تأملات مصرية.. في قضايا مصيرية .(( 2 / 3 ))

محمد حسين يونس
mohamedyounis33@gmail.com

2021 / 5 / 9

الجزء الثاني من المرحلة الثانية .. الإنكسار والإستعمار و إستبداد العسكر و الكهنة ( 525 ق.م حتي 2015 ) .
لم تنجو أمة من آفة إتحاد .. و خصام .. و تصارع .. الكهنة و العسكر علي إمتلاك حياة و عقل الناس .. و تسخيرهم .. لخدمة .. اهدافهم ..
و لم يتوقف أبدا توحش التميز الطبقي عن مسارات الأمم الذى يجعل الأغلبية عبيدا و أقنانا و منبوذين ... و يمنح الفخر و التمجيد و الأموال للجنود (المرتزقة ) و الكهنة (الأغنياء ).
الفارق .. أنه في مرحلة ما .. تكون هذه المثالب .. قوى دفع لحركة تقدم البشر ( عندما تحولهم من قطيع متصارع مدمر إلي مجتمع متماسك يبني ) .. و في ظروف أخرى .. تصبح عوائق سالبة تؤدى إلي الكمون و السكون و السقوط . .. و قد نقول الإدثار .
في بعض الأحيان يسيطر العسكر و يحاربون .. و ينتصرون أو يهزمون .. و هنا يخفت صوت الكهنة إلي مستوى الدعم و الدعاء .. و مزاولة طقوس ( السحر أو التنجيم أو طلب نصرة الأرباب ) .. ثم إدعاء أن ربهم هو الذى أحرز الإنتصار .. أو أنه ( نفس الرب ) يعاقب العسكر بالهزيمة علي كسرهم للناموس وسوء تصرفهم .
وفي احيان أخرى يتفرغ العسكر للقيام بأنشطة داخلية تتصل بترويض الناس و تثبيت نظم الحكم.. أو احباط ثورة للشعب وتمييع طلبات التغيير .. فينضم الكهنة للجانب الرجعي محافظين علي بقاء الحال علي ما هو علية و إستمرار مكاسبهم .. مدعين أن الأرباب غير راضية عن مطالب الجماهير و أن عليهم تحمل جور و استبداد .. أبناء الألهة الملهمين بالخير و الفلاح وهم أملين في ثواب أكيد يوم الدين
و في حالات ضعف القبضة العسكرية .. يتحول الكهنة إلي وحوش تستخدم الناس .. للتخلص من العسكر و تسعي للإستحواز علي الحكم ..معلنين .. أن الألهة تساند الثورة و التغيير و أن الحكام قد فسقوا بحيث أغضبوا الألهة فعاقبتهم بالإزاحة و التغيير .
الغريب أن في كل الأحوال .. يصدق العسكر .. و أغلب الشعب مقولات الكهان .. و لا يعارضونها إلا قليلا ..إما بسبب ضحالة الفكر .. أو للخوف من عقاب دنيوى للألهة.. أو بحكم اعادة الإستسلام لتفسيرات الدعاة .
هذا الوضع بحالاته الثلاث تكرر في ( كيميت ) خلال الفترة التي نتكلم عنها ( 2500 سنة ) .. عدة مرات في ظروف مختلفة .. و بواسطة عسكر و كهنة مختلفين.
العسكر ( فرس ،أغريق ،رومان ، عرب، مماليك ، إنكشارية ، إنجليز ، محليين سواء كانوا بكباشية .. أو لواءات ) قاموا بنفس الدور
و الكهنة رغم تنوعهم ( لرع) أو (أمن) أو (أتن) أو من رجال الدين المسيحي أو الإسلامي .. لم يتغيرسلوكهم .. الكل لعب نفس اللعبة ..و تاريخ الإضطهاد في مصر و فساد الحال لم يتعدل .
يبدأ عصر الإنكسار و تغييب الشعب و تدجينة قبل (الغزو الفارسي 525 ق .م) .. بقليل .. عندما طمع كهنة (أمون) في الحكم ..
بعد الإنتصارات الإمبراطورية ( الأسرة الثامنة عشر و التاسعة عشر )كانوا كهنة الرب الذى منح الإنتصارات ..
ومع الملوك والعسكر الضعاف ( الأسرة العشرين و الحادية و العشرين ).. ثم تنحيتهم بواسطة الكهان أمون و إستخدام المرتزقة من أجل قهر الشعب .. فلم يصمدوا أمام جحافل جيوش الفرس و إستقبلوا بترحاب من قاد كهنة (رع) المضادين لامونو كهنتة
أدى هذا لهدم منشئات عبادة أمون .. و عودة مدرسة هليوبليس (أون ) للحكم بجوار جنود حامية فارس
نفس الموقف تكرر بعد قرنين مع غزو الإسكندر لمصر ( 331 ق.م ) .. لقد رحب به كهنة أمون بهدف تقليص نفوذ كهنة رع .. و أوهموا القائد الغازى أنه إبنا ( لامون ) .
