الثورة المُضادة في المَجَر عام 1956- خطاباتها وأسلحتها (7)

مالك ابوعليا
USSR_1988@yahoo.com

2021 / 5 / 8

كاتب الموضوع: الشيوعي الهنغاري يانوش بيريتش

الفصل السابع: أُسس التماسك الاشتراكي

أ- اقامة المركز الثوري الجديد
يوم 4 تشرين الثاني، الساعة الخامسة صباحاً، أُعلِنَ في بث اذاعي أن حكومة العمال والفلاحين الثوريين الهنغارية قد تم تشكيلها وبدء عملها. بعد التوجه الى الحكومة السوفييتية بطلب المُساعدة العسكرية، شرعت الحكومة الجديدة في قمع الثورة المضادة المُسلّحة من أجل الدفاع عن سلطة الشعب وتعزيزها وتهيئة الظروف لمواصلة بناء الاشتراكية. هذه الخطة التي حددت بشكلٍ أساسي المصير الوطني للشعب الهنغاري، قد سبقتها عدة قرارات فردية وجماعية صعبة. كان جوهر كل هذه القرارات هو الحاجة الى القيام باجراء ذو قفزة نوعية ثورية.
كان من الصعب للغاية تقييم الاتجاه الذي كانت تسير فيه الأحداث خلال الأيام التي تلت 23 تشرين الأول عام 1956. تواجدت التعبيرات المُبررة عن السخط ضد الخط السياسي لجماعة راكوشي-غيرو التي انتهكت الأفكار الاشتراكية، والمطالبات باستعادة المعايير اللينينية للحزب وحياة الدولة، جنباً الى جنب، مع المُطالبات الصريحة بشكلٍ مُتزايد لاستعادة الرأسمالية، أو حتى نظام الاقطاعات الكبيرة الاستغلالي، في خليطٍ مُعقدٍ للغاية. مع تسارع وتيرة الأحداث، أصبحت المعالم الأساسية للثورة المضادة قابلة للتحديد بشكلٍ مُتزايد.
غُمِرَت الجماهير في فوضىً عارمة. اعتقد آلاف الناس أن النضال يجري من أجل تلبية مطالبهم المُحقة. تمكنت القوى المضادة للثورة، في المراحل الأولى، من اخفاء هدفها عن طريق استخدام شعارات تتعلق بتنقية الاشتراكية والازدهار الاقتصادي وانتصار السيادة الوطنية والحرية والديمقراطية. كانت أهدافهم التي تغطيها الكلمات الوطنية والتي كانت كالطوفان، تحتوي على التحريض القومي. صحيح أن الارهاب الأبيض أحدث صدمة، لكن الدعاية المضادة للثورة التي استغلت كل الوسائل المُمكنة وبأقصى حدٍ مُمكن، أوضحت أن الفظائع كانت ضرورات مؤسفة لا مفر منها.
لقد أصاب هذا الوضع البغيض أنصار الاشتراكية الواعين بالشلل. لقد كان عشرات آلاف الشيوعيين المستعدين للوقوف على الأرض والقتال مصابين بالعجز التام. لم يكن هناك قيادة مركزية لتوجيه أولئك الذين كانوا يقاتلون فعلاً والمستعدين للقتال من أجل الدفاع عن سلطة العمال. في 28 تشرين الأول، أعلنت حكومة ايمري ناجي أن الأحداث كانت ذات طبيعة ثورية، وكانت فكرته تقول ضمنياً أن الناس الذين كانوا يناضلون من أجل الدفاع عن هنغاريا الاشتراكية هم مُعادون للثورة. تم حل الحزب، وتم الادلاء ببيان واحد فقط حول اعادة تنظيمه.
كان تحديد جوهر الأحداث آنذاك أكثر تعقيداً بسبب ردود الفعل العفوية الأولية داخل الحركة الشيوعية العالمية والدول الاشتراكية. لم تكن الأحداث في هنغاريا واضحة. عندما توضحت الصورة في أواخر تشرين الأول وبداية تشرين الثاني أجرت الحركة الشيوعية الدولية تقييماً صحيحاً للأحداث، لكن لم يُصبح هذا الموقف معروفاً على نطاقٍ واسعٍ في هنغاريا آنذاك.
في 30 تشرين الأول، هاجمت عناصر مُعادية للثورة مقر حزب العمال الهنغاري في بودابست في منطقة كوستارشاشاغ köztársaság. أظهر حصار المقر الذي استمر عدة ساعات أن القوى المُعادية للثورة كانت على مستوىً عالٍ من التنظيم العسكري: تم استخدام الأسلحة الثقيلة وتم الهجوم على المبنى بتوجيه من قيادة واحدة. بعد الاستيلاء على المبنى قُتِلَ 25 شخصاً من المدافعين عن المقر، بلا رحمة. ، أثناء الدفاع عن المبنى، أُصيب ايمري ميزو أمين لجنة حزب بودابست، الذي كان يتمتع باحترام الجماهير وعَمِلَ بجد من أجل الدفاع عن الاشتراكية، بجروحٍ قاتلة. كان الحصار في الواقع، اشارة ورسالة يُريد مُعادي الثورة ارسالها للجميع. منذ ذلك الحين فصاعداً اعتبرت العصابات المُسلحة مهمتها الرئيسية: احتلال مكاتب الحزب واضطهاد الشيوعيين الذين وقفوا بحزم، وترهيب أنصار الاشتراكية.
استمرت طبيعة الأحداث الحقيقية محجوبةً بحقيقة أن البلاد كانت تحت قيادة حكومة يرأسها الشيوعيين. كان معروفاً أن رئيس الوزراء ايمري ناجي هو شيوعي من الحركة الشيوعية الهنغارية لمدة 4 عقود، وهو أحد الذين شاركوا في أعمال الكومنتيرن. كان مظهره المَرِح واسلوبه الهنغاري المُثير للاعجاب ومعارضته للعواقب الضارة لعبادة الشخصية، كل هذا منحه احتراماً شعبياً كبيراً. لكن في 30 تشرين الأول مد ناجي يده الى جوزيف دوداس الزعيم المُعادي للثورة الذي قاد الهجوم على مقر حزب بودابست. لقد سعى للحصول على ضماناتٍ دولية للوضع الجديد باعلانه انسحاب هنغاريا من معاهدة وارسو واعلان الحياد الدائم في 31 تشرين الأول. وطلب من الدول الرأسمالية الكُبرى ضمان الشروط اللازمة للحفاظ على الوضع الجديد. بحلول ذلك الوقت، أصبح من الواضح أن المُضي قُدُماً في هذا الطريق مع ايمري ناجي هو خيانة للأفكار الاشتراكية ومساهمة في تدمير سُلطة العُمال.
