القاص يوسف دعيس والزائر الأخير.

عايد سعيد السراج
alseragcham@gmail.com

2021 / 2 / 18

( عزفت. الريح. لحناً جنائزيا ً تسارع جري الناس بإتجاهات مختلفة )

ذعر وحشر حشود، وعزف ريح، وجنائز، ورعب ناس، ينالهم

الخوف، فيتفازعون للهزيمة، ربما زارهم ليل مخيف له أذرع من هوام

الوحش، أو سلاسل جبال من نار، تنذر بالوعد المشؤم والشرور،

وتعزف الريح ، ألحان القادم من الموت المستطير،

والآحتضار هو السيد، إنها مشهديّة الموت، والخوف، وترقب القادم المجهول المخيف، بَـليِّـة بُـلِـيَ الإنسان بها ، بالحياة، وبالموت، وكذلك خوف ،القادم من مجاهيل الحياة والقادم .

فالرؤية السارترية تقول: ( الوجود البيولوجي للكائن الحي تفـتقـد المعنى الحي )
فالأنظومات، للقيم الجوهرية - الموت - الحياة - الوجود والعدم - الوعي بالوجود - أو وعي ( الإنسان ومايصنعه بنفسه) …

ويظل السؤال هل بطل قصة - الزائر الأخير - صنع موته افتراضياً ؟ أي كان محكوماً بهاجس الموت المفترض ؟ أم بالقوة الخفية المتمثلة برجل الظل الشيطاني الذي كان يظهر له، ويرافقه كظله ؟
أيْ لموته المحتّم، الذي يبدو كأنّـه - موت ٌ بحرية - أو موتُ من هو مجبور بتوهم الحرية، أو قدريّة الموت الحر،
إذا ً لـِمى الإرتباك والفزع والخوف من الموت، وليس من وجود ( تَـوَهُّم الموت ) ؟
كما يقول بطل قصة - (الزائر الأخير) - في الأسئلة الخفية التي يُـوحِـي بها ، دون منطوقها، لذا تُصوِّرها "عدسته" ،الخفية التي ترافق المشهد ، من بدايته حتى نهايته وهنا "الكاميرا "، هي التي تتحدث، فالقصة مَشْهدية بامتياز والحركة الظاهرة تمتزج مع الحركة الداخلية -لأنا - الكاتب .

، والأسئلة غامضة ومُرْبكة، والإضطرام النفسي يتصاعد كمثل نار مستعرة من بركانٍ تأجج توا ً، وكثُرت شواظه، الأسئلة العدمية التي لا إجابات لها تُأَرِّق "أنا " الكاتب، وتتركه أسير غربته وغرائبية المشهد، هذا المشهد المتواتر باللا - أجوبة ،

( أحسست أنني أتقيأ نفسي)
التقيؤ - الغثيان، هما… تعبيران عن حالة القرف أو الإشمئزاز، أو الإضطراب النفسي، أو الغضب الشديد المتواتر، أي الخلل الداخلي الذي يصيب أعضاء الجسد كحالة مرضية، أو نفسية، أو ضغط عصبي، أو التفكير المضني المجهد المشحون بالخلل الداخلي، في الذات البشرية، أو العوامل الخارجية المقززة والمتراكمة التي تطحن الروح. والجسد وتجعلهما عرضة لهذا. الإضطراب. والخلل. المخيف، …..
وهنا تكمن مشكلة الكائن البشري الذي هو من لحم. ودم. - مع. هذا. العالم الحديدي المتوحش وكل، رغبات، ومتطلبات الحياة،
التي لاترحم النفس البشرية . بل تمزقها غيرهيّابة بما سيحل. بها. ، من ألم ٍ ومعاناتٍ وضياع ٍ وغربةٍ قاتلة.

رغم وجود الأهل والأصدقاء، كما هي "الحال " عند بطل قصة : زائر الليل - وأناه - الممزقة والضائعة بين الحياة ، وأسبابها وطلاسمها المعقدة والمتناقضة…….

