خدعوكم فقالوا إنها ثورة ! (2/1)

محمد بن زكري
zakri50@yahoo.com

2021 / 5 / 6

* وُجوب الثورة .. لكن

كان لابد لـ (ثورة) الفاتح من سبتمبر أن تكون ، و كان لابد لـ (ثورة) 17 فبراير أن تكون . الفرق بين الفاتح و سبعطاش ، هو أن الفاتح بدأ انقلابا عسكريا (أبيض) دون إراقة دماء ، مدفوعا من الأساس بأوهام قومجية عروبية معلقة في الفراغ خارج الواقع و التاريخ ، ثم تحول إلى حركة عنف استبدادي تصفوَي ، دفاعا استباقيا ضد خصوم محتمَلين ، واقعيين أو افتراضيين ، ثم تطور - حينا يسيرا من الزمن - إلى رُبع ثورة ترطنُ لغةً يساروَيّة هجينة ، ثم انتكس كما كان متوقعاً له ، موضوعياً ، أن ينتهي منتكسا - بصورة حادة - إلى ثورة مضادة ، تجمع بين : اليمين النيوليبرالي ، استنساخا من النموذج الأميركي للنيوليبرالية ، بما هي أيديولوجيا سياسية اقتصادية ، زائداً اليمين الديني المؤدلج سلفيّاً ، من الإخوان المسلمين و مشتقاتهم (ما يسمى الإسلام السياسي) . أما الحدث الفبرائريّ ، فقد بدأ انتفاضة شعبوية عشوائية ، غارقة في بحار الدماء و مفازات الدمار ، مدفوعة في جانب منها - اجتماعيا و معيشيّاً - بمزيج من الآلام المتراكمة و الآمال المتوهَّمة لجماهير الفقراء المحرومين من ثروة بلدهم الغنيّ بالنفط و الغاز ، و مدفوعة في جانب آخر منها - قبَليّاً و أيديولوجيّاً - بالثأر لقتلى الجماعات الإسلامية ، في واقعة يوم السبت 29 يونيو 1996 بسجن بوسليم ، التي جاء في تقرير عنها ، أعدته منظمة التضامن لحقوق الإنسان (نُشر بصحيفة ليبيا المستقبل الالكترونية) ، أنه قد سقط فيها 1158 قتيلا ، برصاص عناصر أمن النظام ، و كان أهالي المفقودين و الإسلاميون قد دأبوا على تنظيم وقفات للتضامن الاحتجاجي مع قضيتهم ، كل يوم سبت ، في مدينة بنغازي ، بصحبة موكلهم المحامي فتحي تربل (أول وزير للشباب و الرياضة بعد الانتفاضة) ، دون أن يمنعهم النظام من ذلك (أنظر الرابط) ..
http://www.youtube.com/watch?v=8ywcpNI78_E

