مقاربة ما قبل السلام وما دون الحرب: مواجهة الحجز الثاني لسد أثيوبيا

حاتم الجوهرى
free3ever@hotmail.com

2021 / 3 / 24

مدخل:
سوف أطرح في هذه النموذج المعرفي مقاربة لمواجهة الحجز الثاني للماء خلف سد النهضة الأثيوبي؛ بعنوان: "مقاربة ما قبل السلام وما دون الحرب"، ترى أن "الظرف الدولي" لحجز الماء الثاني هذا العام، لم يترك لمصر وسياسات الأمن القومي الخاص بها سوى طريق واحد لتحافظ به على مقدراتها التاريخية، وتمنع تتغيير "قواعد الاشتباك السياسي" بما يتفق مع "مستودع هوية" مصر والتأكيد على مستلزمات الدفاع عنه.
وهنا لابد من الإشارة إلى أنه في العام الماضي تعرضت مصر لظرف دولي ضاغط، تواكبت فيه عدة عوامل شملت بشكل رئيسي جائحة كورونا، وصفقة القرن.. هذه الأخيرة التي من خلالها فجر دونالد ترامب لمصر كافة جبهاتها و"مستودع هويتها" وعناصره، جنوبا في سد النهضة الأثيوبي، وغربا في ليبيا، وشمالا في علاقات المتوسط السياسية/ الاقتصادية، وغربا في ملف سيناء بتداخلاته المتعددة.
ورغم الظرف الدولي الضاغط؛ طرح البعض فرصة مواتية لظهور "فرضية مصر كدولة صاعدة"، وقدرتها على أن تكون أحد معابر عالم "ما بعد المسألة الأوربية" الثقافية وتجاوز هيمنتها.
وذلك عن طريق تصالح ورثة "دولة ما بعد الاستقلال" بقلبها العسكري مع "المفصلية الثقافية" العربية الكامنة؛ من خلال مقاربة "الثورة كإضافة للأمن القومي" المصري والعربي.. في مشروع لـ"استعادة الذات العربية" وتحديثها كنموذج إنساني جديد، في حين كان على الجهة الأخرى مشروع آخر طرحه البعض للخضوع للصهيونية مروجا لحسنات ذلك الخضوع، وكان واجهة هذا الخضوع هي تيار "الاستلاب للآخر" بتياراته المتعددة (العلماني- الديني – السلطوي).
لكن هذا العام يأتي موضوع حجز الماء الثاني في ظرف دولي متغير؛ بما يجعلنا نبحث عن سبل وضع استراتيجية ناجعة للأمن القومي المصري لمواجهته، بوصفه واحدا من أخطر التهديدات الوجودية التي تواجهها البلاد للمرة الأولى، نظرا لما سيترتب عليه من تغير في "قواعد الاشتباك السياسي" في منطقة القرن الأفريقي وكذلك منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وفي بعض وجهات النظر عالميا.. إذا نجحت مصر في إدارة الأزمة وفق مفاهيم "ما بعد المسألة الأوربية" وتأسيس عالم جديد لها مكانتها فيه.
حيث حاجة عالم ما بعد "المسألة الأوربية" لنموذج إنساني جديد يصبح قدوة ومفصلية ثقافية جديدة؛ إلى جوار "التراكم الحضاري" الصيني؛ وهنا تملك مصر إذا نجحت في الإدارة الناعمة والخشنة لملف سد النهضة أن تؤسس لنفسها مكانا حقيقيا في عالم جديد تتشكل إرهاصاته في المدى.

حزمة سياسيات مدمجة لمصر
في عالم "ما بعد المسألة الأوربية"

يرى البعض أن النظام العالمي الذي تشكل ثقافيا/ سياسيا/ اقتصاديا منذ عدة قرون تأثرا بصعود الحضارة الغربية في موجتها الجرمانية (موجة انتشار شعوب شمال أوربا الذين سكنوا شبه الجزيرة الاسكندنافية)، قد استهلك نفسه وبدائله بثنائياتها المتعددة، خصوصا ثنائيتها الأشهر حول البديلين الرئيسيين وهما: المادية الواقعية الرأسمالية الجامدة، أو المادية المثالية الماركسية الزائفة.
وبذلك يرى هؤلاء أن العالم في حاجة لنموذج ثقافي/ ثوري جديد يتجاوز مركزية الجدل بين الكنيسة والعلم في أوربا وثورتها العلمانية؛ التي أنتجت الفلسفات مفرطة المادية سواء في شكلها المادي الواقعي (الرأسمالي) أو شكلها المادي المثالي (الماركسي)، ويرى البعض أن الثورات العربية في القرن الجديد رغم كل ما أصابها من تناقضات، حققت هذا النموذج من خلال فكرة "الثورة القيمية" بشعاراتها الواضحة، التي تجاوزت عُقد النموذج الثوري الأوربي السابق يمينا ويسارا، ومتلازماته الثقافية التي صاحبته فيما يمكن تسميته بمؤشرات ظهور عالم " ما بعد المسألة الأوربية".
من هنا يمكن القول إن سياسات مصر في مواجهة سد النهضة وحجز الماء الثاني؛ لابد أن تعي بالفرصة المتاحة لها في عالم جديد يتشكل على مهلٍ، إنما سيتطلب ذلك منها الوعي بأهمية حضور "حزمة سياسات مدمجة" في أثناء إدارة ملف سد النهضة. وضرورة وضعها في الحسبان في سياسات "الأمن القومي" خصوصا والسياسات العامة إجمالا.
منها ضرورة تجاوز بنية التراتب الاجتماعي التقليدية لـ"دولة ما بعد الاستقلال" عن الاحتلال بقلبها العسكرى، وظهور فكرة مركزية جديدة لمصر تعتمد على تفعيل مكونات "الحاضنة الجغرافية" اقتصاديا، وضبط التوصيفات الوظيفية لمؤسسات الدولة لتفي بأدوارها السياسية بعيدا عن الاستقطابات السياسية والتاريخية.
مع أهمية ظهور سياسة ثقافية مصرية جديدة تستعيد "الذات العربية" من استقطابات القرن الماضي وتغير صورتها النمطية، وكذلك لابد من ضبط العلاقة بين "سياسات الأمن القومي" و"سياسات الأمن السياسي" بحيث لا تطغى الأخيرة على الأولى، مع الإشارة لحاجة البلاد لمؤسسة سياسية/ ثقافية تهتم بالعمل على سيناريوهات المستقبل واستشراف احتمالاتها، والعمل لرصف طريق مصر إليها.
ولكن كل هذا لابد أن يبدأ بالوعي بمتغيرات "الظرف الدولي" الجديد التي تصاحب محاولة أثيوبيا تمرير موضوع الحجز الثاني للماء، والذي قد يصل إلى "نقطة اللاعودة" قريبا، إذا دخل موسم الأمطار هذا الصيف دون أن تضبط مصر نزوع أثيوبيا لبسط نفوذها على مصدر الماء/ الحياة الرئيسي للمصريين، ومحاولتها وضع صنبور سياسي على النيل مسلط على رقاب مصر والمصريين.