هل نقول أن صراعا قد قام بين مدرستين مسيحيتين مختلفتين في مصر .. أدى لإستقبال الغزاة العرب و عدم مقاومتهم للتخلص من إضطهاد الكنيسة الرومانية .
و أن بعض رجال الدين إستقبلوا جنود جوهر الصقلي .. بالترحاب و المبايعة .. من أجل سيادة الشيعة الفاطمية علي السنة العباسية .
وفعلوا العكس مع صلاح الدين للتخلص من الشيعية و إحلال السنية الشافعية مكانها .
و أن رجال الدين المسلمين صلوا شكرا لله بعد هزيمة 67 تشفيا في هزيمة عبد الناصر .. وأن اخرين من الأخوان المسلمين تحالفوا مع قطر و تركيا لمهاجمة كهان السلفية الأزهرية المتملكين حاليا .
لقد كان هذا نمطا لم يغيرة الحاكم إبن الوطن .. و لم يعدل فية المحتل..
سيطرة الجنود .. و الكهنة علي مقدرات و شعب مضطهد مهمل .. غير متعلم ..و غير شاعر بالكارثة التي يحياها ..
بكلمات أخرى .. كانت مرحلة تحكمها قوى و عوامل ..يمكن تمثيلها بمثلث متساو الأضلاع ..
في قاعدة المثلث شعب مغيب من قرون .. صامت ساكن مستسلم .. ليس له قيادة و إن ظهرت يقضي عليها .. و لا يفكر أبعد من معدته .. و أعضاؤة التناسلية .. يأس .. مل .. من جور البغاة و الطغاة فتعلم كيف يدور و يلف و يلتوى .. ليعيش في الغابة الكيميتية سلبيا آمنا مغلقا عقلة و سلوكه و عاداته .
أحد الأضلاع . تحكم عسكرى مقنن بواسطة الدستور و القوانين .. يراقب و لا يراقب .. يتصرف في البلاد كما لو كانت ملكية خاصة ورثها عن الأجداد و الأباء يكره الديموقراطية و الرأى الأخر كما لو كانت سم زعاف .. و يبدد ثروة البلاد و إمكانيتها في مشاريع دون جدوى تنموية ..
الضلع الثاني محمي أيضا بالدستور و القوانين يتصرف مع المصريين علي أساس أنهم رعية قاصرة تحتاج لولي أمر يعلمها .. كيف تأكل و تشرب و تدخل المرحاض .. و تمارس الحب أو الجنس ..
هذه الجماعة ..تضم المؤسسة الأزهرية و ما حولها من عناصر سلفية (داخلة و خارجة ) متجمدة عند قيم و أفكار منتصف الدولة العباسية .. تسيطر بها علي عقول البشر من خلال نظم تعليمية و وعظية تمتص كل الميزانية التي كان من المفترض تخصيصها للأبحاث و الدراسات و التعليم العصرى
.و مع ذلك فالكيمتيين ثاروا .. ليس بسبب التغييرات العقائدية الكبرى التي حدثت لهم ( رع لامن ،أو أمن لأتن ،أو أوزيريس لسيرابيس، أو سيرابيس للمسيحية .. أو المسيحية للإسلام ) .. فهم لم يثوروا أبدا من أجل دينهم (لانه شأن الحكام من عسكر و دعاة ).. بقدر ما كانوا ينتفضون من الظلم .. يصخبون و يدمرون .. ثم يعودون لما كانوا عليةخالي الوفاض .
كانت الإنتفاضة تأتي عادة كرد فعل لزيادة مقدار الإتاوات و الجزية و الضرائب ( علي المحصول .. و الضرع .. و الزواج و الطلاق .. و الأفراد و الجماعات .. حتي تركات الأموات .. ألخ ) ..
فلقد كان النظام الذى قرره الأجداد متوازنا لدرجة أن يبق للمزارع أو الصانع أو التاجر ما يكفية لإعادة دورة الإنتاج.. وفي نفس الوقت يضمن تحصيل ضرائب تسمح بإجراء الإصلاحات اللازمة لإستمراره ...
فإذا ما زاد حجم الجباية ( كما يحدث اليوم ) أدى هذا لجوع الناس و تذمرهم .. و إذا ما إنخفض المحصول أصبح السبب في مضاعفة الجور و عنف الجباية .. وظلم مبين .