و في تلك الوقفات الاحتجاجية تحديدا و بالذات ، ظهرت الدعوة إلى تظاهرة 17 فبراير 2011 ، إحياءً للذكرى الخامسة لقتلى موقعة حرق القنصلية الإيطالية ببنغازي عام 2006 ، في هجومٍ (جهاديّ) للجماعات الإسلامية على القنصلية ، كما ستأتي الإشارة إليه لاحقا .
فكل الفرق بين (الثورتين) ، هو أن (الفاتح من سبتمبر) مرّ بتحولات تغلُب عليها التجريبية المحكومة بمزاجية (الأخ القائد) ، ثم انتكس - و خاصة في عشريته الأخيرة - من رُبع ثورة يساروَيّة شعاراتية ، إلى ثورة مضادة ، و قد شاخ و تفسخ ، و نخره الفساد . و آل قائده إلى دكتاتور هزليّ ، حتى صار مسخرة العالم ، عندما أعلن نفسه ملكا متوجاً (بتاج ذهبي) لملوك أفريقيا التقليديين ، و تسلم الصولجان الملكيّ ! في مهرجان حاشد باهظ الكلفة ، أقيم يوم الخميس 28 أغسطس 2008 ، بمدينة (بنغازي) ! (أنظر الرابط)
http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/world_news/newsid_7589000/7589250.stm
و من ثم فقد كان لابد لثورة الفقراء و المفقَرين أن تنفجر ، حيث كانت سياسات الليبرالية الجديدة (مشروع ليبيا الغد) بقيادة مباشرة من وريث العهد سيف الإسلام القذافي ، و بقيادة خلفية من صندوق النقد الدولي و حكومة وول ستريت ، تذهب بالبلاد إلى الانهيار التام و التبعية المطلقة لنظام العولمة الاقتصادية الراسمالية ، و تُلقي بملايين المفقرين من الشعب الليبي إلى مستويات لا إنسانية من بؤس الأوضاع المعيشية ، حرمانا من التمتع بثروة بلادهم ، التي يرونها تُنهب لتنعكس في مظاهر استفزازية من حياة الترف للقلة المنعَم عليها ، أو تُهدر - بمئات ملايين الدولارات - في أوجه من سفه الإنفاق المالي ، لا جدوى منها و لا طائل من ورائها .
لكن ، بالعكس تماما من المأمول وطنيا و تقدميا ، كان حراك (17 فبراير) منذ أيامه الأُولى ، قد بدأ - كما لا زال مستمراً - ثورة مضادة ، ركب موجتها الشعبوية صيادو الفرص من الجناح الأشد يمينية - و انتهازية - في نظام معمر القذافي ، متمثلا في تحالف براغماتي واسع ، يضم شخوصا من تيارات : الليبرالية الاقتصادية (الكومبرادور) ، و دعاة النيوليبرالية (مشروع ليبيا الغد) ، و أثرياء القبائل ومناطق الدواخل (المشايخ و الوجهاء و الأعيان !) ، و الجماعات الإسلامية (الإسلام السياسي) ، المنشقين عن النظام ؛ زائدا المتربصين من مزدوجي الجنسية - أو هم بالأحرى فاقدو الجنسية الليبية قانونا - الذين كانوا في أغلبهم من جماعة و تنظيمات الإخوان المسلمين المهاجرة (المعارضة عن بُعد بالخارج) .