"الظرف الدولي" وكيف تم تمرير حجز الماء الأول
وأثره على على سياسات "الأمن القومي"

تم الضغط على مصر من خلال عاملين أثرا على قدرتها في إدارة "أمنها القومي" وسياساته بشدة، في موضوع تمرير حجز الماء الأول العام الماضي، أحدهما قد يكون ظاهرا ومعلنا والآخر لم يكن باديا للعيان بالشكل الكافي، لكن العاملين كان مصدرهما واحدا وهو دونالد ترامب رئيس أمريكا السابق.
حيث تمثل العامل الأول في الضغط السياسي المباشر من جانب أمريكا/ ترامب عبر تفجير كافة الجبهات المحيطة بمصر لتمرير صفقة القرن، والتي شملت الجهات الأربع تقريبا لمصر.
العامل الثاني وهو غير الظاهر وحقيقة هو الأشد خطورة على سياسات الأمن القومي المصري، لأنه كان صاحب أثر مزدوج، وهذا العامل كان تفجير ترامب للتناقضات بين مصر وبعض دول الخليج، وصولا إلى قطع أو تقليص حاد للدعم المالي - بشكل غير معلن - لمصر في وقت حرج للغاية، وهذا الضغط المالي كان له أثر مزدوج على سياسات الأمن القومي تمثل في الصعيدين الخارجي والداخلي.
أثره على المستوى الخارجي كان قاسيا ومريرا؛ إذ كشف شبكة التحالفات الإقليمية التي كانت تعتمد عليها الإدارة السياسية الحالية في معظم الملفات الخارجية، وأظهر هشاشتها، خاصة مع الحضور الخليجي في القرن الأفريقي عموما والاستثمارات في سد النهضة وأثيوبيا خصوصا.
أما أثره على المستوى الداخلي وسياسات الأمن القومي فكان سيئا للغاية أيضا؛ إذ أدى لأن اقترح البعض على الإدارة المصرية تعويض العجز التمويلي، عبر سياسات مالية ضاغطة على المواطنين فيما عرف بقانون التصالح وحزمة من القرارات المشابهة، وهو ما يمثل خطورة شديدة على مستوى سياسات الأمن القومي الداخلية.
لأن الأمن القومي يبدأ في بنيانه الصلب من وجود قدرة ذاتية عند المواطنين على مواجهة مختلف الظروف الطارئة، وحقيقة استهلكت الاستقطابات السياسية فيما بعد الموجة الثورية لـ 30 يونيو معظم مكونات محفظة الأمن القومي المالي عند المواطن المصري، وعجز المستشارون للإدارة السياسية الحالية عن الخروج بحلول وبدائل ناجعة ترفد سياسات الأمن القومي في ظل "الظرف الدولي" الضاغط الذي أداره ترامب.
وهو ما تمثل في توجه قطاع ما بالمؤسسة المصرية لدعم مقاربة "الاستلاب للصهيونية"، ومحاولة تمرير صفقة القرن للتغطية على عجزهم عن طرح سياسات بديلة لمواجهة ترامب وتفجيره لشبكة العلاقات المصرية الإقليمية، خصوصا وأن الكثير منهم ينتمي لمفاهيم "الدولة حارسة التناقضات" التي أسس لها السادات بعد اتفاقية "كامب دايفيد"، ورسخ لها مبارك بعد حرب الخليج الثانية وضرب العراق عام 1990م.