الكميتي ينتفض عند إختلال الإتزان الإقتصادى .. إنتفض ضد ملوكه ..وضد الفرس .. و الرومان .. و العرب والعباسيين .. و عشرات المرات ضد المماليك .. و الأتراك و الفرنسيين .. و الإنجليز .. والسادات .. و مبارك .. و في كل مرة كان السبب هو الجور و إفتقاد عدالة الجباية .. و فظاعة طرق التحصيل ..
و في كل مرة لم يتغير الموقف إلا في حالتي إستثناء للقاعدة ..في تاريخ كيميت
الاولي مع إنتفاضة عائلة (أحمس ) من طيبة و طرد الهكسوس( الساميين ) من شرق الدلتا .. في نهاية الأسرة السابعة عشر .. والأخرى مع أبسماتيك الأول 610 ق.م ضد الأشوريون في الدلتا .. و الإثيوبيون في الصعيد .. و إنهاء حكمهما.
باقي الهبات .. لم تحدث تغيرا في أسس النظام ..هزته فقط و لكنها لم تهزمه .
أول هبة (ثورة ) في التاريخ كانت ضد ( بيبي الثاني) خامس ملوك الأسرة السادسة بسبب زيادة الضرائب و سجلها الحكيم إيبور في كتاباته ..
و في الدولة المتوسطة لم تتوقف الهبات ضد الهكسوس
و في الحديثة (الأسرة 18 ) ضد رمسيس الثالث بسبب جور الكهنة و جامعي الضرائب ..
و في زمن البطالسة .. قامت هبة واسعة ضد بطليموس الرابع...
و مع الإحتلال الروماني لم تتوقف الهبات و لكن أكبرها التي كادت أن تنهي حكمهم بعد أن وصلت للأسكندرية .. يطلق عليها ( حرب الزراع ) أو البكولية ..
ثم إنتفاضة البشموريين ضد الخلفاء العباسيين .. التي إضطرت المأمون لإعادة غزو مصر ..
ثم عشرات الهبات ضد المماليك و العثمانيين و الفرنسيين و الإنجليز.. و.. الحكام المحليين
لقد كان نزح حصيلة الضرائب للخارج أو إنفاقها فيما لا يعيد دورة الإنتاج ..و إهمال الإنفاق العام لصالح الوطن عاملا مساعدا علي الغضب ..
فترك الترع و المصارف دون تطهير و منع المياة عن الزراع .. و كثرة اللصوص و الشطار ..و عدم صلاحية الطرق للحركة .. تجعل الكميتي غير قادر علي المحافظة علي قوته .. و محصولة .. و نتائج عملة و شقاه .فينتفض .. و قد يهرب من الأرض التي يناله فيها الجور.. فما بالك لو إختفت المياة من الترع و القنوات .
وهكذا نستطيع دون أن نبتعد كثيرا عن الواقع أن نقول ..
أن الدولة المصرية بقوانينها و تقاليدها .. و سيطرة الكهنة .. و الجنود ..و أساليب عملها ..الكيميتية .. لم تتغير في أغلب العصور .. لقد تميزت بسبب ذلك في البداية .. و أن سر تميزها هذا .. إنقلب إلي ألأضرار بحياة الناس .. مع تطور البشر ( في عصر النهضة الأوروبية ) في مقابل الجمود المصرى الذى أصبح يمثل عائقا..
التغيير حدث ببطء بعد إحتلال الفرنسيين و محاولاتهم .. تعديل النظام ليصبح فرنسي الطابع ..أوبعد أن فرض الإنجليزى نظم إدارية أخرى ..أو بعد الإستقلال الجزئي 36 و الإستقلال الكلي 56 .. و لكن للاسف ظلت العلاقة بين الحاكم و المواطن ..بائسة .. أو كما أوردها ..جمال حمدان في موسوعته.في الجزء المعنون ((في السياسة ونظام الحكم )) الصفحات من 575 و حتي 577.
(( لاشيء يقينا ككلمة الفرعونية يلخص و يشخص مأساة مصر السياسية المستمرة بلا انقطاع طوال التاريخ والمجسدة بلا حياء ما تزال في صميم حياتنا المعاصرة فلقد صارت هذه الكلمة التعسة (السيئة السمعة )علما علي الطغيان المصرى البشع البغيض في كل مراحله حتي وإن إختفت التسميات والمسميات أو تطورت الاشكال والشكليات . فالسلاطين و المماليك في العصور الوسطي هم كما أوشك المقريزى أن يضعها فراعنة ولكن مسلمون ، مثلما كان الفراعنة أنفسهم أباطرة وقياصرة وأكاسرة ولكن مصريون هذا بينما عد محمد علي بعد ذلك آخر المماليك العظام وأول الفراعنة الجدد .إن الفرعونية بوضوح مطلق الآن هي لاشك أبرز مثلما هي أسوأ مظاهر الاستمرارية في كيان مصر )).
