الحرمل. رواية. سيرة الأب.. 1.

عايد سعيد السراج
alseragcham@gmail.com

2020 / 12 / 24

* الحرمـــــــل ( رواية ) -1-
* سيرة الأب
كان ذلك في يوم الجمعة بعد عودتك من صلاتها ظهرا ً يا أبي .
كنتُ لوحدي في البيت وأختي الصغيرة , كان اليوم جميلا ًحنوناً وهادئا. يسكنه سكون معطر بسكينة ونقاء مهيب حينها. كنت. أقرأ. رواية الكاتب: فرانز فانون ، وأنا أتساوق مع. أحلامي. .
يا لمصادفة موتك يا أبي !
قـَرَعْت َ باب البيت الكبير ففتحت لك الباب حيث كنتَ ذاهلا ً , وكأنك كنتَ تحاكي شيئا ً بعيدا ً أبعد من عالمنا ، كنتَ مهابا ً وجليلا ً ومشيت بخطاك الوئيدة ، وَجـِلاً ، بجسدك النوراني الطويل ، وطهره المعهود , تَعَلّقَـتْ عيناي بذهولك المهيب , ونظرتك الذاهلة إلى البعيد , عندما تجاوزتَ شجرة َ التوت الكبيرة التي نستظل بفيـئِـها , وتكفي الجيران وكل محبي التوت من ثمراتها حينما تدر بثمرها وطعمه اللذيذ الذي لا ينسى .
وبعد أن عبرت الحوش الواسع باتجاه غرف البيت الحجرية وتجاوزت الدرجات الثلاث إلى المصطبة الأسمنتـيـة , كان ذهولك يزداد دون أن تنطق ببنت ِ شفة , فأصابني الذهول انا أيضا ً , وَطَلبت َ مني بإشارة من يدك أن أعْطِنِي ماءا ً , فاسرعت به .
وبعد أن شربت قليلا ً سقطت من يدك طاسة الماء .
وبدأ وجهك يعرق بل يتصبب مطرا ً , وعنقك تتقلص عروقه , دوان أن تنبس ببنت شفة .
مابك يا أبي .؟. أبي مابك .؟.. لم ترد ، أصرخ أبي لم تنطق , وكأنك هناك مع الأفلاك في برزخ الوجد وأنا أصابني ما أصابني من ذهولٍ واستغراب ورهبة .
فوقعتَ على الأرض بهدوء ٍ ودون ارتطام , أنت الرجل الطويل الذي يملك جسدا ً رياضيا ً وقعت , بهدوء ٍ وجلال . وبشخير النائم غفوت إلى عالمك السرمدي , وكنت ُ وحدي بالبيت .
هززتك لم تجب , هززت نفسي وأنا أهزك َ , ولم تجب , كنت أحاكيـك همسا ً وحنانا ً , وكان قلبي هو الذي يفهم لغتك الحنونة وطيبتك التي تفوق جميع الآباء .
ماذا بقي لي وأنت كل شيء لي , يا من كنت أبي وصديقي والحنان الذي أستأنس به على شقاء الحياة .
أبي , أبي , ولم تجب , وأنا أيضا ً لم أجب ولم أبك ِ ولكنني عشت عالم السحر الذي كنتَه يا أبي .
عالمك المجبول من نوارنيته وسلام روحك وكرمك السرمدي , ألم تقل لي أن أباك الشيخ سراج صاحب كرامات وهو بعيد عنا في بلادٍ بعيدة ٍ , حيث دفن هناك وتحول قبره لمزار يأمه الجميع لقد زرت قبره الجليل بعد أن طردونا الدواعش من مدينتنا ، لقد زرت قبره ياأبي في الدولة المجاورة …. حتما أنت لا تعرف أن الدواعش هي فئة مجرمة احتلت المدينة , وبدأت بقطع رؤوس كل من يعارضها وذبحهم كالنعاج , ومدينتك الرقة أضحت خرابا ً بعد أن طرد الأمريكان الدواعش من المدينة ولم تكن حربهم بالسيوف كما هو المعتاد على أيامكم بل بالطائرات والصواريخ , نعم فمدينتك الوادعة قصفوها بالطائرات والصواريخ وهجروا أهلها والبعض منهم لا يزالون تحت أنقاض البنايات , و أقبيتها ميتين َ منذ شهور , آه يا أبي هذه هي الحقيقة . أعرف أنك تتألم وتحزن لهذا ,
نعم يا أبي إنني أحدثك من بلد ٍ أوربي بعيد جدا ً أبعد من لبنا ن والعراق وتركيا والأردن اللواتي يجاورننا أبعد بكثير .
هاأنذا ألم ّ أطرافي يا أبي , وأتوادد مع الذات والمحيط , وما زالت تنتابني تلك القشعريرة التي ما فتأت تبارحني منذ تلك الليلة , أنا أًحُيطُ بي كي لا أتناثر وجعا ً مؤلما ً . وجعً يتحاوط ُ جسدي , وأصفن به , حتى أنّ رؤوس أصابعي تؤلمني , أسياخ نار ٍ تخرج منها , أما رأسي فلن أحدثك عنه إذ أنه كمحرك قديم يعمل على الديزل , تصرخ بداخله جنيات وسعالي لا يـَخـَفـْنَ الله , حتى أنهن َّ يتقاتلن بداخله بصياح ليلي مخيف , صياح جنيات ٍ , أو قرود ناطة أبدا ً في أغصان أوردته الملتوية المتشابكة , كما هاتفي الذي يرن ّ الآن بإلحاح ٍ مخيف .
سأعتذر منك الآن يا أبي لدقائق لأرى ماذا يريد مني هذا الجهاز الغبي المِلْحَاح وسأعود إليك لنتحدث بمسائل كثيرة أنت تعرفها. ياأبي .
يتبع ....



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World