مسار الضغط السياسي المباشر
لتمرير حجز الماء الأول

الحجز الأول للماء تم في ظرف دولي مختلف عن الظرف الدولي الراهن، الحجز الأول للماء كان يتم في ظل وجود ترامب على رأس السلطة في أمريكا، وكان يتعامل مع الملف عبر تفجير التناقضات كافة لتمرير مخططه الأكبر وهو "صفقة القرن".
حيث رعى مفاوضات بين الدول الثلاثة (مصر- السودان- أثيوبيا)، تواكبت محطاتها الفاصلة مع محطات صفقة القرن في إشارة دالة، ووصل هذا التكتيك لذروته مع تواكب المفاوضات شبه النهائية في شهر يناير الماضي 2020م مع الإعلان الرسمي عن صفقة القرن، وكأنه يبعث رسالة لمصر بأن هذا في مقابل ذلك، حيث انسحبت أثيوبيا من التوقيع فجاة دون رد فعل أمريكي ضاغط وواضح.
بعدها مع حجز المياه الأول الفعلي في موسم الأمطار العام الماضي، كانت الأمور تمهد للإعلان عن مشروع الاتفاقيات الإبراهيمية، التي شملت بعدها عدة دول عربية، محققة هدف دونالد ترامب، في حين أصرت مصر بوضوح على موقف صلب تطور في عام 2019م؛ عن العودة لحل الدولتين ومرجعية القرارات الأممية.
وكانت نقطة الذروة في الظرف الدولي للحجز الأول للماء؛ قرب نهاية ولاية ترامب حين صرح بأن مسار المفاوضات قد يدفع مصر لضرب السد، مؤكدا على سياسة خلق التناقضات، داخل مصر والتي كان يصف فيها الرئيس المصري بالديكتاتور، وفي الوقت نفسه يؤكد على القطيعة مع حلم التغيير والثورة عند الشعب المصري في عام 2011م، بتصريحه أن مصر كان لديها ما يشغلها عن الالتفات طيلة الفترة الماضية لأمور السد (قاصدا ثورة يناير)!
كان هدف ترامب هو خلق تناقضات إقليمية في المنطقة العربية ولمصر تحديدا، ترتبط بـ"علاقات القوة" و"الظرف الدولي" الذي يديره، بهدف تمرير صفقة القرن وخلق تراتبات إقليمية "تحرس تناقضات" قائمة لـ "مستودع الهوية" العربي وتكبح احتمالاته الممكنة، بيحث يرتبط وجود هذه التراتبات بتحقيق المخططات الأمريكية لصفقة القرن.
ليكون الإمر؛ إما تخضع أثيوبيا وتتراجع في اللحظات الأخيرة، أو يدفع مصر للعمل العسكري، في مقابل ضمان سكوتها عن الصفقة وتحولها إلى مشروع للهيمنة الثقافية/ الدينية المباشرة مع ظهور "الاتفاقيات الإبراهيمية"، وفي الوقت نفسه يخلق تناقضا داخليا لمصر يكبح قدرتها الحقيقية على التطور المستقل، ويحجبها عن التماهي مع سياسات الأمن القومي المفترضة التي تعبر عن "مستودع هوية" مصر وتدافع عن التزاماته، وفي الوقت نفسه دعمت سياسات ترامب تلك توجه القطاع المؤسسي المصري الذي يرى القطيعة مع ثورة يناير في الإدارة السياسية الحالية، وتذكية هذا القطاع للإجراءات غير الديمقراطية..
من ثم تم في الحجز الأول تحقيق أهداف ترامب وتصوره لمصر داخليا وخارجيا ليزداد ضعف الثقل العام للإدارة السياسية الحالية في علاقتها بـ"مستودع هوية" مصر و"سياسات الأمن القومي" المفترضة التزاما به، ويظل نطاق حركتها داخل "نطاق السيطرة" بالنسبة لأمريكا.

مأزق سياسات الأمن القومي
في الحجز الأول للماء

انبنت سياسات الأمن القومي المصري على "الظرف الدولي" الضاغط ذلك؛ ولم تستطع الموارد البشرية أو القوة الصلبة أو التصورات الناعمة وبدائلها التي تحت يد الإدارة المصرية الحالية، أن تساعدها للمناورة خارج مسارات "الظرف الدولي" الذي حاك ترامب خيوطه ببراعة يحسد عليها.
من ثم كان المسار يعتمد على سيناريوهات ترامب وإدارته وتوجهاته للسيطرة على المنطقة من خلال صفقة القرن، والتي كانت ستشي إما بخضوع أثيوبيا في نهاية المطاف وفق اتفاق مطاط يضع مصر تحت الضغط والوصاية دوما، أو سيدفع القاهرة لأن تضرب سد النهضة بما يجعلها في حاجة للغطاء السياسي الامريكي لتمرير الموضع دوليا على المدى الطويل والقصير، وعبر شبكة مصالح أمريكا ونفوذها الدولي، وبالتالي كانت أيضا ستكون مصر تحت الضغط الأمريكي وفق هذا الحل.
وكانت القاهرة لحد ما عاجزة ولا تملك حلولا بديلة للتحرك خارج هذا الإطار الأمريكي الذي فرضه دونالد ترامب؛ بسبب المسار السياسي لدولة ما بعد 30 يونيو واستقطاباته الداخلية والخارجية عموما، والتراتب الاجتماعي وفرزه البشري الذي صعد للواجهة مع الإدارة السياسية الحالية، وتم ضبط سياسات الأمن القومي وفق المحددات الخارجية الأمريكية، بما يحمله الأمر من خطورة شديدة لحصار مصر وتفكيك مقوماتها التاريخية.
لكن الآن يأتي مشروع الحجز الثاني للماء في ظرف دولي يجب على القاهرة أن تعيد فيه حساباتها لإدارة سياسات الأمن القومي الخاصة بها، وتراجعها بشدة على المستوى الداخلي والخارجي، لأن الفرصة تبدو مواتية لاستعادة المبادرة والتأكيد على "قواعد الاشتباك السياسي" التي تحفظ لمصر مكانتها وفق التزامات "مستودع هويتها" وسياسات الأمن القومي المفترض أنها مرتبطة به.