* ثورة القميص

لم يكن مفاجئا ، و ليس مستغرَبا أن تنحرف (ثورة !) الربيع العربي ، في نسختها الليبية 17 فبراير ؛ فتذهب في التطبيق العملانيّ ، بعيدا جدا عن تلك الشعارات ذات البريق السرابيّ ، الفارغة من المحتوى ، حول أهداف الحرية والعدالة الاجتماعية و دولة المؤسسات و القانون . و لم يكن مفاجئا أن يجرفها تيار التأسلم ، فتجنح اقتصاديا و اجتماعيا إلى أقصى اليمين الليبرالي ، المتداخل عضويا ، مع تيار الإسلام السياسي (الليبرالية الاقتصادية و الإسلام السياسي ، وجهان لنفس الميداليا) ، و ينتهي بها الأمر إلى تبني غاية واحدة ، هي تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ، المتناقضة تماما مع الميثاق العالمي لحقوق الإنسان و القانون الدولي الإنساني ، وينحصر همها في مطلب واحد ، هو دسترة الشريعة الإسلامية كمصدر أساس للقوانين ؛ تطابقا مع مقولة : " القرآن شريعة المجتمع " ، في وثيقة الإعلان عن قيام سلطة الشعب ، الصادر عن مؤتمر الشعب العام في 2 مارس 1977 . (أنظر الرابط) ..
https://security-legislation.ly/ar/node/33037
و ذلك ترجمةً سياسيةً لما ورد في الكتاب الأخضر (ص 55 – 60) تحت عنوان : شريعة المجتمع ، من جهة ؛ و من جهة أخرى ، نكوصا سلفيّاً إلى ملاذ القرن السابع ، و هروبا من مواجهة استحقاقات الحياة المتحضرة في القرن الواحد والعشرين ؛ و هو (النكوص السلفيّ) ما أُعيدَ إنتاجه في الإعلان الدستوري لنظام 17 فبراير ، الصادر عن المجلس الوطني الانتقالي ، بتاريخ 3 أغسطس 2011 ، بنص المادة (1) على أن الدولة الليبية " دينها الإسلام ، و الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع " . (أنظر الرابط) ..
http://extwprlegs1.fao.org/docs/pdf/lib128759.pdf
و هو - أيضا - ما حرصت لجنة إعداد مشروع الدستور (أشد الحرص) على تضمينه و ترسيخه ، في مقترحها للدستور الجديد (مسودة أبريل 2017) ، في نص المادة 6 : مصدر التشريع ، بهذه الصيغة : " الإسلام دين الدولة ، و الشريعة الإسلامية مصدر التشريع " ؛ التي تؤسس لقيام دولة دينية ، و تلغي - ضمنا و إلزاما - كل مواد الباب الثاني بشأن الحقوق و الحريات في نفس مشروع الدستور ، خاصة و أنه قد تم تحصينها (بنص المادة 193) ضد أي تعديل ، إلا التعديل بما يعززها ! . (أنظر الرابط) ..
https://hnec.ly/wp-content/uploads/2017/08/1%D9%86%D8%B5-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1.pdf
و بقليل من التفكير ، نجد أن ذلك لا يحمل عنصر المفاجأة إطلاقا ، فما يسمى ثورة الربيع العربي في ليبيا ، قد ارتبطت أصلا بذكرى المظاهرة الشعبية الوحيدة التي سجلها التاريخ ، يوم 17 فبراير 2006 ، على مدى اثنين و أربعين عاما من الاستبداد التيوقراطي و قمع الحريات و الأحادية ، حيث كان المتطرفون الإسلاميون قد أغاروا - يومئذٍ - على القنصلية الإيطالية في بنغازي و أحرقوها ، احتجاجا ضد قميص (تيشرت) وزير إيطالي ، يحمل رسوما ساخرة من النبي محمد (سيد الخلق أجمعين !) ، هي نفسها الرسوم الكاريكاتورية ، التي نشرتها صحف دانمركية و نرويجية و ألمانية و فرنسية ، و اعتبرها الإسلاميون الليبيون - في بنغازي - إساءة لا تغتفر ، يهون من أجل ردها بذل الأرواح ودخول السجون ! ما ردت عليه عناصر النظام من الأمن و اللجان الثورية ، بإطلاق الرصاص على المتظاهرين ، فسقط منهم 10 قتلى ؛ إذْ كانت التظاهرة قد تجاوزت حرق القنصلية الإيطالية ، إلى أعمال شغب صاحَبتْها هتافات مناوئة لشخص معمر القذافي : " لا إله إلا الله و معمر عدوّ الله " ، بالرغم من أن النظام كان قد سبقهم إلى الاحتجاج لدى الدول الأوربية ، التي نُشرت بها تلك الرسوم المسيئة للنبي محمد ، فاستجابت الحكومة الإيطالية بالاعتذار رسميا ، و قدم الوزير الإيطالي - صاحب القميص - روبرتو كالديرولي استقالته من الحكومة . أما الحكومة الدنمركية التي ردت بأنها لا تستطيع التدخل في حرية التعبير ، فقد قابلها النظام (29 يناير 2006) بقطع العلاقات الدبلوماسية و طرد سفير الدنمرك لدى ليبيا ! . (أنظر الرابط) ..
http://news.bbc.co.uk/2/hi/europe/4660796.stm
فليس غريبا إذن ما نراه اليوم - و على مدى العشرية السوداء الفائتة - من تداعيات (ثورة التكبير !) ، التي ارتبطت بذكرى مظاهرة احتجاج (17 فبراير 2006) ، نُظمت في بنغازي (عاصمة الثورة) ، ضد قميص ملبد بفكرة رسومات كاريكاتورية ، كثيرا ما طالت شخص و تعاليم المسيح بسخريتها الانتقادية اللاذعة ، بما ليسوع المسيح من قداسة و رمزية ربوبية عند المؤمنين المسيحيين ، فلا يقابلها المسيحيّ إلا بابتسامة ؛ قبل أن تطال النبي محمدا ، تجسيدا لنصوص دينية من داخل التراث الإسلامي نفسه ، و ليس افتئاتا عليه من خارجه ، فتقوم قيامة (أمة محمد) و لا تقعد .
وما كان أيسر و أصوب أن يواجَه ذلك التصرف غير اللائق - دبلوماسيا - بمسؤولية وزير ، في العلاقات الدولية ؛ بمذكرة احتجاج شفوية .. على أقصى الافتراضات ، و هو ما فعلته وزارة الخارجية الليبية في حينه . و لكن للإسلاميين رأيا آخر ، هو ما كان وما هو كائن وما سيكون من تداعيات كارثية لثورة القميص .
فمَن أطلق شرارتها الأولى ، تصعيدا لتظاهرة 17 فبراير 2011 إلى تمرد مسلح ضد النظام ، لتمتد حرائقها المشتعلة من بنغازي (مهد ثورة التكبير) ، فتعم الأرض الليبية ؛ هم الإسلاميون في الشرق الليبي (برقة) ، مِن جماعات و تنظيمات الإسلام السياسي : كالقاعدة ، و أنصار الشريعة ، و الإخوان المسلمين ، و الدولة الإسلامية (داعش) ، و شهداء بوسليم ، و الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة ، و السلفية المدخلية ، و غيرها من الجماعات الإسلامية الأصولية و التشكيلات التنظيمية المكونة لتيار الإسلام السياسي ، التي تبلورت لاحقا في دروع الشرقية و الوسطى و الغربية ، بقيادة مجالس شورى المجاهدين و تنظيم الإخوان و غرفة عمليات ثوار ليبيا .