حتى من بين الأشخاص في مجموعة ايمري ناجي، صار عددٌ منهم يُدرك خطر الثورة المضادة. عندما سأل زولتان سالتو Zoltán Szántó، الذي بقي الى جانب ناجي، ديالبور سولداتيتش Dalibor Soldatic سفير جمهورية يوغسلافيا الشعبية الفيدرالية في بودابست في 2 تشرين الثاني عما اذا كان يُمكن منحهم حق اللجوء في مبنى السفارة، قال انهم "طلبوا اللجوء من مذبحة يقوم بها أعداء الثورة الذين يعملون الآن". تم اعطاءه الموافقة على اللجوء في 3 تشرين الثاني(107). قال أحد كبار مُساعدي ايمري ناجي، وزير الدولة غيزا لوشونزي للصحفيين في مؤتمر صحفي في مبنى البرلمان في 3 تشرين الثاني: "وفقاً لرأي الحكومة، فان القوى المُعادية للثورة قوية الى حدٍ ما في البلاد. أعلنت الحكومة بالاجماع أنها لن تُقدّم أي تنازل، طالما تعلق الأمر بالمُنجزات التي تحققت خلال 12 عاماً الماضية: على سبيل المصال الاصلاح الزراعي وتأميم المصانع والخدمات الاجتماعية... الحكومة عازمة على عدم التسامح مع عودة الرأسمالية الى هنغاريا"(108).
هذه الاعترافات والتعهدات جعلت من الصعب فهم السمات الأساسية للوضع. وفي أثناء ذلك، كانت أعمال الحكومة بمجملها تؤدي الى تثبيت مواقف الثورة المضادة والدفاع عنها على الساحة الدولية. لم يتم اتخاذ أي اجراءات أساسية ضد الثورة المضادة. كان هذا يُمثّل خيانةً بحد ذاته.
في 1 تشرين الثاني، اتفق يانوش كادار وفيرينس مونيتش Ferenc Münnichعلى أن تنظيم مركز ثوري جديد أصبح مسألة حياةٍ أو موت. في وقتٍ متأخرٍ من مساء ذلك اليوم غادرا بودابست للتحضير لهجوم ثوري مضاد. في 2 تشرين الثاني تَبِعَ جورجي ماروشان وانتال ابرو وكارولي كيش خُطى كادار، وأجرى الجنرال شاندور نوغرادي الترتيبات بينهم.
لقد اتُخِذَت هذه القرارات الحاسمة لمواجهة الثورة المضادة في ظروف بالغة الصعوبة. على الرغم من أن قلةً فقط هم من أدركوا هذا في ذلك الوقت، الا أن تطور الأحداث كشفت افلاس الجماعتين في قيادة حزب العمال الهنغاري. كانت الجماعة "اليسارية"، أو زُمرة راكوشي قد أحدثت الأزمة بانتهاكاتها للقانون وباجراءاتها التعسفية ورفضها التزحزح عن المواقف فور تبنيها وضيق الأفق. لقد اعتبروا أن سلطتهم الشخصية أساسية للاشتراكية، ولكن كانت في الحقيقة هي الشيء الذي قوضوا من خلاله أسس الاشتراكية. لم يكن من المُمكن لهذا الحرس القديم أن يكون نواةً لمركز ثوري جديد، فقد فقد ثقة أعضاء الحزب والجماهير العاملة، وكان مسؤولاً عن الوضع الذي نشأ. الى جانب ذلك، لم تكن هذه الجماعة قادرةً على تطوير برنامج كان سيؤمن طريقاً للمضي قُدماً.
كانت المجموعة "اليمينية" بقيادة ناجي ثَمِلةً بالتغييرات ونجاحها في الاستيلاء على السلطة. وفي الوقت الذي كان الارهاب المضاد للثورة ينتشر في الشوارع، وفي الوقت الذي كانت القوى المُعادية للاشتراكية تستولي على المؤسسات، وبينما كان الشيوعيين يتعرضون للاضطهاد، كان أعضاء هذه المجموعة يختزلون الأحداث ويتخيلون أنهم يوجهونها بالكامل. لقد استوفوا المطالب السياسية للثورة المضادة من جميع النواحي، وفي الفترة التي تم خلالها تدمير سلطة الشعب، تصرفوا كما لو أن الشيء الوحيد المهم هو الاعلان الشكلي عن "استقلال قومي" مُطلق. في غضون ذلك، تمكّن أعداء الثورة الذين خططوا للاطاحة بهذه المجموعة في نهاية المطاف، من التغلغل في مواقع السُلطة والحكومة. سَمَحَ هذا للعناصر المُعادية أن ترتدي لباس الشرعية. كان أعضاء المجموعة غير قادرين على عكس اتجاه الأحداث، حتى أنهم لم يرغبوا في فعل ذلك.
كان اولئك الذين يريدون أن يبدأوا بالهجمة الثورية في وضعٍ صعبٍ للغاية. لم يكن هناك تنظيم كافٍ يقودهم، ولم يُشكلوا مجموعةً أو فصيلاً طليعياً. كانوا يعرفون بعضهم، لكنهم لم يُنشؤوا أي روابط تنظيمية بينهم. قال يانوش كادار في جلسة البرلمان في 11 أيار عام 1957: "بكل صدق يجب أن أُخبِرَك أن هذا الجزء من القيادة كان في حالة من الارتباك الشديد خلال تلك الأيام العصيبة. وبرأيي الشخصي، يُمكنني أن أُخبرك أنه لم يكن من السهل فهم ما كان يجري في طوفان الأحداث. وكان من الصعب التنبؤ بالخطوات القادمة وما يجب القيام به. لذلك كانت هنالك شكوك كبيرة وارتباك في أوساط الصادقين والشرفاء من القيادة"(108).
زادت الظروف السائدة بين الجماهير العُمالية سوء الوضع الذي بدأ فيه المركز الثوري الجديد عمله فيه. كان هناك ارتباك وفوضى سياسية كبيرة.ان الآمال التي كانت قائمة التي تمثّلت في أن المطالب ستتحقق فوراً قد أدت الى نشوء حالة من شلل قدرة الجماهير على التصرف. واجه المركز الثوري الجديد الذي تأسس تحت قيادة يانوش كادار صعوبةً في اختيار أولويات العمل: هل نبدأ بالاعتراف بالمطالب العادلة للطبقة العاملة ثم نواجه تحدي الثورة المضادة تدريجياً؟ أم نركز كل قوانا حصرياً على سحق الثورة المضادة حتى لو كان من المؤكد أن هذه الخطوة الأولى سيُساء فهمها من قِبَل الناس المُضلّلين، ومن ثم، كخطوة تالية نشرع في تلبية المطالب العادلة للطبقة العاملة في ظل ظروف الأحداث؟ انطلاقاً من حقيقة أن الوضع الذي نشأ في هنغاريا كان يُهدد أُسس الاشتراكية ذاتها، ومع الأخذ بعين الاعتبار تجربة حركة الطبقة العاملة الدولية، تم اتخاذ قرار سحق الثورة المضادة كخطوة أولى. لم يكن يُمكن تحقيق مطالب الطبقة العاملة والشغيلة بدون سحق الثورة المضادة.