"الظرف الدولي" لحجز الماء الثاني ومتغيراته

الحجز الثاني الذي يجري الحديث عنه للماء هذا العام يأتي في ظل ظرف دولي مغاير تماما، المتغير الرئيسي فيه هو تولي جو بايدن رئاسة أمريكا، وتبنيه لحزمة سياسات عاجلة تقوم على محو العديد من الخطوات التي اتخذها ترامب وإدارته السابقة، على الصعيد الداخلي وعلى صعيد السياسة الخارجية وفي القلب منها سياسة ترامب القديمة تجاه المنطقة العربية ومشروع صفقة القرن، والتكتيكات التي كان يديرها ترامب لفرض الأمر الواقع ومنها ملف سد النهضة.
لذا لن يتدخل بايدن بالطريقة القديمة نفسها لدونالد ترامب، لأنه وإن كان مناصرا للصهيونية فإنه سيكون مناصرا لها على الطبعة الأمريكية القديمة من إدارة التناقضات وازدواج المعايير، وليس على طبعة دونالد ترامب للعداء المباشر ودفع المنطقة لقمة الاستقطابات وتفجير التناقضات، والهمينة التي تمزج الديني بالسياسي في صفقة القرن التي وصلت لذروتها بمشروع "الاتفاقيات الإبراهيمية".
من ثم أصبحت مصر في موقف صعب للغاية؛ لأن "الظرف الدولي" الحاكم في الحجز الثاني للماء اختلف كثيرا عن الظرف الذي كان سائدا في الملف طيلة الفترة الماضية ومشروع "صفقة القرن"، وبالتالي على مصر أن تبحث في وسائل الدفاع عن أمنها القومي وفق المتغيرات الجديدة.
وحقيقة هذه المتغيرات يجب أن تشمل فرضية الاستعداد التام للحل العسكري وتبعاته، وتصور سيناريوهات إدارته وسيناريوهات ما بعده، باعتبار أن الاستعداد للحرب هو الوسيلة الوحيدة لردع أثيوبيا واستعادة "قواعد الاشتباك السياسي" التقليدية التي تحفظ لمصر مكانتها وأمنها القومي.

مقاربة "ما قبل السلام وما دون الحرب"
(التهيئة السياسية للحل العسكري هي السبيل الوحيد للسلام)

أعتقد أنه وفق سياسات الأمن القومي الضابطة؛ لا توجد سوى مقاربة واحدة لمواجهة الحجز الثاني للماء وفق "الظرف الدولي" الراهن ومستجداته، المحدد العام لهذه المقاربة هو أن الاستعداد السياسي للحرب وتهيئة "الظرف الدولي" لها بكل قوة، هو السبيل الوحيد لضبط التمادي الأثيوبي وإجباره على الحل السلمي.
وهي ما أسميها مقاربة "ما قبل السلام وما دون الحرب"؛ انطلاقا من أنه دونها لن نحصل على سلام، وأننا لن نصل بغيرها لتحقيق الردع الناعم وننتصر دون حربٍ.
إذ أرى أن الموقف حاليا يتطلب الاستعداد السياسي القوي والجاد فعلا للحل العسكري؛ وتهيئة الظرف الدولي له لإثبات قدرة مصر وجديتها في الدفاع عن أمنها القومي، وأن ذلك هو السبيل الوحيد والحقيقي للسلام، بما يضمنه من وضع السيناريوهات العسكرية الفعلية للتعامل من اجل ضبط التجاوزات الأثيوبية.
وتقوم مقاربة "ما قبل السلام ما دون الحرب" هذه؛ على تصور واضح للموقف المصري تجاه موضوع الحجز الثاني لماء النيل خلف سد النهضة الأثيوبي، في عام 2021م، والذي أعلنت أثيوبيا الشروع فيه في موسم الأمطار هذا الصيف مع شهر يوليو، مركزه أن منع الوصول للحل العسكري يستلزم العمل وفقا لاحتمالية وفرضية عكسية أنه أمر حتمي، من ثم العمل للإعداد له سياسيا، من أجل أن يتحقق السلام وتتراجع أثيوبيا عن سياسة التصعيد والمواجهة، المدعومة من أطراف دولية ضمن مجموعة من التناقضات والتوافقات التي تحق مصالح البعض في "الظرف الدولي" الحالي.
وملخص المقاربة أن ما قبل السلام يجب أن يكون الاستعداد الحقيقي والجاد للحل العسكري في ملف سد النهضة، عبر تهيئة العوامل السياسية كلها للحرب فعلا، وان هذه التهيئة السياسية هي السبيل هو الطريق الوحيد لردع أثيوبيا وصولا لحل دون أن نصل للحرب نفسها.
وهذه الفرضية تتطلب حشد كل الطاقات المصرية خلال الفترة القادمة لتمهيد المسار للإدارة السياسية للحرب والإعداد لها، والإدارة السياسية لما بعد الحرب أيضا، فقط عبر هذا الطريق ووضع احتمالية الحرب قيد التنفيذ وتجهيز المسار السياسي العالمي والإقليمي بها، يمكن الوصول لحالة السلام في ملف سد النهضة مع سياسة "حافة الهاوية"، واستعادة "قواعد الاشتباك السياسي" العادلة، ضمانا لعدم تكرار أثيوبيا للمحاولة.
لأنه في حالة الخيار العسكري أو في حالة الخيار السلمي؛ يجب ان تكون المخرجات واحدة وهي ضبط السلوك الأثيوبي، وعدم تكرار التلويح تصريحا أو ضمنا بتهديد حصة الشعب المصري من الماء.

