تنويعات على مقام الابارتهايد

نهاد ابو غوش
abughoshn@yahoo.com

2021 / 4 / 19

لا يبالي الإسرائيليون إذا قام الفلسطينيون بتسمية معازل الحكم الذاتي باسم دولة أو جمهورية أو اتحاد جمهوريات أو حتى امبراطورية، ليسموها كما يشاؤون، الأمر الجوهري هو أن إسرائيل وبرامج أحزابها تعمل على حرمان الفلسطينيين من اي مظهر من مظاهر السيادة على الأرض أو على الحدود والمعابر، أو على الأجواء وباطن الأرض وحتى على الفضاء الكهرومغناطيسي. التوجه الإسرائيلي يقضي بالسماح للفلسطينيين أن يعيشوا في منازلهم وداخل حدود قراهم وبلداتهم، ولكن مع حرمانهم من أي فضاء حيوي محيط بهذه المعازل، منحعم حقوق فردية مدنية ومعيشية وحرمانهم من اية حقوق وطنية أو سياسية.
وسبق ان تفتق ذهن بنيامين نتنياهو عن فكرة الدولة الفلسطينية من دون حدود. إسرائيل أيضا دولة من دون حدود معيّنة أو مرسّمة لا في قانونها الأساس الذي يقوم مقام الدستور المؤقت، ولا في نص قرار الأمم المتحدة الذي اعترف بها، ولا في أي معاهدة دولية، ولكن شتّان بين هذه وتلك، فحدود إسرائيل مفتوحة على التوسع والاستيطان. بينما افتقاد الدولة الفلسطينية الموعودة للحدود يعني نسف الأساس الذي اعتمدته قرارات الأمم المتحدة، أي حدود الرابع من حزيران لعام 1967، ثم غياب أي سيادة لهذه الدولة على الأرض والمعابر والأجواء.
حاول نتنياهو أن يعرض اقتراحه كنوع من التفكير الإبداعي الخلّاق، وكسر التفكير النمطي، ولولا التضليل والخداع المكشوفيْن، لكان ذلك مما يطرب له المختصون في الإدارة والريادة، ولكن الحقيقة أن من يتابع المواقف الإسرائيلية منذ خطاب نتنياهو في جامعة بار إيلان (2009)، وما رافقها من أعمال وإجراءات يدرك بوضوح أن إسرائيل عملت بأقصى طاقاتها لتقويض حل الدولتين، وبشكل محدد لمنع قيام دولة فلسطينية مستقلة، وقابلة للحياة.
فكرة نتنياهو القديمة – الجديدة هي امتداد للأفكار التي ما انفكّ يطرحها ساسة ومراكز بحث ودراسات إسرائيلية، وبعضها طرح على مائدة المفاوضات مثل اقتراح الحل الانتقالي طويل الأمد، ثم دولة بنظامين، أو دولة في غزة ولها نفوذ على "سكان" الضفة، وصولا إلى الحكم الذاتي الموسّع. وكلها أفكار واقتراحات تسعى للالتفاف على حل الدولة الفلسطينية، والإيحاء أن الاحتلال المؤبد هو قدر الفلسطينيين النهائي وأن أي حل قادم سيكون تحت سقف الاحتلال.
لا جديد في اقتراح نتنياهو الجديد سوى اسم الدولة، لكن الخطير في الموضوع هو السياق الذي يندرج فيه، وهو مواصلة الحديث عن تسوية إقليمية، تبدأ بتطبيع العلاقات مع الدول العربية "المعتدلة" وتأجيل تسوية القضية الفلسطينية إلى أجل غير مسمى، ثم الحديث عن اصطفافات إقليمية جديدة تنخرط فيها إسرائيل في حلف مع الدول العربية ذاتها ضد إيران.
وفي هذا الصدد تلقّى نتنياهو هدية من السماء من خلال استقالة سعد الحريري التي أعلنها من الرياض وقال فيها أن إيران هي مصدر كل الشرور التي يتعرض لها لبنان والمنطقة، وقد تلقف الإسرائيليون هذه الاستقالة كغطاء عربي محتمل لأي عدوان يمكن أن تشنّه ضد لبنان والمقاومة. وما يعنينا كفلسطينيين هو أن أي تصعيد مع إيران أو حزب الله سيساعد نتنياهو على التفلّت من أي التزام بتسوية القضية الفلسطينية، ويساعد على ترويج رؤيته للحل الإقليمي الذي يتجاوز قضية احتلال الأراضي الفلسطينية.

والغريب أن نجد بيننا من يرى في تدمير حل الدولتين مناسبة للترويج لفكرة الدولة الواحدة، وهي على كل حال مطروحة من جانب بعض الإسرائيليين، ولكنها حتما لن تكون دولة الحقوق السياسية والمدنية المتساوية، بل دولة تمييز عنصري سافر، دولة لن يتمتع فيها الفلسطينيون إلا بجزء من حقوقهم المدنية دون السياسية، لا سيما وأن كل العروض الإسرائيلية مقترنة مع اشتراط قبول الفلسطينيين بأن إسرائيل هي "الدولة القومية للشعب اليهودي"، وأن حق تقرير المصير هو حق حصري لليهود دون غيرهم في هذه الأرض، وأن كل العروض الإسرائيلية هي تسميات متنوعة لمسمّى واحد هو الأبارتهايد.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World