( أحسست أن العالم يختنق ، شيئ ما في داخلي يحتضر،) هنا السر في البحث عن الذات والآخر، الآخر " المُـنْـقَـذ " - فهل من "مُنْـقِـذ ٍ ؟ "
في عوالم الخذلان والموت البطيئ …..

بدأت الروح -الأنا- ، أو-- الأنا الروحانية -- بالوثوب من الذات المعذّبة، وصارت الأنا تابعة - للروح المُسَيِّـرة،- التي أضحت تَـقود ولاتُقاد، وأمتزجتا (الأنوان) أنا الكاتب بالأنا الروح، وبدأتا برحلة العذاب المخيف .

عذاب ٌ يتجلى لبطل القصة كمحموم ٍ ومغلوب على أمره ، في رحلة الأبدية المطلق ،
( شعرت برعدة أصابت أطرافي، أنستني ذلك الرجل الذي يعتلي سور المقبرة)
الإستسلام للموت وتَرْك الأمور تسير وفق قدرية الحياة، أو عبثية الوجود ، والدخول في عالم العبث اللذيذ المتجانس والمندغم مع عمق ذات بطل القصة….. الذي يتماهى رويدا رويدا مع الحالة القاهرة، التي تفقده عن ذاته الحية ومحيطه الحلمي.

( دخلت إلى جوف القبر، تمددت كما الأموات، واضعاً كفا ً فوق كف، فوق صدري، تابعني بنظراته المخيفة بشغف، حلّق باتجاه السماء، فقدته عيناي. )

:" وأخيرا في اليوم السابع، آنستُ بموتي، وأيقنت أنني إلى زوال، واستراحت نفسي. "

هكذا هي الحياة، وهكذا هي القصص التي تطرح عوالم البشر الأكثر تعقيدا، العوالم التي تُؤرق النفس وتعجز الإجابات عن أسئلتها، ويصغر أمامها العقل ومفاهيمه ومداركه، وتظل هي الحقيقة الوحيدة الماثلة أمام البشر وجميع الكائنات الحية، " قصة الزائر الأخير"، تثير الكثير من الأسئلة، وتحرك دواخل النفس البشرية وتجلياتها، وتترك الأسئلة بلا أجوبة، ….
-وكأنَّ - الكاتب يريد أن يقول لنا برؤيته الخاصة .
أنا أموت إذاً أنا موجود فهل من وجود ؟.


القاص: يوسف دعيس

الزائر الأخير

"سلام حزين ، كما الضباب في غروب خريفي هبط على المدن الثقيلة ، دثرها بأكفانـــــــه الرمادية ، وقال للجثث التي ردمـــت فـــــــي المدافن الجماعية ، نامي أيتها الرمم المغدورة بهدوء."
حـيدر حـيدر -

الزائـــر الأخيـــر .

شيء ما يحتضر أو لعله يحترق فيتحول إلى رماد، كانت الشمس تعكس ظلالاً للأشياء ، ظلالاً خالية من الألوان ، مضغوطة أحياناً ومتطاولة أحياناً أخرى .

أحسست أنني أتقيأ نفسي وأنا أقف إلى جوار النافذة ، شعرت أن هناك من يدفعني لكي ألفظ روحي خارجاً ، التصقت بالنافذة ورحت أحاول استقراء العالم من خلال هذه الفتحة الصغيرة التي أطل بها على شارع يعج بتناقضاته الكثيرة .

عزفت الريح لحناً جنائزياً ، تسارع جري الناس باتجاهات مختلفة، اشتكت الأشجار لشجى هذا اللحن فتثنت سكرى ، تصاعد اللحن ليزيد من تمايل الأشجار، وراحت أعداد الناس تتناقص وتناثرت أوراق الشجر متبعثرة لتظهر الأغصان عريها ، وتنطلق الطيالشاهدة مجكناتها ضجرة ،تتقافز متشاقية في كل الأرجاء .

بدأت الشمس تعري الأشياء ، وراحت الأنفس تعول لإدراك الحقيقة ،ثمة مخلوقات تحتضر ونبض الحياة يتسارع باتجاه الهاوية حيث لا قرار .

