بين انتفاضة أكتوبر والثورة الفرنسية

جلال الصباغ
a.marzouq@yahoo.com

2020 / 12 / 3

انتهت الثورة الفرنسية باقتلاع حكم الملك وحكم رجال الكنسية والاقطاعيين من النبلاء وغيرهم من فئات الطبقة التي لا تشكل أكثر من واحد بالمئة من مجموع سكان البلاد، وهي تستحوذ على كل شيء دون أن تعطي سوى الفتات للتسعة وتسعين بالمئة المتبقين. سبق الثورة على مدار عقود صعود طبقة جديدة داخل المجتمع هي الطبقة البرجوازية التي أنتجتها الثورة الصناعية في أوربا، والتي أنتجت فلاسفتها ومفكريها وفنانيها، وقد ساهمت بشكل كبير في القضاء على النظام القديم. المهم ان هذه الثورة عقب نجاحها أثرت على كل العالم و لا تزال تأثيراتها حاصلة حتى يومنا هذا.

صحيح أن التاريخ لا يعيد نفسه ولكل حادثه من حوادثه أسبابها وخصوصيتها، لكن من يصنع ويحرك التاريخ يبقى كما عبر عنه ماركس وإنجاز في البيان الشيوعي هو الصراع الطبقي بين المُستَغَلين ومستغليهم من الطبقة الأخرى.

ما يصح على الثورة الفرنسية يصح على جميع ثورات العالم التي غيرت وجه التاريخ مثل الثورة البلشفية في روسيا وغيرها من الثورات والانتفاضات، فلا ثورة او انتفاضة دون قهر وبؤس وهيمنة أفراد قليلين على موارد شعب كامل، وهذا ما يحصل فعليا في العراق اليوم.

فالبؤس والفقر والحروب والتخلف الذي أنتجته سلطة الاسلام السياسي وشركاؤها القوميين والليبراليين، جعل السلطة والثروة بيد رجال الدين وسياسي احزاب وقوى السلطة، الذين أذاقوا الجماهير مختلف صنوف العذاب والقتل والتهجير والطائفية، ونهبوا خيراته طوال سبعة عشر عاما من تجربتهم المريرة.

ان جماهير العراق رفضت رفضا قاطعا سيطرة رجال الدين على مقدرات البلاد كما رفضت جماهير فرنسا سلطة رجال الكنيسة الذين كانوا أدوات الملك في ديمومة حكمه، كما أنهم رفضوا كل اللصوص من الذين يمثلون القومية او العشائرية او الليبرالية، فالوعي الجماهيري الذي تشكل من خلال مشاهدة ولمس سيطرة طبقة الملاك واللصوص والمتحكمين، ليس باستطاعة أحد ان يعيده إلى الوراء، لان الوعي المضاد لوعي السلطة ورجال دينها ومثقفيها، أمر حتمي، لا يمكن لرجل دين هنا او مرجع هناك او سياسي فاسد في مكان آخر ان يغيره مهما غرد او صرح او كتب.

لا ينقص الوعي المتجذر في عقول وقلوب الجماهير أن يحقق انتصاره بالخلاص من هذه الثلة القذرة التي تتحكم في مصائرنا دون أن يتوج وعيها هذا بوعي سياسي مؤمن بقدرة الجماهير على فعل المستحيل في حال تنظمت وانتجت بديلها الثوري.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World