يُمكننا استخلاص نتائج مُهمة للغاية من حيث المبدأ انطلاقاً من أحداث وقرارات تلك الفترة بأكملها. يجب على الطليعة الماركسية اللينينية أن تنطلق دائماً من المصالح الأساسية للطبقة العاملة ويجب أن تأخذ في الاعتبار موقف الجماهير ومدى استعدادها للعمل ودرجة تنظيمها ووعيها السياسي والعوامل الأُخرى ذات الصلة. يُصبح الوضع صعباً جداً عندما ينشأ تناقض بين المصالح طويلة الأمد للجماهير العاملة ومزاجهم اللحظي. في تشرين الأول وتشرين الثاني عام 1956 كانت الحالة المزاجية للجماهير التي ألهبها التحريض القومي المُضاد للثورة وديماغوجية التحريفية تتعارض مع مصالح الشعب ككل. ان الفضل التاريخي للمركز الثوري الجديد بقيادة كادار هو أنه أدرك جوهر الموقف وكان لديه الشجاعة لمحاربة جميع أشكال الدعاية المُعادية. خَدَمَ المركز، من خلال أنشطته، المصالح الوطنية والطبقية الأساسية للشعب الهنغاري. كان المركز الثوري الجديد واثقاً من أنه كان لنتاجات بناء الاشتراكية، وهي نتاجات 12 عاماً من هنغاريا الشعبية، تأثيراً هائلاً على الجماهير العاملة. ناقش يانوش كادار هذه النقطة عندما خاطب الجلسة العامة العاشرة للمجلس المركزي لنقابات العمال الهنغارية في 26 كانون الثاني عام 1957: "عندما كنا نُفكر في تشرين الثاني الماضي في تشكيل الحكومة الحالية، صدقوني، كنت أعرف جيداً أننا لن نستقبل باقاتٍ من الورود. كنت أُدرِكُ جيداً ما سنواجهه، لكنني كنت مقتنعاً بأن الحقيقة كانت في صالحنا وأن الناس سيتفهمون عملنا وسيقدّرون أننا خرجنا في وجه هذا الطوفان العارم المضاد للثورة، وأننا كُنا نُنقذ ديكتاتورية البروليتاريا الهنغارية"(109). تم التأكيد على نفس الفكرة في الجلسة البرلمانية المُشار اليها سابقاً: "وكنت مُتأكد أيضاً، على الرغم من أن الوضع بدا مُختلفاً في ذلك الوقت، أن الجماهير العريضة من الشعب الهنغاري ستتفهم أنه يتعين علينا أن نقوم بهجمةٍ مُضادة وعلينا أن نتخذ طريخ الصراع المفتوح"(110).
تشكّل المركز الثوري بقيادة يانوش كادار قائد حكومة العمال والفلاحين الثوريين الهنغاريين في زولنوك Szolnok في 3 تشرين الثاني. لم يكن كل أعضاء الحكومة حاضرين في المدينة ولكنهم كانوا يريدون ذلك. وقّع 4 منهم على الرسالة المفتوحة الى الشعب العامل الهنغاري. بدأ الأمر على هذا النحو: "نحن الموقعون انتال ابرو ويانوش كادار وستيفان وكوسا و فيرينس مونيك، الوزراء والأعضاء السابقون في حكومة ايمري ناجي، نُعلن أننا، في 1 تشرين الثاني عام 1956 قطعنا جميع العلاقات مع تلك الحكومة، وأخذنا زمام المبادرة لتشكيل حكومة االعمال والفلاحين الهنغاريين"(111).
تم تحديد تشكيل الحكومة وأهدافها في وثيقة أُخرى: نداء الى الشعب الهنغاري!. كانت تشكيلة الحكومة على النحو التالي: يانوش كادار رئيس الوزراء، فيرينس مونيك نائب رئيس الوزراء وقائد القوات المسلحة والأمن العام. وزير الدولة جورجي ماروشان، ايمري هورفاث وزير الخارجية، واستيفان كوسا وزير الماليوة، وانتال آبرو وزير الصناعة، وايمري دوجي Imre Dögei وزير الزراعة وشاندور نوغرادي وزير التجارة(112).
عَمِلَ كادار ومونيك من ثكنات الجيش في منطقتي (طريق الجيش الأحمر) Vörös hadsereg útja وزولنوك بمساعدة قيادة القوات السوفييتية وخططوا ووجهوا العمليات العسكرية لسحق العصابات المسلحة المضادة للثورة. تم تكليف مونيك بدور التأكد من أن وحدات جيش الشعب الهنغاري ستتفهم الوضع الجديد وتدعم عمليات القوات السوفييتية.
نظّم آبرو وماروشان الذين عملا من مبنى المجلس البلدي في زولنوك الجانب المدني من أنشطة الحكومة وأقاما الاتصالات مع الشخصيات العامة التي تدعم اتخاذ الاجراءات الثورية. تم تكليف كارولي كيش بواجب اعداد الخطوات لاعادة تنظيم الحزب وساعدهما شاندور نوغرادي وغيره من الرفاق. كان فيرينس شيمون Ferenc Simon مسؤولاً عن البث من راديو زولنوك. وكان كارولي ايرديلي Károly Erdélyi مُساعداً لكادار. ولما كان وزير الخارجية ايمري هورفاث غير قادر على التوجه الى بودابست من فيينا، فقد توجه الى براغ لبدء أنشطة الشؤون الخارجية للحكومة الجديدة من هناك، والعمل على تحقيق الاعتراف الدبلوماسي بها دوليا، وتقديم معلومات دقيقة الى الأمم المتحدة. كان الوزراء الآخرون نشيطين في الأعمال التحضيرية في بودابست. دعمت محموعة من الضباط في وزارة الدفاع، بقيادة الجنرال غولا اوزتا Gyula Uszta الأعمال العسكرية التي يقوم بها المركز الصوري الجديد في 4 تشرين الثاني.