بالطبع يقصد من الفرعونية هنا .. السلوك الناتج عن ما يسمي بالإستبداد الشرقي .
((أما العلاقة بين الحاكم والمحكوم فهي تقليديا علاقة قهر و مقت و إكراه وكره، استبداد وحقد ،بينما العلاقة بين الحكومة والشعب هي الريبة والعداوة المتبادلة بكل التفاهم الصامت إن لم تكن الأولي العدو الطبيعي للثاني في نظر البعض)).

السؤال الذى يطرح نفسة .. كيف تحول هذا المجتمع الذى تكلمنا عنة في المقال السابق .. من رائد للبشرية .. لهذا الوضع المذرى الذى سيؤدى إستمراره إلي الإنهيار و الإندثار .
و الإجابة شديدة البساطة و المباشرة .. إنه مثلث الشر .. لقد حرص جميع الحكام ( العسكر و الكهنة ) أن يبقوا هذا الشعب أمي يجهل القراءة و الكتابة .. و يتعلم ( شفاهة ) ما يملية علية رجال الدين في الكنيسة و الجامع .. و الحكام المحليين بواسطة أجهزة الإعلام المسموعة ..و المرئية .. فيظل أسيرا لهم يوجهونه كما شاء لهم تجبرهم .. و عنفهم .. و إستغلالهم ..( إستمر هذا من3150ق.م حتي 2015) لم يتغير إلا في الشكل .
لقد إنحصر التعليم بين أفراد الكهنة .. و العلوم والفنون بين شرائح (اليت ) منهم .. و الفنون العسكرية .. من ابنائهم .. حتي أن تحتمس الثالث أفضل القادة الكيميتين علي مر التاريخ كان أحد كهان أمون أرسله والدة الملك ليتعلم هناك .. فن الصياعة والدجل. . و الضحك علي الكيمتين .
نختم مقال اليوم بجزء من نص مكتوب عن الطريقة التي إختار بها ( أمون – رع ) الأمير تحتمس الثالث ليكون ملكا .
((وعندئذٍ خرج الإله «آمون» من بهاء أفقه مثل إله الشمس، وكانت السماء والأرض في عيدٍ لجمال طلعته، وعندئذٍ أتى بمعجزة عظيمة، فقد كانت أشعته في أعين الشعب كأنه «حور» إله الشمس عندما يشرق في الأفق، وعندئذٍ أخذ الشعب يبتهل إليه بالدعاء رافعين أيديهم … ثم قرب له جلالته (يقصد الملك الحاكم وقتئذٍ) البخور على النار، وقدَّمَ له قربانًا عظيمة من الثيران الكبيرة والصغيرة ومن صيد الصحراء … ثم طاف حول القاعة ذات العمد البردية الشكل مارًّا بكلا جانبيها، ولم يكن يدور في خلد الناس الذين شاهدوا عمل الإله هذا أنه يبحث عن جلالتي في كل مكان في القاعة، ولكنه عرفني عندما كنت واقفًا …))
((وعندئذٍ انبطحت على بطني ساجدًا أمامه، فعرفني ثانيةً وأنا على الأرض، ثم انحنيت أمامه … فوقفني أمام جلالته ثم جعلني أقف في مكان السيد (وهو مكان خاص في المعبد لا يدخله إلا الملك) … وتعجَّبَ مني … وإن ما أقوله ليس ببهتان، وكان ذلك … على مرأًى من الناس، وقد حفظ سرًّا في قلوب الآلهة الذين يعرفون هذه )) …
(( … وفتح لي أبواب السماء، وفتح لي بوابات الأفق (السماء والأفق يدلان على مسكن الإله في المعبد، وهو قدس الأقداس الذي لا يدخله أحد إلا الملك)، وطرت إلى السماء بوصفي صقرًا إلهيًّا لأطَّلِع على سره الذي في السماء، ودعوت لجلالته … ورأيت المخلوقات سكان الأفق في طريقهم السري في السماء، وأجلسني «رع» نفسه وزينت بتيجانه التي كانت على رأسه وصله الفريد الذي كان على جبينه … ثم حليت بكل فضائله، وأعانني كل علية الآلهة ثم … «حور» عندما يقدم بشخصه نحو معبد والده «آمون رع».)).
نكمل الحديث في الجزء القادم الثالث و الأخير.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World