الإدارة السياسية لما قبل الحل العسكري
في مقاربة "ما قبل السلام وما دون الحرب"

اللحظة الراهنة لتفعيل مقاربة "ما قبل السلام وما دون الحرب" تستلزم العمل السياسي والدبلوماسي والثقافي في كافة نطاقات سياسات مصر الخارجية، لحشد الرأي العام العالمي ضد مشروع أثيوبيا للتحكم في الماء من طرف واحد، وتحويل السد لمشروع للهمينة السياسية على مصر.
وهذا السبيل لحشد الرأي العام العالمي ومؤسساته لاحتمالية اللجوء للحل العسكري، هو السبيل الوحيد لردع أثيوبيا عن سياستها التي تعتمد على التكتيكات الصهيونية في إدارة الصراع والمفاوضات، عبر التصعيد المستمر والتحرك للأمام بالتوازي مع إطالة أمد المفاوضات.
وهنا يجب على الإدارة السياسية المصرية تجنيد فريق عمل كامل لضبط وتحقيق الهدف في السياسات الخارجية، عبر العمل الإعلامي والسياسي والدبلوماسي والثقافي، وأهمية العمل الثقافي هنا مركزية لأنه سيمثل القاعدة في تغيير الصورة النمطية التي قدمتها أثيوبيا لمصر في المحافل الدولية، حيث نجحت أثيوبيا في تصوير القاهرة وكانها الامتداد لسياسات العهد الاستعماري الأوربي، ونجحت في استغلال مفاهيم "ما بعد الاستعمار" لتروج لنفسها في صورة جدلية العبد الذي يتمرد على سيده، مؤكدة على عقد "المسألة الأوربية" ومتلازماتها الثقافية.
هنا يجب على مصر أن تعتمد في سياساتها الخارجية على سياسة ثقافية مضادة تؤكد على "ما بعد المسألة الأوربية" وتجاوز عقدها التاريخية، وضروة أن تتحمل أوربا مسئولية الجراح النفسية التي تركتها داخل القارة السمراء في المرحلة الاستعمارية، رغم أن أثيوبيا لم تتعرض للاستعمار الأوربي المباشر.
من ثم يجب على مصر أن تركز في حملتها في نطاق سياستها الخارجية على فكرة العدالة، والأزمة الثقافية التي تسيطر على أثيوبيا محاولة إلباس مصر ثوب المستعمر وإلباس نفسها ثوب الذي يسعى للتحرر منه، في حين أن العكس هو ما يحدث تماما، وأن أثيوبيا هي التي تسعى لتعطيش المصريين وعدم تقديم الالتزامات القانونية بأن السد لن يؤثر على حصة المصريين من الماء التي هي مصدر المياه الوحيد الخاص بهم.
وفي هذا السياق والعمل لضبط سياسات مصر الخارجية وفق تصورات "ما بعد المسألة الأوربية"، وتغيير الصورة النمطية لمصر التي روجت لها أثيوبيا، يجب تفعيل كافة مكونات "مستودع الهوية" المصري وعناصره الثقافية والسياسية والتاريخية، باعتبار مصر تملك رصيدا ضخما من طبقات "مستودع الهوية" متنوع الانتماءات.
فمصر دولة متوسطية، وتنتمي للحضارة العربية الإسلامية، ولها دورها الأفريقي التاريخي، وواحدة من محطات طريق الحرير الجديد والشراكة مع الصين، وصاحبة العلاقات المميزة مع الكتلة الشرقية السابقة، والمكانة المتميزة في بين دول العالم الثالث كرائدة من دول "عدم الانحياز" قديما، وبينها وبين دول أمريكا اللاتينية العديد من المساحات التاريخية المشتركة.
هنا على مصر الاستثمار في تاريخها الثقافي والسياسي والحضاري الناعم، وتوظيفه في سياساتها الخارجية، والعمل لاستعادة العلاقات الصلبة والمادية في هذا التاريخ، وتكوين مزيج للقوة الناعمة يدعمه الحضور الصلب، لدعم موقفها في التهيئة السياسية للحل العسكري حال إصرار أثيوبيا على المسار الفردي والهيمنة على ماء النيل، لتغيير "قواعد الاشتباك السياسي" في المنطقة، بما يخل بالأمن القومي المصري.

خطاب سياسي متمايز لمجموعة الدول المعنية للتهيئة للمقاربة
(ضبط خطاب السياسات الخارجية وفق الوعي بمحددات التلقي)

