يا حمدي.. كم هي جميلة... أليست تشبهني ؟؟ ما أنا خالتها..
فأقول وأنا أنظر إلى أمي :
ـ الله أعلم...
وكثيرا ما كنت أقول لها ذلك عندما يحرجني سؤال منها وأود الإفلات منه بسهولة.. أو عندما أعلم أن ردي على سؤالها ربما يغضب أحدا فأتخلص منه بذلك..
فتسارع أمي لإنقاذي والرد بدلا مني :
ـ طبعا.. ما هي البنت لخالتها..
فتضحك "منال" في تلذذ ظاهر.. وتقول :
ـ بارك الله فيك يا حماتي..
فتسرع أمي بالرد :
ـ ياريت يا منال يا أبنتي.. نفسي أجد لأبني زوجة مثلك.. شاطرة وقمر..
تقول أمي ذلك وأنا أعلم أنها ـ في قرار نفسها ـ تخشى "منال" وأهلها لما عرف عنهم بين أهل الحي..
............

وربما لم تجد "منال" عندي ما يشبع رغباتها أو يقنعها فالتمست ذلك عند الآخرين.. والآخرون لم يكونوا يحبونها بصدق وإخلاص غير صديقي "حسام".. الذي تلقفها من يداي في أحضانه.. وبدأ معها دورا مغايرا تماما لما كنت أسلكه معها.. بدأ معها دورا لم أكن أتوقع أن يأتي منه ولم أكن أنتظر أن يحدث أبدا..
في البداية.. لم يكن مألوفا أن ترى "حسام" و"منال" يتحدثان معا أو يمشيان سويا.. ومن النادر ـ بالنسبة لبيئتي ـ أن تجد فتى يمشي مع فتاة من غير أهله.. ولكن بعد قليل أصبح من العسير ومن النادر ألا تراهما معا..
وكثيرا ما رأيتهما بعيني يمشيان جنبا إلى جنب خارج الحي.. وتناجى الناس.. وكثر الحديث واللغط عن علاقة "منال" و"حسام".. وهل هي علاقة حب وزواج ؟!! وكيف أصبح ذلك حقيقة ؟!! وكيف أضحى ـ بين عشية وضحاها ـ أمرا واقعا.. وليس في ذلك جدال أو نقاش!!
............

وربما لم تجد "منال" عندي ما يشبع رغباتها أو يقنعها فالتمست ذلك عند الآخرين.. والآخرون لم يكونوا يحبونها بصدق وإخلاص غير صديقي "حسام".. الذي تلقفها من يداي في أحضانه.. وبدأ معها دورا مغايرا تماما لما كنت أسلكه معها.. بدأ معها دورا لم أكن أتوقع أن يأتي منه ولم أكن أنتظر أن يحدث أبدا..
............

في البداية.. لم يكن مألوفا أن ترى "حسام" و"منال" يتحدثان معا أو يمشيان سويا.. ومن النادرـ بالنسبة لبيئتيـ أن تجد فتى يمشي مع فتاة من غير أهله.. ولكن بعد قليل أصبح من العسير ومن النادر ألا تراهما معا..
وكثيرا ما رأيتهما بعيني رأسي يمشيان جنبا إلى جنب خارج الحي.. وتناجى الناس.. وكثر الحديث واللغط عن علاقة "منال" و"حسام".. وهل هي علاقة حب وزواج ؟!! وكيف أصبح ذلك حقيقة ؟!! وكيف أضحىـ بين عشية وضحاهاـ أمرا واقعا.. وليس في ذلك جدال أو نقاش!!
............

وجاء إلى الحديث يقول: إن "منال" و"حسام" يتقابلان في مكان منعزل مهجور حسب اتفاقات ومواعيد بينهما.. فأتلقف الحديث وأبدأ في سماعه حرفا حرفا دون مقاطعة.. ثم جاءني الحديث أنهما يتبادلان القبلات في مجلسهما.. ولم يكن غريبا علي.. لأنني لا أتصور غير ذلك بين فتى وفتاة يلتقيان معا في مكان منعزل !!
وتخيلتهماـ "منال" و"حسام"ـ وهما في أحد لقاءاتهما المتعددة.. "حسام" يجلس قبالتها ويقول لها في صدق عاطفة :
ـ يا منال.. أنا أحبك.. ولا أستطيع البعد عنك ولا التخلي.. لأنك حياتي ووجودي.. وكل ما أملك في هذه الدنيا.. إنك كل شئ.. كل شئ !!!
وتنظر "منال" في عينيه بتمعن لتعرف ما يجول خلالهما.. وهل هو صادق أم كاذب ؟؟ وكأنها ذات خبرة لا تحس في عينيه غير الصدق والإخلاص.. فلا تشأ إلا أن تقول له :
ـ يا حبيبي يا حسام..
ثم تنكفئ على صدره بكل قوتها فيضمها إلى صدره في حنان وعطف شديد ويغرقان في قبلة حالمة.. بعيدا عن الأنظار !!!
............

