المهاجر و البلاد الأصلية 1

خليل قانصوه
khalilkansou@hotmail.fr

2021 / 4 / 24


لاشك في أن وسائل الإعلام التي تنشر و تبث بواسطة الشبكة الرقمية ، الامر الذي يتيح للمرء أينما وجدَ ، الإطلاع على الأخبار والآراء المنقولة ، غيرت الكثير في تعريف المهاجر و جعلته يحيا ازدواجية في الإنتماء بين البلاد الأصلية من جهة و البلاد التي استوطنها من جهة ثانية ! علما أنه ليس بالضرورة ان تعكس هذه الإزدواجية صراعا وجدانيا داخليا أو تبرر تمايزا ظاهرا للعيان ، عن الآخرين في الوطن البديل ، ولكن قد تمثل مرحلة قلق تسبق إنقطاع الجيل الثاني أو الثالث نهائيا عن البلاد الأصلية ، أو مرحلة طبيعية من التحلل والإندماج الثقافي بين الذي كان و بين الذي سيكون !

أكتفي بهذا التوضيح عن تحولات المهاجر فأنا لست بصدده ، تمهيدا لانتقل إلى التفكر في رد فعل المهاجر تجاه أصداء الأحداث في بلاده الأصلية . لا سيما أن الشبكة الرقمية تمكنه بدوره من التواصل والتراسل الدائمين . السؤال إذن يتعلق بمتابعة ما يجري و بفحوى التعبير عنه و الغاية المتوخاة من وراء ذلك ، هل هي رسائل عاطفية أم هي سياسية أم فكرية موجهة للجيل الجديد من خلال عرض تجربة شخصية انطلاقا من الذكريات عن أساليب العيش التي كانت معتمدة في البلاد دون أن تـُمكن الناسَ من فتح منافذ تجنبهم الوقوع في المأزق الحالي .

المقصود هنا هي هجرة أعداد كبيرة من سكان البلاد ، لأسباب إقتصادية و طلبا للعلم او لاستحالة ممارسة المتعلم للمهنة التي تعلمها ، الى غير ذلك من الأسباب ، أضف إلى أن الأوضاع جعلت بمرور الزمن أعدادا متزايدة تهجر البلاد أو تتحين الظروف و الفرص الملائمة لتحقيق ذلك .

لا بد من الإشارة هنا إلى أن موضوع الهجرة لم يحظ كما أعتقد ، بالإهتمام الذي يستحقه لالتماس دلالاته و استشراف عواقبه على ظروف العيش في البلاد التي تفقد قدرتها تدريجيا و بوتيرة متصاعدة ، على أن تجذب سكانها الأصليين و أبنائهم . بكلام آخر لم يُظهر الذين يضطلعون بادارة هذه البلاد سياسيا أهليتهم في هذا المجال كما أن المفكرين في علوم الإنسانيات أخفقوا ايضا في التشخيص ، أو منعوا من إزعاج الحاكم أو مخالفة ساكن الهيكل ، فتعذر العلاج الجمعي ، و ترك للفرد وحيدا ، البحث عن حل يناسبه شرط أن لا يعارض و لا يكفر . و هكذا كان .

عندما نقول أن مجريات الأحداث في البلاد الأصلية تولِّد لدى المهاجرمشاعر عاطفية تستثير التعبير فذلك مرده إلى وجود علاقة ما تزال تربطه بسكان هذه البلاد ، أما إذا كان تعبيره ذا فحوى فكرية فهذا يعكس على الأرجح الأمل المتبقي و المتجسد في تشجيع النقاش لعل المتحاورين يتوصلون إلى الامساك بطرف الخيط فيكتشفون القواسم المشتركة التي يمكنهم التوافق حولها بداية لوضع معالم مرحلية لخطة سياسية تنظم العيش المشترك ، ينطلقون منها لصياغة قواسم أخرى تغني العمل السياسي بصيرة و انضباطا . (يتبع)



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World