تشكيل الكينونة والمحاكاة الساخرة لبنية السارد العليم في رواية الواحدة بتوقيت العاصفة لمحمد صفوت

محمد سمير عبد السلام
m-sameer@hotmail.com

2021 / 5 / 3

يضعنا سارد محمد صفوت داخل عالمه الإدراكي مباشرة – في روايته الواحدة بتوقيت العاصفة، صدرت عن دار غراب بالقاهرة، 2019 – عبر تبئير داخلي وفق تعبير جينيت؛ ويرتكز هذا التبئير على شخصيته، ويعمق أزمته الوجودية من خلال مواجهته المباغتة مع فراغ عبثي يذكرنا بعوالم صمويل بيكيت؛ فالسارد يواجه فراغا مؤقتا، أو دائريا، يستدعي إعادة تشكيل الكينونة، وعلامات العالم، ولو بصورة مجازية؛ وهو يبدأ وصف أزمته الوجودية ببنية احتجاب الحدث الذي ولد هذا الفراغ المؤقت، كما يوغل في حالة أدائية، تبدو تمهيدا لفعل الحكي التعويضي عن هذا الفراغ.
إنه لا يعرف إن كان العالم سيعود غدا، أم لا، ويعتقد أنه هو الناجي الوحيد، ويوغل في الركض، وطرح الأسئلة. (1)
لقد تباين إيقاع السرد بين بطء التفكير فيما حدث، ودرجة الحدوث، أو الحدوث المحتمل، أو اللاحدوث، وسرعة إيقاع حالة الركض التي تبدو عتبة للحكي الصاخب القادم بوصفه تشكيل للذات؛ ومن ثم يحيلنا السارد إلى موقع آخر؛ سيكون الموقع التمثيلي للسارد العليم، وليس هو السارد العليم ضمن وظائفه القديمة التي لا تحكي الحدث من منظور نسبي؛ وإنما سنلاحظ أنه موقع نسبي مغاير يعيد تمثيل دور السارد العليم في سياق تشكيل الشخصيات، ثم الحوار معها، أو مراقبة انفلاتها الكامل عن هيمنته حين تتحدث بأصواتها الخاصة، أو حين يحرضها على الفعل، دون هيمنة، أو حين تعلن مقاومتها لحضوره المركزي المؤجل.
وقد يستعمل السارد منظارا، ويكرر تلك الإحالة – في خطابه – إلى المنظار، أو إلى اللقطة، بينما يبغي أن ينسج رواية بصوت الراوي العليم؛ وقد تواترت الإحالة إلى اللقطة – ضمن وظائف السارد – في الواقعية الفرنسية الجديدة لدى سيمون، وبوتور، وغرييه؛ وأطلق عليها بارت المنظور غير الشخصي؛ أي الذي يجسد الشيء من الخارج بلغة الكاميرا؛ ومن ثم فبنية السارد العليم المتخيلة تنفك ابتداء في فعل مراقبة الصور؛ وربما يريد السارد أن يحيلنا – عبر استخدام المنظار – إلى تلك الصور، والانطباعات الأولية التي ستحفز خياله؛ لينسج الرواية وفق تمثيلات الراوي العليم؛ ولكننا سنكتشف – بصورة تدريجية – أننا داخل لعبة تقوم على المحاكاة الساخرة ما بعد الحداثية لبنية الراوي العليم المستدعاة من الماضي؛ فهو يحاكي بكارة تشكيل الراوي لعالمه المتخيل بينما يحيلنا إلى الاحتجاب المضاعف الكامن فيما وراء علامة المنظار.
يخبرنا السارد أنه قام بنصب مناظير كثيرة في غرفة على ربوة عالية؛ لينظر إلى الغرف، والنوافذ؛ ويتوقع حدوث العلاقات الغرامية، والمآسي، والآلام وراءها. (2)
إن المناظير توحي ببنية العمى المجازي الذي يشبه الفراغ العبثي الأول الذي واجه السارد، بينما تشير إلى البصيرة الخيالية الذاتية في توقع وجود عالم تقليدي مملوء بالغرائز، والانفعالات، والأفكار، والأيديولوجيات، والصراعات خلف النوافذ التي توحي باحتجاب آخر، وكشف مؤجل للشخصيات التي يمكنها مقاومة النماذج عبر تناقضاتها الذاتية المحتملة، ومصائرها الفريدة الغامضة.
ويستمر السارد في تشكيل كينونته عبر مجموعة متشابكة من الشخصيات، وشبكة واسعة من أنساقها الخطابية المتضادة، والمتنوعة؛ نذكر منها خطاب المهرج الذي يتناقض بين البهجة، والنحيب، وإرضاء الجمهور، ومقاومته؛ ونجد الراوي يصفه بالحكمة، والسخف معا؛ ثم سلطان / النقيض، أو البودي جارد المتفوق بدنيا، والذي يقع في حب فاتن بسهولة، ويصير لينا، والعجوز ضعيف الذاكرة الذي يراقب سيدة حبل الغسيل، ويشكل – من خلالها – عالما افتراضيا آخر؛ وشادي وحواراته العلمية – العاطفية مع سلمى التي كانت ثابته الوحيد، وتشبه الفراشة المتعلقة بالتمرد، أو العودة للوطن، ثم بزوغ نقيضه / حازم العاشق؛ ود. شاكر الأيديولوجي المتوائم، وشخصية نزار المهاجر الذي يبحث عن الهوية، والفتاة المراهقة التي تتجلى كصورة نماذجية لبكارة الأنوثة في النص، والدرويش الصوفي صاحب اللغة الغامضة؛ وسنلاحظ أن هذه الشبكة الكبيرة من الشخصيات تنطوي على خطابات تذكرني بالجماليات التكعيبية في الحداثة، ووفرة الأشكال النسبية لوجهات النظر المتعارضة في بنية هذا المجتمع الجديد، أو العالم الخيالي الشبحي في وعي، ولاوعي فرد يحاول تشكيل كينونته في الفراغ العبثي، بينما يحاكي الراوي العليم بصورة ساخرة؛ وإلا فلماذا يقر باحتجاب المصائر، والحقائق في النهاية؟، ولماذا يحض شخصية شادي على الانتحار؟، ولماذا يعترف بإغواء فعل السرد، وينسب للسرد، لا لنفسه تطوير الحكاية؟