وعلى سبيل الهيئة السياسية لتصعيد الأمر مجددا دوليا وربما العودة لمجلس الأمن، يجب على الكوادر المصرية العاملة في نطاق السياسات الخارجية، الاجتهاد في تطوير مجموعة من الخطابات المتنوعة الموجهة للدول ذات الصلة بالملف، وفق مفاهيم التلقي والمحددات الخاصة بكل دولة أو بكل تجمع دولي.
فمثلا الخطاب الذي سيوجه للصين ووسيا، ستختلف مكوناته وفق الوعي بظرفيات العلاقة الخاصة بكل منهما بالملف، وهكذا مع الاتحاد الأوربي، والاتحاد الأفريقي، وبقية الدول والمؤسسات الأممية.
- الخطاب الموجة لروسيا والصين؛ يجب أن تجتهد فيه الكوادر المصرية القائمة على السياسات الخارجية والعاملة عليها، بحيث يراعي خصوصية الموقف الخاص منها وما يتردد حول حساسية ظهور سابقة في مجلس الأمن تتعلق بالأنهار الدولية، نظرا لقيام كل منهما بإجراءات ما على الأنهار ذات الصفة المقاربة لنهر النيل، كي يتمكن ذلك الخطاب من الوصول لصيغة وتكييف قانوني للوضع المصري بعينه، بحيث يمكن ضمان تأييد الصين وروسيا للمقاربة المصرية حول التصيعد الدولي المحتمل في مجلس الأمن، والبديل المحتمل للحل العسكري حال رفض أثيوبيا واصرارها على حصار مصر، مع الإشارة لأهمية مصر المحتملة في عالم "ما بعد المسألة الأوربية" وضرورة تجاوز العُقد التي خلفتها الفترة الاستعمارية الأوربية.
- مع الاتحاد الأوربي يجب الاجتهاد في العمل وفق خطاب واضح يعي بأهمية تحمل أوربا للعقد الثقافية والمتلازمات التي صاحبت "المسألة الأوربية"، وتفكيك الصورة التي تقدمها أثيوبيا لمصر كامتداد للمستعمر الأبيض، والحرص على العمل وفق مفاهيم العدالة واحترام حق الشعب المصري في الحياة، والدور الذي تقوم به مصر القوية في العالم الجديد كقوة حضارية رئيسية في مختلف الدوائر التي تشترك فيها مع الاتحاد الأوربي.
- مع الاتحاد الأفريقي يجب تقديم خطاب يؤكد على مدنية الإدارة السياسية الحالية للدولة المصرية، واعتماد سياسية فعلية تقوم على مقاربة "الثورة المصرية كإضافة للأمن القومي"، تتجاوز أثر التقاطبات السياسية في دولة ما 30 يونيو، مع التأكيد على الصورة المصرية القديمة التي وقفت ضد الاستعمار الغربي وواجهته، ودورها المحتمل في "عالم ما بعد المسألة الأوربية"، بما يحمله من احتمالات للقارة السمراء وآفاق للتعاون المشترك.
- مع أمريكا سيكون الأمر في حاجة لحنكة ومهارة سياسية شديدة ومزيج من خطاب المرونة والشدة؛ بحيث يتم التركيز على التراخي السياسي الذي قام به ترامب عند انسحاب أثيوبيا من التوقيع في يناير 2020م، وكونها كانت فرصة ممتازة لرفع الأمر لمجلس الأمن الدولي باعتبار أمريكا حينها الدولة الراعية للمفاوضات، ومطالبة إدارة بايدن بتحمل مسئوليتها ورفع تقرير رسمي يفيد بتخاذل أثيوبيا وانسحابها قبل التوقيع مباشرة، وفي الوقت نفسه التأكيد على دور مصر في "عالم ما بعد المسألة الأوربية" القائم على العدالة والتعدد الثقافي الحقيقي، وقدرتها على اعتماد "مقاربة الثورة كإضافة للأمن القومي" بما يتجاوز ملف حقوق الإنسان، ويمهد حقيقة لدور مصري جديد يتجاوز الاستقطابات التاريخية رد الفعل لـ"المسألة الأوربية".
- أما على المستوى الإقليمي فيجب العمل وفق: "سياسات ضبط أنماط التدافع" إقليميا وفق علاقتها بـ"مستودع الهوية" المصري، أقصد استكمال المرونة المصرية الأخيرة في إدارة العلاقات الخارجية مع تركيا وإيران وقطر وغيرهم، وتهدئة أنماط التنافس في هذا النطاق، والبحث في أنماط التهدئة تمهيدا للحشد الدولي لمقاربة "ما قبل السلام وما دون الحرب".

المُحدد السياسي لاحتمالية الحل العسكري
في مقاربة "ما قبل السلام وما دون الحرب"