وهكذا شاع الحب بينهما.. وعرف الناس به.. حتى أخت "منال" وزوج أختها.. ولكن ماذا يفعلان ؟؟.. لم تشأ أختها أن تقول لها شيئا.. فوالدهما توفى منذ زمن.. وكذلك والدتها.. أما أخواتها البنات فهن جميعا متزوجات.. ما عدا واحدة تمت خطبتها وتعيش مع إحدى أخواتها المتزوجات.. وكثيرا ما يحدث بينها وبين خطيبها خلافات تمتد فتشمل العائلتين.. وتدور المشاحنات بين العائلتين في الحي كله..
............

وتمضي الأيام.. ويعلم الجميع أن "منال" خطبت لشاب من حي عائلتها المشهورين بالسفور والفجور والفتوة الكاذبة.. التي لم يهد لها في عصرنا أهمية..
ويقابل الجميع خبر خطبة "منال" بارتياح معللين ذلك أن العريس الجديد سوف يستر عرضها فكل عائلة لديها بنات ترجو لهن الستر..
............

وعلم الجميع بخطوبة "منال" إلا شخصا واحدا فقط لا يصدق أنها خطبت لولا أنه سمع ذلك من "منال" نفسها.. وهذا الشخص هو "حسام" الحبيب المتيم غراما وعشقا وشوقا..
وفي هذا اللقاء الذي تخيلته والذي يجب أن يحدث ـ منطقيا ـ بعد خطبتها.. ومع أنني لم أتلق أية أخبار إلا أنني قدرته تقديرا..
ذهبت "منال" لمقابلة "حسام" في نفس المكان المعهود.. وبعد السلام بينهما جلسا متجاورين.. وبدأ "حسام" حديثه المعسول الذي يبدأ به مع كل الناس مهما اختلفوا في مراتبهم ومظاهرهم حتى حبب إليه القلوب.. قال لها : ما هذا البدر ؟.. يا للجمال !! إنك رائعة مثل البدر.. بل البدر نفسه في ليلة الأربعة عشر !! سبحان الله.. ما أجملك !!
فلا يسع "منال" إلا أن تنظر في عينيه.. فيصدها الصدق والإخلاص فيهما.. فترتمي في أحضانه ويعانقها ويلامس شعرها بخده.. ويمرر يده بحنان على شعرها وعلى وجهها.. وعلى مناطق أخرى..
ثم اعتدلت "منال" في جلستها وقالت له إنها خطبت لأبن خالتها تحت ضغط أهلها.. ولكن ستظل معه كما هي بل أكثر من ذلك..
وفرح "حسام" وتألق وجهه.. ولكن أثارته عبارة "بل أكثر من ذلك".. فأنبها وعنفها.. وقال لها :
ـ الحب الذي يربط بيننا كما هو ليس أكثر.. لا أريد إلا حبك لي ومقابلتك.. ليس أكثر.. لا أريد أكثر من ذلك..
وحاولت الاعتذار.. وأكدت له أن الحب بينهما كما هو ولن يتغير.. وانصرفا كأسوأ ما يكون الانصراف بين حبيبين.
............