وسنلاحظ إغواء السرد للسارد العليم التمثيلي المؤجل في هذا المقطع من خطابه؛ يقول السارد:
"لولا شخوصي لأكلتني الوحدة في هذا العالم الذي صنعته حولي؛ من وجودهم أستمد وجودي ... أتجلى في الدرويش، وعباراته الغامضة، في حزن المهرج الدفين...، في قوة سلطان الغاشمة". (3)
وإذا قمنا بتحليل الخطاب السابق، سوف نلاحظ أن السارد العليم التمثيلي يحيلنا – بدرجة رئيسية – إلى ما وراء وظيفته كراو؛ فهو لا يهدف إلى أن يتخذ الموقع القديم للراوي العليم، ولكنه يؤسس لفعل تشكيل الكينونة الوجودية عن طريق إغواء فعل السرد، أو إغواء الأداء التمثيلي الذي ينطوي على الاتحاد الروحي بالشخصية؛ لهذا تعددت أسماء الشخصيات – في الخطاب – طبقا لتعددية ضمير المتكلم، بينما جاءت صفة الغاشمة مرة واحدة؛ وهي تعكس إحدى وظائف الراوي العليم في رؤية الشخصيات من الخلف بمنظور أشمل؛ ومن ثم يعزز الخطاب من حالة الذوبان في فعل السرد، أو في حالة إغواء الأداء التمثيلي للآخر الذي يذكرنا بفعل الركض في بداية النص.
ويمكننا قراءة بنية الغيرة – في النص – من داخل مربع غريماس السيميائي الدلالي؛ فهي تنطوي على احتجاب، واحتمالية، وتحقق في آن.
يرى غريماس وفونتانيه – في كتابهما سيميائيات الأهواء – أن الغيور – في نصوص الأدب – يتحول – في سيميائيات السرد – إلى ذات معرفية؛ أي يستنطق باستمرار أشياء، يرى أنه يجب الإخبار عنها، ثم يبني تصوره الخاص الذي يقوم عليه التحريك؛ وقد لا يكون الموضوع موجود فعليا – بصورة مباشرة – وإنما تحيلنا الذات إلى عمليات؛ مثل تمثل التصورات، والتحكم فيها، واستمرارية التحريك. (4).
هكذا يؤسس كل من غريماس، وفونتانيه – في سيميائيات الأهواء – إلى بنية المراقبة واكتمالها الداخلي المحرك للغيرة سرديا؛ بغض النظر عن اكتمالها في الواقع نفسه؛ وسنجد أن سارد محمد صفوت؛ سيقوم بمراقبة الذات المراقبة / ذات شادي تمثيليا، حتى تصل إلى الاكتمال، وتنفيذ انتقامه، ولكنه سيظل أيضا تنفيذا مؤجلا؛ لأنه يقع بين شخصيات بنيوية ورقية؛ ولإقرار الراوي أن رؤية شادي كانت غائمة؛ ومن ثم تتعدد بنى الغيرة، والغيرة الشكلية في السرد؛ وإذا طبقنا مربع غريماس السيميائي على المشهد؛ سوف نلاحظ التعارض البنائي / الدلالي بين الغيرة الأصلية، والغيرة الشكلية التمثيلية بين شخصيات ورقية، يقوم فيها السارد بدور المراقب بالإنابة؛ وسنجد أن بنية الغيرة الأصلية، تستلزم – في محور الاختلاف – احتجاب الحدث، أو تأجيله حين تنهض الأطياف، وتقاوم التجسد الفيزيقي للحدث؛ وسيقابل الغيرة الشكلية – في محور الاختلاف – ارتقاء حدث القتل في بنية السرد لمستوى الواقع المرئي للسارد حين يصاحب شخصياته في واقعهم، أو حين يتخد حالة مراقب واقعي محتملة.
ويمكننا أخيرا تطبيق مربع غريماس السيميائي / الدلالي على بنية الراوي العليم نفسه في النص؛ وذلك عبر التعارض البنائي بين تجليه كمنشئ للشخصيات عبر مخطوطاته، وكتابة الشخصيات لمصائرها بنفسها، حين تقاومه، أو حين تختار فعلا دون آخر في النهاية؛ وسوف نجد أن بنية الراوي العليم القديمة، تستدعي – في محور الاختلاف – انفلات مصير الشخصية، مع احتجابه – في آن – عن إدراك الراوي، وتستلزم بنية كتابة الشخصيات لمصائرها – في محور الاختلاف – أن الشخصيات لن تخرج عن مسار الراوي، وتوقعاته؛ لأنه دائما ما كان يذكر نفسه بالعودة لمخطوطه، ووظيفته، والتي يؤكد النص أيضا أنها كانت شكلية إلى حد كبير.
*هوامش الدراسة /
(1) راجع، محمد صفوت، الواحدة بتوقيت العاصفة، دار غراب بالقاهرة، 2019، ص 4.
(2) راجع، محمد صفوت، السابق، ص 9.
(3) راجع، ألجريداس غريماس، وجاك فونتانيه، سيميائيات الأهواء، ترجمة: سعيد بنكراد، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2010، ص-ص 286، 287.
(4) محمد صفوت، السابق، ص 68.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World