اعتبر المركز الثوري الجديد زولنوك مقراً مؤقتاً له، كما أوضح يانوش كادار في 4 تشرين الثاني عندما ألقى كلمة أمام اجتماع لنشطاء الحزب في المدينة. حدث ذلك حوالي الساعة الخامسة مساءاً في مبنى لجنة الحزب في المدينة وحضره 25-30 شخص. ناقش يانوش كادار الوضع العام وتشكيل الحكومة الجديدة، وناقش، بما كان يبدو أنه نَفَس متفائل احتمالات الخروج من هذا المأزق بنجاح. كان من سمات الأجواء الرفاقية في الاجتماع أن عدداً من الأسئلة التي طرحها المشاركون، تعلقت بسوء المعاملة التي تعرض لها كادار خلال السنوات التي قضاها في السجن في أوائل الخمسينيات. ورد عليهم كادار بصراحة مؤكداً انه حتى المظالم والمعاناة الفردية لا يُمكن معالجتها الا من خلال استعادة القانون والنظام الاشراكيين. كانت الشرعية الدستورية لحكومة العمال الوفلاحين الثوريين الهنغاريين التي ضمت رئيس البرلمان، قائمةً على أسسٍ سليمة. تمت الموافقة على تشكيل الحكومة الجديدة من قِبَل رئيس المجلس الرئاسي ستيفان دوبي الذي وافق على الانفصال عن حكومة ايمري ناجي. أدت الحكومة الجديدة اليمين في 7 تشرين الثاني في مبنى البرلمان بحضور ستيفان دوبي.

ب- المساعدة الأممية ودور القوات المحلية
حَظِيَت حكومة العمال والفلاحين الثوريين الهنغاريين، وقت تشكيلها، بتأييد دولي واسع. بالتزامن مع الأيام الأخيرة للثورة المضادة، كان هناك وفد صيني كبير برئاسة ليو شاو تشي Liu Shao-chi في موسكو، في الوقت الذي كان فيه القادة السوفييت يقيّمون الوضع عن كثب. في 1 تشرين الثاني، عقد خروتشيف ومولوتوف ومالينكوف، قادة الحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي آنذاك، مشاوراتٍ مع القادة البولنديين على الحدود السوفييتية البولندية. من هناك، ذهب خروتشيف ومالينكوف لاجراء مُحادثات مع قادة رومانيا وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا في 2 تشرين الثاني حول الوضع والاجراءات التي يجب اتخاذها. في مساء اليوم نفسه، وصلوا الى جزيرة بريوني Isle of Brioni اليوغسلافية ودخلوا على الفور في نقاش واسع النطاق مع القادة اليوغسلافيين تيتو وكارديلي ورانكوفيتش والتي استمرت حتى صباح 3 تشرين الثاني.
وقد تباينت وجهات النظر والمفاهيم خلال هذه المشاروات ولكن كان هناك تطابق في الرأي فيما يتعلق بالقضايا الأساسية. لقد ثَبُتَ أن الثورة المضادة، التي ثبتت أقدامها في هنغاريا، عاقدةً العزم على تدمير المُنجزات الاشتراكية للشعب العامل، وخلقت بؤرةً حربيةً في وسط أوروبا وشكلت تهديداً لأمن وسلام الدول الاشتراكية. في ظل هذه الظروف، اتفقت الأطراف المعنية على أن هزيمة الثورة المضادة في هنغاريا لم تكن مُجرد مسألة هنغارية صرف، ولكنها مسألة ذات مصلحة أُممية مشتركة. أوضح قادة الدول الاشتراكية أنهم مُستعدين لتقديم كل مساعدة لحكومة العمال والفلاحين الثورية. كما تم الاتفاق على أنه في حالة طلب الحكومة الثورية الجديدة مساعدة مسلحة لسحق الجماعات المُعادية للثورة، فان هذا الطلب ستتم تلبيته من قِبَل القوات المسلحة السوفييتية. كما نشأت امكانية مُشاركة رومانيا وتشيكوسلوفاكيا، ولكن تم استبعاد هذا لأسباب تاريخية.
رأت الأوساط الثورية بقيادة يانوش كادار أن "الخطوة الأولى التي لا مفر منها لصالح توطيد ديكتاتورية البروليتاريا هي سحق الجماعات المُسلحة المضادة للثورة. ولذلك فان جميع المهام الأُخرى تخضع لهذا الواجب الأساسي"(113). استجاب الاتحاد السوفييتي لطلب الحكومة الجديدة للمساعدة، وشن الهجمة المضادة المُسلحة يوم 4 تشرين الثاني الساعة الرابعة صباحاً. كان السحق النهائي للثورة المضادة قد تم فعلياً بحلول 9 تشرين الثاني، لكن استمرت تأثيراتها المُدمرة لبعض الوقت بعد هذا.
كان المركز الثوري بقيادة يانوش كادار يعلم جيداً أن سحق الثورة المضادة بالسلاح لم يكن أكثر من نقطة انطلاق، وأن انجاز المهام الهائلة التي تُشكل جوهر التعزيز الاشتراكي يعتمد على أنشطة القُوى الهنغارية الثورية. (هناك أسباب داخلية عميقة وراء كل ميل اجتماعي مُعيّن). صحيح أن القوى الخارجية يُمكن أن تُمارس تأثيراً على كثافته واتجاهه، ولكن الأسباب الداخلية هي التي تلعب الدور الحاسم. لهذا السبب، أصبحت القرارات والمواقف التي اتخذها المركز الثوري هي العوامل الحاسمة لمزيدٍ من التقدم.
لا يُمكن أن تلعب المساعدة الخارجية سوى دور مُحدد ومحدود. لقد سَحَقت المساعدة الخارجية العصابات المُسلحة المضادة للثورة في هنغاريا عام 1956 وأنهت الارهاب الأبيض المسعور ومنعت التدخل الامبريالي الدولي. في الوقت نفسه، مثلَت أيضاً دعماً معنوياً وسياسياً كبيراً للشيوعيين والتقدميين، ومنحتهم مُتنفساً، وخلقت الظروف التي يُمكن فيها اعادة تجميع قوتهم وشن هجوم مضاد في المجالات السياسية والاقتصادية والايديولوجية.
لقد لَعِبَت القوى الداخلية الدور الحاسم في الأحداث الاجتماعية والسياسية، وهي تقوم بهذا الدور في أي بلد. لا يُمكن اعادة انشاء البُنية السياسية المحلية من قِبَل أفراد عسكريين أجانب. يُمكن مُحاولة القيام باعادة التنظيم من هذا النوع، ولكنها لن تكون فعالة الا لفترة زمنية محدودة. ان قوة المُجتمع الاشتراكي مبنية على الطبقات الأساسية للأمة. يعتمد التغلّب على الصعوبات الاقتصادية بالدرجة الأولى على مستوى الانتاج الوطني وتوزيع الدخل، ولا يُمكن لأرض اي بلد أن يزرعها الا فلاحوها. يعتمد الانتاج المُستمر في مصانع الدولة على عُمالها ومثقفيها، ولا يُمكن التغلب على الفوضى والاضطراب الايديولوجي الاجتماعي بالسلاح. يُمكن التغلّب على ذلك في صراع ايديولوجي وسياسي، من خلال المناقشات والعمل الايديولوجي والتربوي الدؤوب وتعزيز بناء الاشتراكية.