أحسست كما لو أن العالم يختنق ، شيء ما في داخلي يُحتضر فهل في ذوات الآخرين ما يتقد ؟ .

تناغم عزف الريح مع احتضار ما في نفسي ، أخذت الريح تعمل عملها ، ترفعني لعلو شاهق وترديني إلى أسفل ، لوعتني الحقيقة فأعيتني حيلتي ، انقطعت بي السبل فلا بدأن أتوج أحزاني بشيء ما يجعل معنىً لاحتضاري أو احتراقي ، فلا أظل كما القابض على الجمر .

هل أعيتكم الوسيلة في إدراك أن ثمة شيء ما يحتضر أو يحترق في ذواتنا ؟ .

أغلقت النافذة بعد أن نما لدي إحساس غريب أنني عازم دون شك على لفظ روحي ، لم تكن لدي الرغبة بذلك ولكن هذا الإحساس بدأ يتعاظم ويتضخم ، بدأت أحس على أثره أنني أتداعى لكنني تثبت محاولاً أن أقي نفسي السقوط ، تناهى إلى سمعي صوت غريب من الخارج ، تسلل إلي فجأة دون استئذان ، اعترتني رعشة ، همس قائلاً :

ـ كل شيء أصبح جاهزاً

ازداد ارتعاشي عندما سحبني خارجاً، ورحت أجر أذيال الخيبة عندها أحسست أن آخر خيط يربطني بالحياة قد بدأ يتهاوى ليتطاول ممتداً إلى لجة الجحيم .

عندما تحلق حولي الأصدقاء ضاع بين الزحمة ، بحثت عنه في كل اتجاه فلم أجده ،انتظمت صفوف الحشد فتكشفت الصورة أمامي . كنا نمشي مجموعات على شكل أنساق شبه مرتبة خلف نعش مسجى على عربة غريبة الهيئة ، وعلى غير عادة أشكال التشييع المتبعة ، كان خلف النعش مباشرة رجال دين مسيحيون ومسلمون في مسوحهم التقليدية ، وكنا وراء الشيوخ تماماً أنا وأصدقائي المقربين ، يتأبط أحدهم ذراعي ويمسك الآخر بالذراع الأخرى ويربت آخر على كتفي وكأن الميت قريبي أو ما شابه ذلك ، هذا ما أكاد أعتقده من نظرات وتصرفات الآخرين .

كان ينتابني غم شديد ، أحسست أن عيني ستطفران من الدموع إثر ذلك .

لاح لي من بعيد ، كان يعتلي العربة ممسكاً بالنعش وحوله أطواق الورد التي حملت أسماء أصحابها وعلى وجهه ابتسامة صفراء .

ازداد أثر الشد على يدي وانهال الأصدقاء علي يواسونني بفجيع مصابي ، جعلني ذلك أركن الى الهدوء والسكينة ، بعد أن تأكدت أنه اختفى من مكانه.

ـ من يكون ؟؟ .

قلت في سري : إنه أقرب مني إلى نفسي . وتساءلت: ما من ميت عزيز علي يستدعي دفنه وجود مثل هذه الحشود الغفيرة بما فيهم رجالات الدين بأشكالهم المتعددة إلاّ ويفترض أن يكون هذا العزيز مهماً في حياته

استدعيت في مخيلتي كل أسماء أقاربي وأهلي…

وقلت : لا يوجد أي منهم أو حتى معارفي ما يجعل دفنه يستوجب كل هذه الحشود المتألقة والشكل الجنائزي المصحوب بالتكبيرات وأصوات الموسيقى الجنائزية المنبعثة من عربة الدفن غريبة الشكل . تابعت مسيري منقاداً بين ذراعي أقرب أصدقائي إلى نفسي .

.. وصلنا المقبرة ، إني أراه . . إنه يجلس على سور المقبرة واضعاً ساقاً فوق ساق .