وكانت "منال" على قدر يسير من التعليم الذي وصلت فيه حتى الصف السادس الابتدائي ثم لم تكمل بعد ذلك، وتعللت أختها ـ التي قصت علينا ذلك ـ بعدة أسباب لا أتذكر منها سوى وفاة أحد والديها..
وبمعاونة إحدى صديقاتها أحضرت "منال" ورقة وقلما.. وبدأت في كتابة رسالة إلى "حسام".. وكانت كل ما تحمله الرسالة هو الاعتذار عما بدر منها ولكن في عبارات تحمل معها الإشفاق والعطف.. وربما كان ذلك هو الدافع لحب حسام لمنال.. الجميلة.. الأمية..
ويصل الخطاب ليد "حسام".. وكانت خطاباتها تسلم يدا بيد.. ويقرأها ويعرف ما تريد أن تفصح عنه كلماتها القليلة البسيطة.. التي لا تخلو من أخطاء.. ولكن كان هناك شئ أقوى من ذلك.. إنه الحب.. الذي يجعل أخطاء المحبين وكأنها لم تحدث.. الجب الذي يجعلك تحس أن حبيبك أكبر من الخطأ.. وأنه ـ دائما ـ على صواب.. لأن الأخطاء لا تقاس بالمقاييس العادية للبشر بل تقاس بمقاييس أخرى ليس فيها معنى من معاني الخطأ ولا الغش ولا الخديعة..
............

وتستمر الخطابات مدة ثم تعود الحياة بينهما إلى سيرتها الأولى.. وأقول الحياة بينهما وليست العلاقة بينهما.. لأن الحياة هي وصف دقيق لما كان يحدث بينهما.. فإنها لم تكن علاقة فحسب بل حياة متكاملة..
............

وإذا عدنا.. لماذا لم تنشأ علاقة بيني وبين "منال" مع إمكان حدوثها فإن ذلك يرجع ـ في نظري ـ لعدة أسباب ـ منها : ما كانت تقوله والدتي عن أهل "منال" وتأكد بعد ذلك.
ـ ومنها : ما كانت تفرضه البيئة المحيطة بي، مع أن البعض قد تمرد على هذه البيئة وتقاليدها.. وبدأ يتحرر من القيود.. ومنهم "حسام"..
ـ ومنها : عادة الانطوائية التي كانت تغلب على طابعي أثناء قصة الحب هذه.
ـ ومنها أيضا : عدم تشجيعي لسلوك "منال" الذي كانت تسلكه في الحياة ومحادثة الجميع دون ما حساب
للأخلاق أو التقاليد..
............

ولقد أحس "حسام" ما عندي من انطواء وعدم انفتاح على العالم في سفور.. فأحس أنني لا أعرف شيئا عن الحب ولا أعرف ما هو ؟ ولا حتى أحس به لأنني أظهر دائما أنني منطوي.. ولا أظهر ما يظهره الآخرون من عبث ومعاكسة للفتيات وكأن الحب هو لهو وعبث بأعراض الناس.. ولكن هذا اللهو كان هو بداية الحب بين "حسام" و"منال".. ويبدو أن العبث قد أثمر وتحول إلى حقيقة بعد لقاءاته مع "منال".
وفي لحظة مصارحة أو مكاشفة.. أراد "حسام" أن يعرف ماذا ينطوي عليه داخلي ؟.. وكيف أفكر ؟.. فأخذ يستدرجني ويحدثني في أمور شتى.. ثم سألني :
ـ هل تؤمن بالحب ؟!!
فأجبته : ـ الحب أنواع.. وأنا أؤمن به أشد الإيمان.. ولكن هناك نوع هو الهيام والغرام ولي عليه تحفظ..
فرد علي :
ـ نعم.. أنا أقصد بالحب.. الهيام والغرام..
فأجبت عليه بهدوء:
ـ أؤمن به في حدود العادات والتقاليد المحيطة..
فقال وقد لمعت عيناه :
ـ أنت الآن بين جيلين.. جيل يعتبر الحب جريمة وجيل يعتبره ضرورة.. فما رأيك ؟!!
ـ أؤمن به أشد الأيمان.. وبالنسبة لي لأنني في مرحلة انتقالية.. فإنني مع جيلي على الخط المستقيم.. وأنا أحب أيضا ولكن ليس من هذا الحي ولا من الجيران..
فقال وكأنه أكتشف شيئا خطيرا :
ـ جميل جدا.. يا حمدي..
وكانت هذه هي الحقيقة.. فقد كنت أحب فتاة في مثل عمري ودراستي وثقافتي.. ولكن كان حبا ساميا بريئا..
ثم أخذنا نتحدث في قصة "مدينتين" للكاتب الإنجليزي تشارلز ديكنز.. وكيف أنها رواية رائعة.. وكيف يظهر فيها الحب طاهرا عفيفا.. والتضحية في أسمى معانيها.. والمعاناة التي عاشها الشعب الفرنسي أيام الثورة التي حطمت كل ما كان يعترضها.. وحق أن تسمى على مدى التاريخ كله "الثورة الحمراء".. بسبب كثرة ضحاياها وبسبب ما أسيلت فيها من دماء..
وتمضي الأيام.. ويجئ موعد زواج "منال".. ويعقد قرانها في منزل أحد سكان الحي لأن منزل أختها التي تسكن معها لا يتسع للعرس..
وتزف "منال" إلى عريسها.. وفي هذا اليوم لكم أن تتصوروا ما حدث لحبيب القلب "حسام" من غم وهم وكمد..
وتناقلت عنه الروايات التي تقول أنه ظل يبكي بكاء حارا في هذه الليلة.. وأنه من هذه الليلة أيضا.. بدأ يسجل ذكريات حبه لمنال وكيف كانا يقضيان وقتهما معا.. وجاءت الروايات تؤكد أنه مازال وسيظل يحبها رغم كل شئ.
............