كل هذا اعترف به بوضوح المركز الثوري بقيادة يانوش كادار، وكانت أعماله مبنية على هذا الأساس.
بالاضافة الى سحق العصابات المُسلحة المضادة للثورة، كانت مهمة اعادة تجميع الشيوعيين واعادة تنظيم الحزب من المهام الرئيسية الأُخرى. أصدر المركز الثوري الذي ضم شخصيات جديدة ونشطة بصفته اللجنة المركزية المؤقتة لحزب العمال الاشتراكي الهنغاري، في 6 تشرين الثاني، نداءاً بشأن اعادة تنظيم الحزب: "يعيش حزبنا، ذو التاريخ المجيد، والذي عانى كثيراً، أصعب فترة في تاريخيه. يتطلب الوضع تركيز جميع قُوى الحزب لأنه بهذه الطريقة فقط يُمكننا أن نُواجه بنجاح وندافع عن سُلطة الشعب بنجاح، ضد هجمات الثورة المضادة التي تهدف الى استعادة الرأسمالية. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يُمكننا من خلالها ضمان تطوير ديمقراطية الطبقة العاملة الهنغارية على أوسع نطاقٍ مُمكن، وتأمين استقلالنا الوطني وسيادتنا وتحقيق انتصار النظام الاشتراكي!". في الفقرات اللاحقة من نداء الشيوعيين الهنغاريين، وبناءاً على النضال المبدئي على جبهتين، فصل الحزب الجديد نفسه عن "السياسة الضارة التي انتهجتها جماعة راكوشي" و"الجماعة التي يقودها ايمري ناجي التي اتخذت في الأساس موقفاً قومياً وشوفينياً" و"شقّت الطريق أمام القُوى المُعادية للثورة". فيما يتعلق بهذا، أكد النداء: "قررنا، من أجل توضيح الطبيعة الحازمة للانفصال عن أخطاء الماضي، تغيير اسم الحزب، واتخاذ الاسم الجديد: حزب العمال الاشتراكي الهنغاري". في حين أن النداء لم يُحاول تجميل الموقف، الا أنه عبّر عن تفاؤلٍ بالمستقبل: "الوضع خطير، لكن اذا جمعنا قوانا وأنهينا الفوضى في صفوفنا، ستكون لدينا القوة الكافية! ان حزبنا لا يُقهَر اذا تمسك بمبادئه واذا اعتمد على الطبقة العاملة وعلى جماهير شعبنا الكادح العريض للحصول على الدعم!. أيها الرفاق!، الى العمل، والنضال!"(114).
في أعقاب هذا النداء، بدأت اعادة تنظيم المُنظمات الحزبية بشكلٍ جدي. أعضاء الحزب المخضرمين والأشخاص الذين اضطهدوا وتم ترهيبهم. أخذ الشيوعيين المخلصين للمبادئ زمام المبادرة في انشاء منظمات حزبية. بحلول نهاية تشرين الثاني عام 1956 كان هناك 1980 فرعاً نشطاً، وكان العدد يرتفع باطراد يوماً بعد يوم. في غضون ذلك، تم توسيع المركز الثوري: تم تشكيل اللجنة المركزية المؤقتة لحزب العمال الاشتراكي الهنغاري، وعقدت اجتماعها الأول في 11 تشرين الثاني. ناقش يانوش كادار الاستنتاجات الرئيسية التي توصلت اليها اللجنة المركزية، في خطابٍ اذاعي في نفس اليوم.
بعد المواقف الواضحة التي اتخذتها اللجنة المركزية وفي أعقاب عملها، نشات المُنظمات الحزبية بأعداد متزايدة، كما زاد عدد الشيوعيين المستعدين للنضال. تُظهر السجلات أن عضوية الحزب بلغت حوالي 102000 شخص في 30 كانون الأول عام 1956)115). في الواقع، وقف الكثير من الناس بنشاط لصالح التعزيز الاشتراكي جنباً الى جنب مع قيادة الحزب.
كان المركز الثوري، منذ لحظة تأسيسه، يهدف الى تنظيم اعادة تنظيم القوات المسلحة لسلطة العمال والفلاحين. بدأ العمل في هذا الاتجاه في 4 تشرين الثاني عندما بدأ الهجوم المضاد. وكانت الخطوة الأولى هي ضمان بقاء الجيش على الحياد. في فجر يوم 4 تشرين الثاني أصدر مونيك أول أمر له للقوات المسلحة: "أنا أأمر وحدات جيش الشعب الهنغاري أن لا يُطلقوا النار على القوات المُسلحة السوفييتية". لقد فَهِمَ الضباط الموالين لسلطة العمال هذا النداء ولم تكن هناك مواجهات خطيرة أو مأساوية في أي قرية أو بلدة. ساعدت وحدات جيش الشعب الهنغاري القوات السوفييتية على استعادة النظام في معظم الأماكن.
كان من واجب وحدات جيش الشعب ضمان أمن الحكومة الجديدة. في فجر 4 تشرين الثاني طلب الرائد لازلو هيوديك László Hudec قائد قسم الاستخبارات المُضادة في مدرسة ضباط القوات الجوية من الجنرال جوزيف سابو József Szabó قائد فوج المدرسة تنظيم أمن مبنى حزب مُقاطعة زولنوك. تم تجنيد الحَرَس المُسلّح في 4 تشرين الأول من طلاب مدرسة الضباط وتم تعزيز الحراسة لاحقاً من وحدات مدرسة ضباط الصف المضاد للطائرات التي كانت تحت قيادة الكولونيا بيلا كوساش Béla Kaszás . بالاضافة الى مبنى مكتب الحزب، قامت الوحدات العسكرية أيضاً بحراسة الجسور والطرق الرئيسية والسريعة، واستعادت مبنى مكتب البريد ومحطة السكة الحديدة وتكفلت بتشغيل الراديو في مدينة زولنوك، وحصلوا، أثناء، تأدية هذه المهام، على الدعم الكامل من القيادة السوفييتية.
اعتباراً من 8 تشرين الثاني، تم اتخاذ اجراءات مُحددة لتنظيم القوات المسلحة لحكومة العمال والفلاحين الثوريين الهنغارية. في 8 تشرين الثاني أصدرت الحكومة بياناً بشأن تشكيل الميليشيات الخاصة. في 10 تشرين الثاني أصدر الجنرال فيرينس مونيك وزير القوات المسلحة تعليمات لضباط الجيش لاتخاذ موقف واضح، أي اما القيام بمهمة استعادة النظام في الجيش، أو التقدم باستقالتهم. وبعد هذه الاجراءات السريعة بدأ تنظيم القوات المسلحة للحكومة الجديدة بوتيرة سريعة.
