خطبة الجمعة.. قصة قصيرة

حسن الشامي
helshamy99@gmail.com

2021 / 5 / 12

قال الشيخ لنفسه استعدادا لصلاة الجمعة الأخيرة من شهر شعبان وقبل شهر رمضان المبارك :
ـ غدا..أخر يوم جمعة في شهر شعبان.. ستكون الخطبة عن البر والإحسان.. وعن جنات عدن التي تجري من تحتها الأنهار جزاء الأبرار المحسنين الصالحين..
............

سيحاول أن تكون خطبة جيدة.. يحشد فيها كل المعاني التي تحث على البر وتدعو للإحسان.. وسيختار كل الكلمات الضخمة التي يبرع في إلقاءها بصوته الناعم وأداءه المتميز الذي يشهد له جميع المصلين وحتى خطباء المساجد بالمنطقة..
فمما لا شك فيه أنه يحسن مخارج الألفاظ.. ويجيد المد والغن والإخفاء والإدغام عند تلاوة القرآن الكريم.. وستكون هذه الخطبة أفضل خطبة يلقيها على الناس.
............

سينادي على المصلين "أيها المؤمنون.. ليشعرهم بالتقوى والإيمان"..
لا.. لا.. فلتكن "إخواني المؤمنون" ليكونوا جميعهم أكثر قربا إليه..
أجل.. أجل.. ويستحسن أن تكون "يا أتباع سيدي رسول الله عليه الصلاة والسلام"..
سوف يثني على الله كثيرا ويحمد فضله وعدله.. ويصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وعلى أل بيته الكرام.. مصابيح الأنوار ومفاتيح الأسرار..
سوف يذكر الناس بآيات الله البينات.. وأحاديث الرسول.. وروايات السلف الصالح المتفق عليها والتي تعمر بمعاني البر وتحض على الإحسان..
............

يوم الجمعة غدا.. سيشهد تحولا كبيرا في حياته..
سيحس فيه الناس أن مولانا أجاد اليوم مثلما يجيد كل جمعة بل أجاد أكثر من أي يوم..
سيجلسون بعد انقضاء الصلاة حوله.. ويقولون له : "زدنا يا مولانا من حديثك العذب"..
سيتحلقون حوله حلقات كبيرة.. تملأ المسجد عن آخره على الأقل إذا لم يكن هناك من يجلسون خارجه..
سيمتلأ صندوق التبرعات بالنقود.. سيضع كل مصل فيه ما يستطيعه رغبة في نيل الثواب من عند الله.. والله عنده حسن الثواب..
............

سوف يضع كل منهم نقوده وهو منشرح الصدر لأنه يعلم تمام العلم أن الحسنة بعشرة أمثالها.. وأن الأبرار المحسنين تنتظرهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها..
............

أول مرة ينشغل بخطبة الجمعة كل هذه المدة الطويلة.. من أول الأسبوع وحتى الآن.. وهو مشغول هكذا بإعدادها.. يقرأ كثيرا.. ويدون كثيرا.. ويحاول الحفظ حتى لا ينسى أو يتلعثم
............

ينهر زوجته إذا ما حاولت صرف انتباهه قليلا لتحدثه عن المنزل وطلباته.. ومصروفات الأولاد العديدة وطلباتهم التي لا تنتهي.. والنقود التي لم تعد تكفي..
............

"معذورة.. زوجتي لا تعلم أن طلباتها الكثيرة لن تجاب إلا إذا أفلحت في إعداد الخطبة وإلقاءها وحث الناس على أن يتبرعوا أكثر..
هذه الخطبة التي أعلق عليها أمالي في التغلب على هذه الضائقة المالية التي نعاني منها الآن..
كيف تعلم زوجتي ذلك وهي لا تهتم مثل كل النساء من أين جاءت النقود.. وكم بذلت من جهد.. ولكن الذي يهمها ويشغل بالها بالدرجة الأولى هو أين ومتى وكيف تنفق تلك النقود !!!"..
............

قضى سحابة اليوم كله في التفكير في أثر هذه الخطبة بين أقرانه من أئمة المساجد المجاورة.. سيذهلون جميعا ويتساءلون كيف استحوذ على اهتمام هذا الجمع من المصلين ؟
ومن يدري ريما جاءوا هم أيضا يستمعون ويسألون كعامة الناس !!
............

بعد صلاة العشاء..
عاد إلى منزله مشغولا بخطبة الغد..
قدمت زوجته العشاء إليه..
رفض أن يأكل ريثما يلقي نظرة أخيرة على خطبة الجمعة..
استمر انشغاله بها إلى منتصف الليل..
وعندما طلبت منه زوجته النوم.. نهرها بشدة..
كيف تطلب منه النوم وهو على تلك الحالة من الانشغال بخطبة الجمعة ؟!!
............

سوف يذكر الناس غدا بالمعاني التي كثيرا ما انشغلوا عنها بأمور الدنيا.. فالناس في هذه الأيام بعيدون عن دينهم لا يذكرونه إلا عند صلاة الجمعة..
سوف يلقي عليهم غدا خطبة يذكرونها مدى الأيام.. تعيدهم إلى دينهم الصحيح.. وتؤنبهم على ما فاتهم وتستميل فيهم جوانب الخير.. فيتبرعون بنقودهم عن طيب خاطر..
............

وعندما صعد فوق السرير..
حاول جهده ألا يوقظ زوجته النائمة..
ولكنه وجدها لا تزال يقظى..
ذكرته أن اليوم هو يوم الخميس.. وهل نسي ذلك ؟!!
فأشاح عنها بوجهه وتقلب على الجانب الآخر..
وأخبرها أنه متعب اليوم.. وفي حاجة شديدة إلى الراحة ليستعد لخطبة الجمعة !!
............



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World