في مقاربة "ما قبل السلام وما دون الحرب" كل السعي هو إيصال الرسالة إلى أثيوبيا بأن الرد على محاولة حصار مصر وفق "سياسة حافة الهاوية" هو الرد العسكري، على أمل أن تتراجع أثيوبيا في اللحظة الأخيرة، لكن في حالة عدم تراجع أثيوبيا وإصراها على حصار مصر وضرب أمنها القومي ، يجب أن يكون الحل العسكري قيد التنفيذ بعد التهيئة السياسية السابقة له.
ويكون هدف العملية العسكرية محدد وواضح سياسيا ليتم تنفيذه عسكريا، الهدف من العملية العسكرية هو "ضبط رد الفعل الأثيوبي عسكريا" تجاه عملية تحييد سد النهضة، أي أن عملية تحييد أثر السد على الأمن القومي لمصر يجب أن تصحب بعملية تقييم عسكري استراتيجي شاملة لأثيوبيا، ومن ثم تضم العملية العسكرية هدف ضبط د الفعل الأثيوبي العسكري أيا كانت متطلبات هذا الهدف، والطرق المتنوعة الناعمة والخشنة لتنفيذها.
فمثلا لو اقترح البعض ضربة محدودة الأثر للسد لتحييده تجبر أثيوبيا على احترام الاتفاقات الدولية، هنا لابد من قراءة عسكرية لرد الفعل الأثيوبي، وضبطه أيا كانت - نطاقات هذا الضبط - لتحجيم رد الفعل العسكري الأثيوبي، وهنا بيت القصيد، إذ أن المحدد السياسي المطروح هو ضبط رد الفعل العسكري الأثيوبي مع أي عملية عسكرية لتحييد خطر السد على الأمن القومي المصري.
لكن – ونضع هنا عدة خطوط تحتها – الهدف السياسي المسمى "ضبط رد الفعل" الأثيوبي، هو مكمن المتغيرات ودور القوة الخشنة المصرية بجناحها الاستخباراتي والعملياتي، أقصد أنه ربما تكون أثيوبيا في حالة استعداد مضاد بفعل عسكري ما، هنا ليس التكليف السياسي للقوة المصرية الخشنة/ العسكرية، ليس فقط تحييد السد.
إنما يجب أن يكون التكليف السياسي المهني والمحدد هنا هو تحييد السد وخطره على الأمن القومي المصري، مع "ضبط رد الفعل" المضاد وما يتطلبه ذلك، ربما يرى الفريق العسكرى المكلف سياسيا بتنفيذ العملية عدة أشياء أو أهداف أخرى لابد من إتمامها بشكل خشن أو ناعم، لضبط رد الفعل الأثيوبي وللتأكيد على المكانة و"قواعد الاشتباك" السياسية والعسكرية بين البلدين.
وهذا الفريق الذي سيضع تفاصيل العمل العسكري لتحييد خطر السد على الأمن القومي، سيتحمل كامل المسئولية عن "المُحدد" المسمى "ضبط رد الفعل" العسكري الأثيوبي، وتوقع مساراته.
بحيث يثبت أن لدينا الكفاءات العسكرية الفاعلة لتنفيذ "المحددات السياسية" لـ"الأعمال العسكرية" المطلوبة في العصر الحديث، التي تشمل منظورا شاملا واستشرافا متعدد المستويات.

الهدف العام والنهائي لمقاربة "ما قبل السلام وما دون الحرب"
والتأكيد على "قواعد الاشتباك السياسي" ومكانة مصر

إن الهدف العام لمقاربة "ما قبل السلام وما دون الحرب" هو استعادة ثوابت الأمن القومي المصري، وفق مفهوم التأكيد على "قواعد الاشتباك السياسي" التي تحترم الاتفاقيات الدولية والمكانة المستقرة لمصر في مختلف مستويات "مستودع الهوية" الخاص بها، والالتزام بالدفاع عن تلك القواعد ومكونات "مستودع الهوية" المصري بطبقاته المتنوعة والمتعددة، مع تفعيل مكونات هذا المستودع لتكون نقطة انطلاق واستعادة.
المقاربة سواء أتت ثمارها بتحييد خطر سد النهضة على الأمن القومي المصري سلما، أو عبر الاحتمال العسكري، فالهدف من الطريقين واحد، وهو التأكيد على "قواعد الاشتباك السياسي" المستقرة لمصر وفق القواعد والأعراف الدولية ووفق المكونات الحضارية التاريخية.
وأهمية التأكيد على "قواعد الاشتباك السياسي" تلك؛ هو الحفاظ على الأمن القومي المصري في المسار الجنوبي، لأن أثيوبيا تقوم ببناء عدد من السدود الجديدة وتعلن عنها، ويمكن إذا تحول الأمر لسابقة ورضخت مصر للإملاءات الأثيوبية/ الصهيونية، أن يتم الضغط على مصر عبر سدود جديدة وتتحول مصر العظيمة إلى مجرد تابع ذليل.
أهمية التأكيد على "قواعد الاشتباك السياسي" أن سد النهضة في حقيقة الأمر؛ هو مجرد بالون اختبار لسدود أخرى قد تستخدم كورقة للصغط إذا نجح الأمر في ملف سد النهضة، وعبر التحالف وشبكة العلاقات التي تعتمد عليها أثيوبيا وفي القلب منها الصهيونية و"إسرائيل"، ليتم اختراق الأمن القومي المصري للأبد.
لذا فإن الهدف المحدد لسياسات "الأمن القومي" سلما أو حربا في ملف سد النهضة، هو ضبط "قواعد الاشتباك السياسي" مع أثيوبيا، والتاكيد على المكانة المصرية وفق القواعد الدولية ووفق التاريخ الحضاري بـ"مستودع هويته" الزخم.