جرى هذا في بودابست أسرع من أي مكانٍ آخر. تم تنظيم أولى وحدات القوات الخاصة في العاصمة. تم انشاء الفوج الثوري الأول لضباط الجيش، من مساء يوم 9 تشرين الأول الى صباح اليوم العاشر منه. تم تجنيد الفوج من ضباط الفرقة الخامسة الآلية والأنصار السابقين وموظفي وزارة الداخلية في كيتشكيميت، ووصل عدد أفرادها الى 1170 يوم 20 تشرين الثاني. تأسس فوج القوات الخاصة الثورية الثاني في الفترة من 13 الى 16 تشرين الثاني في أكاديمية ميكلوش زرينيي Miklós Zrínyi ، وتم تجنيد أعضاءها من طلاب الأكاديمية ومدربيها، ووصل عدد أفرادها الى 1200 شخص في 10 مجموعات. بدأ تنظيم الفوج الثالث للقوات الخاصة الثورية في 10 تشرين الثاني في ثكنة بيتوفي في بدوابست. وسُرعان ما زاد عدد المتطوعين الأوائل البالغ عددهم 400 شخص، الى 1050 متطوعاً. وبحلول أوائل كانون الأول تم انشاء فوج ميليشيا شعبية خاصة.
شَرَعَت حكومة العمال والفلاحين الثوريين الهنغاريين باعادة تنظيم أجهزة ادارة الدولة منذ اجتماعها في 7 تشرين الثاني. سعى أعضاء الثورة الى القضاء على المجالس المحلية واستبدالها بمؤسسات مُعادية للثورة مُقنعينها بمُسمى "الثورية" ومُسمى "القومية". في العديد من المُقاطعات، عندما تلقى الناس أخبار تشكيل الحكومة الجديدة بدأ أعضاء المجالس المحلية على الفور بتشكيل لجان أو مجالس ثورية عمالية وفلاحية. لم ترغب الحكومة الجديدة في انشاء أجهزة ادارة محلية جديدة مصطنعة، ولذلك أعلنت في بيانها الصادر في 7 تشرين الثاني أن "... الأجهزة التنفيذية القانونية هي في كل مكان الأذرع التنفيذية للجان المحلية". كما تمت اعادة تنظيم المجالس المحلية بسرعة كبيرة في جميع أنحاء هنغاريا.
أظهرت التجربة والعديد من الأمثلة أن اللجوء الى المساعدة الخارجية لم يُقلل من دور وتأثير القوى الثورية الهنغارية، بل عززها. كان على المركز الثوري المحلي أن يتحمل المسؤولية. قام هذا المركز الثوري بنشاط كبير في مهمة تنفيذ الاستقطاب الثوري وتنظيم القوى المحلية من أجل تعزيز الاشتراكية.

جـ- كتفاً الى كتف مع الجماهير العمالية من أجل التعزيز الاشتراكي
صرّحَ يانوش كادار في خطابه الاذاعي للأمة في 11 تشرين الثاني: "يُمكنني أن أُعلن ان الهجوم الصريح الذي تم شنه على جمهورية هنغاريا الشعبية قد تمت هزيمته على كامل أراضي البلاد، في العاصمة والمُقاطعات"(116). وكان هذا يعني أن كسب الجماهير العاملة، والقضاء على نتائج الثورة المضادة واستئناف الانتاج صارت هي المجالات الرئيسية للنضال السياسي.
تبنّت القوى المُعادية للثورة تكتيك التخفي وراء مطالب الجماهير العاملة وشعارات الاشتراكية والديمقراطية سعياً لاخفاء أهدافها الحقيقية. لقد حاولوا تمرير الانطباع بأنهم سيعملون من أجل تحقيق مساعي الشعب الهنغاري. كانت المهام الرئيسية، بعد سحق الجماعات المسلحة، هي توضيح الفارق الذي كان موجوداً فعلاً بين حركة الجماهير وأهداف وأفعال الثورة المضادة. كان على الحكومة الجديدة أن تُلبي مطالب الشعب العامل المُبررة وأن تضع حداً نهائياً للدمار الذي أحدثه الثورة المضادة. كان من الضروري، من أجل تحقيق الأهداف المذكورة، صياغة الموقف السياسي والايديولوجي للحزب بشكلٍ واضح.
تمت صياغة بيان لا لُبس فيه لسياسة الحزب في النداء الصادر في 6 تشرين الثاني من قِبَل اللجنة المركزية المؤقتة لحزب العمال الاشتراكي الهنغاري: "استغلت قوى الثورة المضادة الاستياء الجماهيري المُبرر، الذي في حين كان ناجماً عن أخطاء الماضي، لم يكن موجهاً بأي حالٍ من الأحوال ضد سلطة الشعب". اتخذت حكومة العمال والفلاحين الثوريين الهنغارية موقفاً حازماً ضد هذه القوى عندما تبنّت شعار "الدفاع عن نظامنا الديمقراطي الشعبي، وسحق الثورة المضادة وضمان العمل السلمي ورفاهية العمال". دعا البرنامج الى الدفاع بحزم عن المُنجزات التي تحققت خلال 12 سنة من التغيير الثوري. وفي الوقت نفسه، اعترف بأنه كان هناك أخطاء جسيمة ومخالفات خلال السنوات الماضية. ولهذا السبب أوضحت الوثيقة أنه "يجب علينا، من أجل استعادة قوة حزبنا وتمكينه من قيادة الجماهير، أن ننقطع نهائياً مع السياسيات الضارة والأساليب غير الشرعية التي اعتمدتها زمرة راكوشي التي هزّت ثقة الجماهير العمالية بحزبنا وقوضت أسس قوته". كما أدان النداء بشدة الخيانة التي حصلت، وأن هذا كان غير مفهوم لجزء من جماهيرنا: "يجب أن يتم احداث قطيعة حاسمة مع جماعة ايمري ناجي التي تبنت موقفاً قومياً شوفينياً بتخليها عن مصالح الطبقة العاملة وفتحها الطريق أمام قوى الثورة المضادة(117).