انتابني رعب وفزع ، تابعني بنظراته أثناء دخولنا من باب المقبرة ، كان يبتسم وهو يلاحقني بنظراته الرهيبة .

قلت وأنا أغض الطرف عنه : من أين انبثق هذا الشؤم بوجهي ثانية ؟ ؟ .

إن منظر دفن الموتى يثير في نفسي الخوف والهلع حتى يكاد قلبي ينفطر من هول وشدة الكارثة التي أراها .

وصلنا إلى جانب قبر حفر حديثاً، تمت مراسم الدفن بكافة الأشكال تبعاً لرجل الدين الذي يمثل طريقته بذلك.

وبغتة لفت انتباهي أن شاهدة القبر الأمامية مكتوب عليها بعد الفاتحة . . . . هذا قبر المرحوم . . . .

توفي في اليوم الخامس والعشرين من حزيران لعام 1994 ميلادية ، وعلى الشاهدة الخلفية .. . . هنا يرقد بسلام …

شعرت برعدة أصابت أطرافي ، أنستني ذلك الرجل الذي يعتلي سور المقبرة ، تنبهت أن يدي صديقي اللتين كانتا تلفان ذراعي قد ابتعدتا عني وإنني أصبحت حراً طليقاً .

بدأ الموكب بالعودة مغادراً المقبرة ، استدرت محاولاً الرجوع مع الموكب لكن أحد أصدقائي دفعني برفق إلى الخلف قائلاً : إلى أين ؟ .

" أنت الوحيد الذي لا يستطيع الانصراف من هنا " …هذا مكانك وأشار إلى القبر ، ارتعبت بشدة وتذكرت رجل السور بابتسامته المقززة

غادر الموكب ولم يبق سواي في المقبرة ، علقت عيناي عليه مجدداً فلقد كان يقرفص بجانب القبر ، أشار بيده إلى القبر يدعوني إليه وفي اليد الأخرى أشار إلى سيارة شرطة تقف بالقرب من باب المقبرة ، كان في إشارته إلى السيارة يتميز حنقاً وغضباً أدركت أنه يحذرني منها ، لقد تنبهت لوجود سيارة الشرطة أثناء دخولنا المقبرة ، كان ما يميز عناصرها أنهم بلباسهم التقليدي لكنهم يعتمرون قبعات زرقاء مما أثار حفيظتي اتجاه وجودهم في هذا المكان .

دعاني مرةً ثانية وهو يشير إلى القبر الذي بدأ رويداً رويداً يفتح ذراعيه لاستقبالي.

كان التراب يهيل إلى الجوانب فينفتح القبر شيئاً فشيئاً . توجهت إلى القبر ، دخلته بهدوء وبدون أن أحدث أي ضجيج ، كنت مأخوذاً ومنقاداً من قبله ، كنت بكامل حلتي وكأنني إزاء عروس تفتح ذراعيها لاستقبالي ، دخلت إلى جوف القبر ، تمددت كما الأموات واضعاً كفاً فوق كف الى فوق صدري ، علقت عيناي عليه مرة أخرى ، تابعني بنظراته المخيفة بشغف ، حلق باتجاه السماء إلى أن افتقدته عيناي نهائياً .

انتظرت في اليوم الأول أن يأتي أحد ما ليخلصني من هذا الوضع المريب .

في اليوم الثاني جحظت عيناي وبدأت أشعر بالارتخاء.

في اليوم الثالث بدأت أحس أن قوتي تفارقني وأن الخور قد أصابني .

في اليوم الرابع بدأ ينتابني إحساس بأنني أزداد ارتخاءً وترهلاً وبدأت أحس بالانتفاخ قليلاً .

في اليوم الخامس بدأت أحس بالانتفاخ أكثر وزاد شعوري أن رائحة العفونة والنتانة بدت تطغى على رائحة العطر الذي كنت أضمخ نفسي به

في اليوم السادس خرجت دودة من أنفي .

وأخيراً في السابع آنست بموتي ، وأيقنت أنني إلى زوال . فاستراحت الريح من عصفها واستراحت نفسي .



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World