خاتمة: استعادة سياسات الأمن القومي
وتجاوز استقطابات ما بعد ثورة 25 يناير

نحن الأن أمام لحظة تاريخية فاصلة تستلزم مراجعة كافة "سياسات الأمن القومي"؛ ووضع تصور جديد للدولة المصرية في مرحلة تاريخية مؤهلة لظهور عالم "ما بعد المسألة الأوربية"، وتملك مصر فيها حظوظا كثيرة لتكون إحدى معابر ومحطات هذا العالم الجديد ومعالمه البارزة.
"سياسات الأمن القومي" تتطلب مراجعة الفكرة المركزية لدولة ما بعد 30 يونيو ومقاربتها عن "القطيعة والصدام" مع مطالب ثورة 25 يناير، اعتماد مقاربة "الثورة كإضافة للأمن القومي المصري"، سيؤدي إلى منح القوة الناعمة المصرية مصدرا رئيسيا للدخول في عالم "ما بعد المسألة الأوربية"، عبر اعتماد المفصلية الثقافية العربية الكامنة لمشروع "الثورات القيمية" التي تتجاوز مشروع المادية الأوربية سواء الواقعية (الرأسمالية) أو المثالية (الماركسية).
"دولة ما بعد الاستقلال" بقلبها العسكري يمكنها أن تخطو للأمام وتعبر للمستقبل بشكل طوعي؛ عبر ضبط التوصيفات الوظيفية لمؤسسات الدولة العاملة، وتأكيد الشكل المهني الاحترافي العسكري لدور الجيش، عبر مرحلة انتقالية طوعية تتطلب قوة نفسية هائلة لتجاوز الاستقطابات السياسية والعداوات التي نشأت فيما بعد ثورة 25 يناير وفي موجتها الثانية 30 يونيو، وكذلك تتطلب قوة قيمية هائلة للتخلي عن مميزات الدمج والتسكين الاجتماعي، وبناء "التراتب الاجتماعي" والمكانة الاقتصادية للمنتسبين للجيش، من أجل استعادة حيوية "الفرز الطبيعي" وتجاوز عملية "التنخيب الزائف" و "تفجير التناقضات" بدافع الاستقطابات السياسية التاريخية والراهنة، والسماح بتشكل كتلة مصرية جامعة تعبر عن مستودع الهوية المصري وقيمة، تكون هي قلب "الثورة القيمية" ومشروعها، ووتتجاوز أيضا استقطابات اليمين واليسار العربيين إرث "المسألة الأوربية".
على المستوى الواقعي هناك حاجة لمراجعة اقتصاد "المدبولية" – نسبة إلى د.مصطفى مدبولي رئيس الوزارء- الاقتصاد القائم على عمليات السمسرة العقارية وتحول الدولة لتاجر عقارات كبير، والذي أدى لأن تطورت "المدبولية العقارية" إلى "مدبولية مالية" مع ضغوط ترامب وقطع التمويل الخليجي، وهو ما تمثل في سياسات مالية خانقة بسبب "اقتصاد المدبولية" عن توفير حلول بديلة لبناء اقتصاد حقيقي، يقوم على التصنيع والابتكار وتفعيل مكونات "الحاضنة الجغرافية" المصرية.
سياسات الأمن القومي المصري يجب أن تستعيد دورها، بتجاوز استقطابات ما بعد ثورة يناير والاستقطابات التاريخية إرث القرن الماضي التي هي رد فعل لـ"المسألة الأوربية"، ويجب أن تضبط "سياسات الأمن القومي" تمدد "سياسات الأمن السياسي"، خاصة تيار "الاستلاب للصهيونية" الذي مرر معظم أطروحات الخضوع لصفقة القرن.
ويجب ظهور سياسة ثقافية مصرية جديدة تكون على وعي بأهمية تطوير خطاب جديد يرفد "مستودع هوية" مصر بمكوناته المتنوعة وطبقاته المتراكمة، ويدعم سياسات الأمن القومي ذات الصلة وخطاباتها على مستوى السياسات المصرية الخارجية، في حزمة سياسات مدمجة تعي بدور مصر ومفصليته الثقافية الكامنة واملحتملة في "عالم ما بعد المسألة الأوربية.
حقيقة ليست مقاربة "ما قبل السلام وما دون الحرب" إلا محاولة لاستعادة "القيم المشتركة" في المجتمع المصري، بحاضنته الثقافية التي ضربتها الاستقطابات التي هي رد فعل لـ"المسألة الأوربية" وعقدها ومتلازماتها الثقافية، مع الحرص الشديد سلما أو حربا على الحفاظ على "قواعد الاشتباك السياسي" التي تحفظ لمصر أمنها القومي ومحدداته، تلك التي كانت كفيلة باستعادة الذات المصرية بكل مكونات "مستودع هويتها" من أي كبوة، لتنهض من جديد كطائر العنقاء الأسطوري.
أما إذا فرطنا في أمننا القومي ومقومات وجود الدولة المصرية الأساسية التي هي مصدر وجودها وقوتها عبر التاريخ، فكيف لنا ن نرفع الرؤوس في وجه أجيال قادمة حكمنا عليها بالموت والذل والهوان.أ







هامش:

يمكن الرجوع لعدد من من المقالات والأوراق البحثية -التي طرحتها سابقا- والتي من الممكن أن تكون ذات صلة بسياق مقاربة "ما قبل السلام وما دون الحرب"، وتشمل:

- المحددات السياسية لأعمال العسكرية.. مصر أثيوبيا أنموذجا
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=669410
- بدائل الأمن القومي المصري في ملف المياه/ أثيوبيا
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=666369
- الثورة كإضافة ناعمة لأمن القومي المصري
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=663322
- سد النهضة وأزمة القوة الناعمة والسياسات الخارجية لمصر
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=682930
- مصر بين صفقة القرن وسد النهضة وسياسة حافة الهاوية لترامب
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=667112
- ما بعد المسألة الأوربية: مصر وسد النهضة وكورونا والصهيونية
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=670422
- مصر كدولة صاعدة: إشتراطات ما بعد المسألة الأوربية
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=675185
- مواجهة التكتيكات الصهيونية للأثيبوبيين بمفاوضات سد النهضة
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=684947
- ورقة استشرافية: سردية كبرى بديلة لمصر لعبور المأزق الحضاري
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=691687
- مصر بين صفقة القرن وخطاب الاستلاب: محددات ومتغيرات وبدائل
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=695309
- في وداع ترامب: دروس تفجير مستودجع الهوية العربي
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=706494



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World