أعاق التعزيز الاشتراكي حقيقة أنه، بالتزامن مع استفزازات فلول قوى الثورة المضادة، جرت محاولات لمواصلة الأنشطة المُنظمة للدوائر التحريفية. في 14 تشرين الثاني، أسس بعض مندوبي المجالس العمالية لما يقرب من 20-25 مصنعاً في بودابست وممثلي بعض المجموعات القومية التحريفيين ما أطلقوا عليه اسم مجلس العمال المركزي في بودابست العُظمى. وقد كرّسَ المجلس نفسه لمنع استئناف الانتاج المستمر. ولهذه الغاية، دعا المجلس الى اضرابات وقام بالتحريض ضد الحكومة والقوات الخاصة وأعاق تطبيق القانون والنظام.بدأت الحكومة محادثاتٍ مع المجلس لكنها، أي الحكومة، رفضت تلبية مطالب الثورة المضادة وفضحت هذه المطالب علناً. كثّفَ اليمينيين من نشاطاتهم المضللة. في الوقت نفسه، قامت العناصر المُعادية للثورة بأعمال استفزازية تهدف الى ترهيب الناس، وأصدروا دعواتٍ الى اضراب لمدة 48 ساعة في 22 تشرين الثاني. لكن نفوذهم أخذ بالانحسار. وفي مُحاولة لعكس هذا الاتجاه، دعوا الى مظاهرة نسائية في بودابست في 4 كانون الأول، ونظّموا في 8 تشرين الثاني استفزازاً مُسلحاً في شولغوتاريان Salgótarján ولاحقاً في مدينة التعدين تاتابانياtatabánya وبيكيشابا Békéscsaba وميشكولز وباتونيا ومناطق أُخرى.
غير أن حكومة العمال والفلاحين الثوريين رفضت أن تنصاع للضغوطات والتخلي عن النضال من أجل الشعب. كان الرد على الاستفزازات المضادة للثورة حازماً. لقد حظرت الحكومة، مجلس العمال المركزي، وسحقت مراكز الاستفزاز المُسلح، وحلّت ما سُمي باللجان "الثورية" وغيرها من المنظمات التي تحمل أسماءاً مماثلة. وأصدر المجلس الرئاسي "مرسوماً قانونياً" مستعجلاً يتعلق بقضايا "القتل العمد والحرق المتعمد والسطو والنهب وجرائم تخريب المصانع المتعمدة أو أي مؤسسة تخدم المُجتمع"(118).
ومن أجل تأمين حياةٍ من غير خوف، طمأنت الحكومة المواطنين المُضللين باعلانها العفو عن المواطنين الشرفاء الذين تم تضليلهم والذين غادروا البلاد خلال الأحداث، وفرضت عقوبات مستحقة على مُرتكبي الارهاب الأبيض والمتواطئين معهم.
حلقت الدعاية البرجوازية والمُهاجرين ضجةً هائلة حول "المرسوم القانوني"، وبثوا تقارير كاذبة وساسعة النطاق حول آلاف عمليات الاعدام. ومع ذلك، كان الواقع، كما هو الحال في العديد من الأحداث الأُخرى، مُختلفاً تماماً عن الافتراءات التي نشرتها الرجعية. بين 4 تشرين الثاني 1956 و31 تموز 1957 صدرت أحكام على 28601 شخصاً لارتكابهم جرائم ضد المُجتمع والنظام العام. 6321 ادينوا بارتكاب جرائم ضد الجمهورية الشعبية (جرائم سياسية) ومن هذا العدد، تم تطبيق حكومة الاعدام على 70 شخصاً منهم، وحُكِمَ على 2332 بالسجن لأكثر من سنة، و3581 آخرين بالسجن لمدة تقل عن عامٍ واحد، أما من تبقى فقد تم تغريمهم أو ارسالهم لتلقي توجيهات تصحيحية أو اصدار عقوبات بحقهم مع وقف تنفيذها.
بدلاً من الانتقام على نطاقٍ واسع، تبنى الحزب والحكومة سياسة منفتحة: تبنّي برنامج تثقيف ايديولوجي وسياسي جماهيري. أصبح هذا النهج، الذي أعلنه يانوش كادار في خطابه الاذاعي في 11 تشرين الثاني أحد المبادئ الأساسية لسيساة حزب العمال الاشتراكي الهنغاري: "نحن نعلم أن هناك مسائل لا حصر لها يجب تسويتها في هذا البلد ولا يُمكن حلها بين عشية وضحاها. لهذا السبب قررنا أن نقول بصدق أننا لا نملك حتى الآن القوة والامكانية لحل هذه المسألة أو تلك. في رأينا، نحن لا نقبل المناصب في الوضع الحالي الصعب من أجل قول أشياء لطيفة، ولكن من أجل اخبار الناس بالحقيقة والتصرف لصالحهم". ان اتباع سياسة الانتفاح والتحدث بصراحة ُشكلان الوسيلة الأساسية لبناء الثقة بين الحزب والجماهير. انه حجر الزاوية والعامل الحاسم في السياسة الايديولوجية لحزب العمال الاشتراكي الهنغاري.
قدّمت حكومة العمال والفلاحين الثوريين الهنغارية دليلاً عملياً على سعيها المستمر لتلبية مصالح العمال المُبررة بما يتماشى مع الامكانيات المُتاحة لها. نص مرسوم حكومي تم تبنيه في 10 تشرين الأول على الغاء الضريبة على العائلة التي ليس لديها أطفال، وزيادة 8-10% من الأجور في الصناعة، وتعهّد الدولة بتحمل تكاليف ترميم المباني التي تضررت أثناء القتال، ومُراجعة السحب غير القانوني لمعاشات الشيخوخة، واُعلِنَ عن سياسة زراعية جديدة في 27 تشرين الثاني أنهت جميع عمليات التسليم الاجباري للمنتجات الزراعية وأنهت اعادة تجميع الأراضي في وحداتٍ أكبر، وأدانت انتهاكات المبدأ الطوعي للزراعة التعاونية، وضمنت المساعدة واسعة النطاق للأفراد والجماعات الفلاحية من أجل زيادة الانتاج الزراعي.
بدأت مشاركة الجماهير الشعبية في الوقوف الى جانب سلطة العمال بالبروز. في 6 كانون الأول، نظّمَت المُنظمات الحزبية مسيرات عُمّالية حاشدة في عدة مناطق من بودابست وتحوّلَت الى مسيرات في الشوارع شارك فيها عدة آلاف من الناس لدعم سلطة العمال وبناء الاشتراكية بقيادة يانوش كادار. شَعَرَ فلول العصابات المسلحة المُعادين للثورة أنه حتى "الشوارع" كانت تقع تحت تأثير القوى الاشتراكية وحاولوا القيام باستفزازات دموية لوقف هذا الاتجاه. أطلقوا النار على المشاركين في المسيرات بالقرب من محطة السكك الحديدية الغربية في بودابست، مما أسفر عن مقتل عاملة واصابة أحد أعضاء الميليشيا. رد العمال على هذه الاستفزازات بسلسلة أُخرى من المسيرات الأُخرى في بودابست والعديد من المُدن الاقليمية. اتخذت القوات الخاصة اجراءات أكثر حزماً لسحق أولئك الذين استمروا في اثارة العنف.
