زيارة منتصف الليل.. قصة قصيرة

حسن الشامي
helshamy99@gmail.com

2021 / 5 / 13

ذات ليلة.. وقد نال مني التعب والإرهاق.. حيث كنت عائدا من عمل شاق..
وبعد أن أديت صلاة العشاء.. جلست على فراشي أطالع صحف الصباح التي لم أتمكن من قراءتها..
أخذني نوم عميق.. رغم عدم اعتيادي على النوم في مثل هذا الوقت..
وعندما استيقظت.. توقعت أن يكون جاء الصباح..
وعندما نظرت إلى ساعتي فوجدتها تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل..
شعرت بالعطش فنهضت من فراشي وتناولت كوبا من الماء وشربت..
............

وبمجرد عودتي إلى الفراش.. سمعت صوت ارتطام بعض الأشياء عند اصطدامها بالأرض..
وكنت أتوقع لصا بالمنزل حيث أنني وحيد وأسكن في الدور الأرضي.. وسكني منعزل وشبه مغلق طوال النهار..
انتابني شعور بالخوف لحظة.. ولكنني استجمعت شجاعتي.. وتركت فراشي..
وتوجهت للمكان الذي صدر منه الصوت..
فماذا وجدت ؟!!
............

وجدت قطة اعتادت زيارة منزلي.. فأقوم بإطعامها.. ثم تنصرف..
فقلت لعلها جائعة وتبحث عن طعام..
فأمسكت بها وقمت بإمرار يدي على ظهرها حتى تهدأ..
وأحضرت الطعام لها.. فلم تتناول شيئا منه..
فقلت ربما هي في حاجة إلى شرب الماء.. وأحضرت لها الماء.. فلم تشرب..
وظلت شاردة.. تروح وتجئ في الحجرة دون هدف..
فتركتها لحالها متعجبا لأمرها..
ثم ذهبت إلى فراشي محاولا النوم مرة أخرى..
ولكن لم يطاوعني النوم..
فحاولت الانشغال بالقراءة.. فلم أستطع..
............

عندئذ تذكرت واقعة حدثت منذ فترة بيني وبين صديقين لي اختلفا معي.. وغضب كل منا غضبا شديدا.. مع أن الصداقة بيننا عميقة وتمتد سنوات طويلة وبيننا أمور كثيرة مشتركة.. وعلاقتنا امتدت لسنوات متينة لا تنفصم عراها..
............

فنهضت من فراشي.. وتملكتني الحيرة فيما حدث..
فقمت أذرع الحجرة جيئة وذهابا.. مثل القطة التي أمامي..
وكنت أجلس مرة وأقف مرة..
أحضرت كتابا لأقرأ فيه.. فلم استطع القراءة..
وكاد رأسي ينفجر من عدم القدرة على التفكير..
ثم تناولت كوبا من الليمون.. وأتبعته كوبا آخر..
فهدأت أعصابي قليلا..
ولكنني كنت أشعر باختناق..
وشعرت بحاجتي إلى استنشاق هواء نقي..
وفي الحال قمت بارتداء ملابسي..
وفتحت باب الحجرة.. ثم باب الشقة..
وخرجت أسير في اتجاه طريق المزارع التي تحيط بمنزلي من كل مكان..
وكانت الساعة حينئذ تقترب من الثالثة بعد منتصف الليل
............

وبعد فترة.. هدأ كل عضو في جسمي..
ثم سرت خطوة.. خطوة..
وبدأت أفكر في هدوء..
كيف أجد حلا لما حدث بيني وبينهما..
وأخذ عقلي يصول ويجول بين فكرة وأخرى حتى انتصف الطريق..
ولكن فكري مازال شاردا ووجهي إلى الأرض..
............

كان الظلام شديدا.. إلا من ضوء خافت ينبعث من القمر في أول ليلة من الشهر العربي..
وفجأة نظرت أمامي بعيدا..
وجدت شخصين يسيران في الظلام ويقتربان خطوة خطوة مثلما أسير..
وهاجت خواطري..
ريما يكونان مثلي يؤرقهما هم بالنهار.. أو قلق بالليل..
أو ربما يكونان عائدين من عملهما بعد طول عناء..
وحتى لا أجهد نفسي في التفكير.. لم أعبأ بالأمر فيكفيني ما أعاني منه..
واصلت السير في اتجاههما محاولا أن أتحاشى النظر إليهما..
وبينما أفكر ولا أدري ماذا أفعل..
كدت أسقط على الأرض من الإعياء..
ولكني تمالكت أعصابي حتى اقتربت منهما..
كنت في غاية الحيرة حتى أصبحا المسافة بيننا قصيرة تتيح لي رؤية ملامحهما..
............

ويا للهول..
وجدت ما لم أتوقعه.. ولم يخطر على بالي قط أن أتوقعه..
عندما نظرت إليهما.. ووجدتهما صديقي اللذين أرقني خلافي معهما..
يا إلهي ماذا حدث ؟!!
كيف أتصرف ؟!!
ماذا أقول ؟!!
أسئلة كثيرة تدور في خاطري تمر في لمح البصر..
لم أستطع الإجابة عليها..
ولم أتمالك مشاعري حينما وجدتهما يعانقاني وأعانقهما وأنا في ذهول دون كلمة واحدة.. ومرت الثواني بطيئة بيننا..
وحينما خطر إلى ذهني أن أسألهما ما الذي أتى بهما إلى هنا في هذا الوقت المتأخر من الليل أو المبكر من الصباح ؟!! لم أتمكن من الكلام..
ولكنهما صارحاني بما ألما بهما من هم وكمد طوال اليوم وطوال الليل بسبب الخلاف الذي حدث بيننا.. والذي أرقهما مثلما أرقني.. والذي أخرجهما مثلما أخرجني.. واتفقا معا أن يمرا علي لحل الخلاف بيننا وأن ننسى ما حدث.. فعمق العلاقة بيننا ومتانتها لا يؤثر فيها أي حدث عارض.. وطلبا مني نسيان ما حدث ولنبدأ صفحة جديدة..
وأحسست بحرج شديد.. ولم أستطع أن أتكلم كلمة واحدة..
وأنقذني من موقفي هذا.. وعدم قدرتي على الرد بعرفان الجميل مني لهما.. إلا صوت المؤذن ينساب من بعيد بآذان الفجر..
فتوجهنا ثلاثتنا نحو المسجد صامتين..
............



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World