وتغيب "منال" في منزل الزوجية.. ويتصل "حسام" بجميع الفتيات التي يعرفنها حتى عرف عنوانها.. وبدأ يذهب إليها هناك.. بعد أن كانت تصل إليه الخطابات والأخبار عن طريقهن..
وأكثر من ذلك.. بدأ "حسام" يتواعد معها مرة أخرى كسابق عهدهما معا.. وبدأ يذهب معها إلى الحدائق والسينما كما كان يذهبان قبل زواجها.. وطبعا كل ذلك خفية عن أهلها وأهل زوجها..
وتمر الأيام.. وتجئ "منال" لتزور أختها التي تسكن في حينا.. وتتقابل ـ بالطيع ـ مع "حسام" في نفس المكان المهجور.. ويتحادثان كما كانا بل ـ ربما ـ أكثر مما قبل..
وبذلك تطورت العلاقة بينهما بعد الزواج.. من مجرد وصول الأخبار عن طريق الخطابات.. إلى سعيه الدائب لمعرفة منزلها.. إلى ذهابه هناك.. إلى مجيئها هنا.. وهكذا ـ كما يقولون ـ فإن الحب يتغلب على كل الصعوبات مهما كانت هذه الصعوبات !!!
............

وانقطعت الزيارات التي كانت تقوم بها "منال" من حين لآخر.. ثم اتصلت مرة أخرى ثم انقطعت.. وهكذا تتصل مدة وتنقطع مددا.. حتى انقطعت تماما بعد مرور عامين على زواجها !!
وجاءت الأخبار تقول إن "منال" قد انتحرت ولقد وجدوا جثتها بجوار كوبري الزمالك.. ورواية أخرى تقول بل وجدوا الجثة بجوار كوبري أبو العلا.. ولكن اتفقوا أنها انتحرت في النيل..
وحينما سؤل عن الأسباب ؟!!
جاءت الإجابات متضاربة ومختلفة أشد الاختلاف تظهر رأي كل واحد منهم ونظرته للأمور..
فمنهم من قال : انتحرت لأن زوجها اكتشف حيها لحسام.. ومنهم من قال : إنها كانت على خلاف دائم مع زوجها.. ومنهم.. ومنهم..
وهكذا.. اختفت "منال".. وصدق الجميع ذلك.. ولكن هناك شخص واحد لم يصدق ذلك هو "حسام".. الذي بذل مساعيه ليعرف أين الحقيقة ؟.. ولكنه لم يهتد لشيء.. ولم يستطع التوصل إلى الحقيقة بعدما رحلت أخت "منال" وزوجها من الحي إلى مكان أخر لا يعلمه أحد..
............

وبعد عدة أسابيع.. شاع في الحي خبر اختفاء "حسام".. ولكنه عاد بعد مدة وظهر.. ثم اختفى مرة أخرى ووجدوا جثته وقد مزقتها عجلات الترام في حي بولاق أبو العلا في المنطقة بين كوبري الزمالك وكوبري أبو العلا..
وذهبت الأقاويل مذاهب عدة.. ولكنهم اجتمعوا على رأي واحد هو أن "حسام" كان يبحث عن "منال" في هذه المنطقة على أمل العثور عليها..
............

ولقد حزنت جدا على "حسام" لأنه كان صديقا عزيزا ومقربا لقلبي جدا.. ولكني لم أكن أعرف أن الحب سيفعل به ذلك في نهاية المطاف..
............



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World