* انتفاضة الجياع

و لأن الأوضاع المعيشية للأغلبية العددية الساحقة (المسحوقة) ، من المواطنين - الأهالي - على امتداد كل الجغرافيا الليبية ، كانت قد تدهورت منحدرة بشدة إلى مستوى خط الفقر المطلق ، جرّاء سياسات التهميش و الإفقار (المنظم) و التجويع و خصخصة شركات القطاع العام و تصفية مؤسساته ، مع استقالة الدولة من وظيفتها الاجتماعية و تخليها عن دورها الضامن ، خلال العشرية الأخيرة - النيوليبرالية - من حكم معمر القذافي ، انغماساً كومبرادوريّاً في التحول إلى اقتصاد السوق الراسمالية الحرة ، في دولة اقتصاد ريعيّ يعتمد على واردات بيع النفط ! ، و تطبيقا لرؤى و أهداف مشروع ليبيا الغد النيوليبرالي ، المصاغ في جانبه الاقتصادي ، بواسطة مؤسسة مونيتور غروب (monitor group) الأميركية الدولية للاستشارات الاقتصادية و الستراتيجية ، بإشراف مايكل بورتر (Michael porter) الأستاذ بكلية هارفارد للأعمال (Harvard business school) ، تطابقا مع الأصل الأميركي الأشد غلوا أيديولوجيّاً في الفكر الاقتصادي الراسمالي ؛ حيث كان (مشروع ليبيا الغد) هو برنامج العمل لحكومتيْ شكري غانم و البغدادي المحمودي (2003 – 2011) ، في تطبيق جائر للأيديولوجيا الاقتصادية / السياسية النيوليبرالية ، و قد أسس النظام لذلك تشريعيا ، بإصدار عدد من قوانين و قرارات التحول إلى نظام اقتصاد السوق الحرة (الانفتاح) ، الذي بدأت به حكومة جاد الله عزوز الطلحي منذ الثمانينات .
و من تلك التشريعات الانفتاحية : قانون رقم 9 لسنة 2010 بشأن تشجيع الاستثمار ، و لائحته التنفيذية . و قانون رقم (12) لسنة 2010 بشأن إصدار قانون علاقات العمل و لائحته التنفيذية . و هو تشريع يعفي الدولة (لأول مرة منذ الاستقلال) من الإيفاء بواجبها في ضمان حق العمل للخريجين الجدد و تشغيلهم في مجالات تخصصهم (بمن فيهم الأطباء !) ، و يجيز للوحدات الإدارية الحكومية ، استخدام المواطن الليبي المعطل عن العمل ، بعقد استخدام مؤقت ، هو في حقيقته « عقد إذعان » يشرعن الاستعباد و العبودية (و خصوصا في علاقات العمل بالقطاع الخاص) . و قانون رقم 23 لسنة 2010 بشأن النشاط التجاري ، و هو تشريع نيوليبرالي رهيب ، يتكون من 1359 مادة ، يطلق آليات و قوانين السوق الراسمالية و التجارة الحرة (دعه ينهب دعه يمرّ) ، و يطلق أيدي التجار في إدارة الاقتصاد الوطني و التحكم به . (و مثالا لذلك ، و دليلا عليه ، أنظر مقالنا على الرابط )
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=703362
و من تلك التشريعات الانفتاحية أيضا : قرار اللجنة الشعبية العامة (مجلس الوزراء) رقم 118 لسنة 2007 بإصدار لائحة « تمليك الشركات العامة » ، و قرار اللجنة الشعبية العامة رقم 89 لسنة 2009 بتأسيس « الهيئة العامة لتشجيع الاستثمار وشؤون الخصخصة » ، حيث تم تفصيل المادة (3) من القرار ، بفقراتها الـ 14 ، على مقاس و هوى (الطبقة الجديدة) و شركائها من المستثمرين - الوهميين غالبا و النصابين - الأجانب ، لدعمهم بالتسهيلات و الامتيازات و الإعفاءات . (أنظر الرابط)
https://security-legislation.ly/ar/node/34717