كان أعضاء الحزب يريدون أن يعرفوا الأسباب الكامنة وراء الأحداث والأشخاص الذين يجب تحميلهم مسؤولية ما حدث. في هذا الصدد كان هناك العديد من الاستنتاجات أُحادية الجانب. ألقى أحد الآراء اللوم في كل ما حدث على السياسة التي انتهجها راكوشي ومجموعته. وألقى رأي آخر باللوم على ايمري ناجي فقط. تم الاعراب عن الاعتقاد بأن طلاب الجامعات هم المسؤولون عن اندلاع القتال. وقيل أيضاً أن المفكرين هم المسؤولين عن الانحلال الفكري. هناك أيضاً أشخاص اعتقدوا أن الشباب الهنغاري بأكمله كان مسؤولاً.
أثارت حقيقة أنه تم تعريف الأحداث بأكملها على أنها ثورة مضادة، أثارت الجدل العام الساخن. رفض جماهير الناس الذين انخرطوا في الأحداث أو انجرفوا بطريقة مُضللة بطريقةٍ أو بأُخرى القول بأنهم مُعادون للثورة، لأنهم انطلقوا من رؤية أنهم يريدون تصحيح الاشتراكية.
اجتمعت اللجنة المركزية المؤقتة لحزب العمال الاشتراكي الهنغاري للمرة الأولى في الفترة من 2-5 كانون الأول. وكان هناك نقاش مفتوح وصادق ومتعدد الجوانب حول تقييم الوضع والمهام المُقبلة.
انتهى التحليل الشامل الذي أجرته اللجنة المركزية بتبني قرار وصف الأحداث في مُجملها في ضوء حقيقة أن الصراع المسلح والخيانة التحريفية كانت موجهة ضد سلطة الشعب، بأنها ثورة مضادة. لكن الشباب الذين شارك غالبيتهم في مظاهرة 23 تشرين الأول بهدف تجديد الاشتراكية لم يتم تصنيفهم على أنهم مُعادون للثورة. وفي مَعرَض مناقشة تحركات الجماهير العُمالية وأفعالها، نص القرار على أن "السياسة الشللية التي انتهجتها القيادة الحزبية القديمة أدت الى نشوء حركة مُعارضة ديمقراطية واسعة في الفترة التي أعقبت صيف عام 1953، قبل كل شيء، داخل الحزب، ثم في صفوف الشغيلة تحت قيادة الشيوعيين. كافحَ الشيوعيين والجماهير الديمقراطية غير الحزبية التي شعرت بالمرارة والخيبة من أجل تصحيح الأخطاء الجسيمة، وظلّت مُخلصةً للنظام الاشتراكي لجمهورية هنغاريا الشعبية". كان للقرار أهميةً تاريخيةً، وحدد العوامل التي "مارست تأثيرها في وقتٍ واحد وبشكل متشابك واجتمعت لتؤدي الى تحوّل مأساوي في الأحداث".
"1- منذ نهاية عام 1948 انحرفت زمرة راكوشي-غيرو التي كان لها تأثير حاسم في القيادة المركزية لحزب العمال الهنغاري وفي حكومة جمهورية هنغاريا الشعبية، عن المبادئ الأساسية للمار كسية اللينينية.
2- لَعِبَ الجناح الحزبي المُعارض، الذي تشكّل في السنوات الأولى ونمى باطراد والذي احتشد حول ايمري ناجي، دوراً رئيسياً في أحداث تشرين الأول، ونتيجتها المأساوية.
3- كانت الثورة المضادة الهورثية والرأسمالية الهنغارية مالكة الأراضي، والتي كان لها قوة كبيرة تعمل بشكلٍ غير قانوني في الداخل، في حين اجتمعت قواها الرئيسية وانتظمت في ألمانيا الغربية، عاملاً أساسياً في التحضير لأحداث أكتوبر والمشاركة فيها.
4- أخيراً، لعبت الامبريالية الدولية، التي كانت أهدافها تذهب أبعد من المسألة الهنغارية، دوراً حاسماً وأساسياً في الأحداث".
وأكدت اللجنة المركزية المؤقتة، فيما أكدت، أن "الموقف البروليتاري الأممي لحزب العمال الاشتراكي الهنغاري والصداقة الوثيقة مع الاتحاد السوفييتي ودول الديمقراطية الشعبية هو أساس سياستنا الخارجية وفقاً لمبادئ لسيادة والاستقلال الوطني الكامل"(119).
كان قرار اللجنة المركزية هذا مُهماً في تسريع عملية التعزيز الاشتراكي لأنه أعطى تقييماً واضحاً للوضع، وحدد مهام الشيوعيين والوطنيين المستعجين للعمل الموحد من أجل الاشتراكية. تجلّى ذلك من خلال الأحداث والتطورات المحلية في النصف الأول من عام 1957.

انتهى

107- The Recollections of D. Soldatic. Viesnik, November 28, 1977
108- Egyetemi Ifjúság November 4, 1956
108- J. Kadar: Selected Speeches and Interviews. Akademiai Kiado, Budapest 1985, p. 183.
109- Ibid„ p. 171
110- Ibid., p. 183
111- szabad Nep, November 6, 1956
112- Ibid
113- J. Kidar: A szocializmus teljes gyozelmeert (For the Complete Victory of Socialism). Kossuth Konyvkiado, Budapest 1962. p. 49
114- Nepszabadsag, November 8, 1956
115- Legyozhetetlen erO. A magyar kommunista mozgalom fejlodesenek 50 eve (Invincible Force. Fifty Years of the Hungarian Communist Movement). Kossuth Konyvkiado, Budapest 1968, pp. 235-236
116- a Magyar Forradalmi Munkas-Paraszt Kormany koztrdeku rendeletei es nyilatkozatai (Decrees and Statements of Public Interest by the Hungarian Revolutionary Workers* and Peasants* Government). Budapest 1956, p. 4
117- Nepszabadsag. November 8, 1956
118- Magyar Forradalmi Munkas-Paraszt Kormany kozerdeku rendeletei es nyilatkozatai (Decrees and Statements of Public Interest by the Hungarian Revolutionary Workers’ and Peasants’ Government). Vol. 2, Budapest 1956. pp. 21-22. and pp. 26-27
119- A Magyar Szocialista Munkaspart hatarozatai es dokumentumai (Resolutions and Documents of the Hungarian Socialist Workers’ Party, 1956-1962). Kossuth Ktinyvkiadb, Budapest 1964, pp. 13-24

ترجمة
Counter-Revolution in Hungary 1956: Words and Weapons, János Berecz, Second Edition, Akademiai Kiado, Budapest 1986



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World