و الهيئة العامة المذكورة ، هي الجهة الحكومية التي أوكِلت إليها مَهمة " نقل ملكية الشركات و المنشآت العامة - المملوكة للشعب ، بإدارة جهاز الدولة - إلى القطاع الخاص " ، أي بيع أصول الدولة الليبية ، الممولة من الخزانة العامة - ملك الشعب الليبي كله - إلى قِلة من أثرياء السطو المنظم على المال العام (الطبقة الجديدة) ، متعددة العناصر التكوينية ؛ التي نبتت طفيليّاً في تربة الفساد ، و نمَتْ كتورم سرطاني متناسل في جسد الدولة ، تحت بصر النظام ، و برعايته التفضيلية ؛ الأمر الذي مركزَ الثروة - متداخلة مع السلطة - في أيدي تلك القِلة من المنتفعين بمختلف فئاتهم (قياديو و عناصر الصف الأول من تنظيم اللجان الثورجية / نموذجا) ، بينما أحال حياة أغلبية الشعب الليبي إلى سلسلة متصلة الحلقات الجهنمية ، من الشقاء و الفقر و الحرمان ؛ و ذلك بوتيرة متسارعة من الاستقطاب الطبقي الحاد ، انقساما رأسياً إلى أصحاب ملايين مُترَفين و أصحاب ملاليم مجوَّعين ؛ ما دفع بآلاف الشباب من أبناء الفقراء ، إلى الانخراط ، عشوائياً ، في انتفاضة 17 فبراير المسلحة ، التي وجد فيها (المقهورون) متنفسا لتفريغ طاقة انفجارية حبيسة من مخزون العنف المتراكم في النفوس ، انتصارا للذات المهدورة ، و تخففا من الضغط النفسي الداخلي بتوجيهه إلى الخارج نحو (المتسلط) ، و تعبيرا عن الغضب الشعبي المكبوت ؛ بهدف إسقاط النظام (مصدر القهر و التهديد الوجودي) ، و أملا بتغيير (سياسي ، اقتصادي ، اجتماعي) ، بإنتاج نظام حكم رشيد ، ذي مضمون ثوريّ تقدمي ، يلبي تطلعات الأغلبية الشعبية المفقَرة اقتصاديا و المغبونة اجتماعيا و المقصاة سياسيا ، فتستعيد معه إنسانيتها المهدورة ، و يتحقق لها بأدائه الحكومي مستوى عالٍ من جودة الحياة ، و إشباع متزايد للحاجات المادية و المعنوية ، في بلد مؤهل موضوعيا - بفائض موارده الاقتصادية و قلة عدد سكانه - للخلوّ تماما من الفقر و الفقراء .
----------
يُتبع 2/2



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World