نشر التوعية وثقافة الديمقراطية بين المواطنين

حسن الشامي
helshamy99@gmail.com

2020 / 11 / 14

تكاد تجمع التقارير والبحوث العلمية قبل ثورة 25 يناير 2011 م علي ضعف المشاركة الاجتماعية والسياسية للمصريين خاصة القطاعات الشعبية الواسعة من الشباب والنساء.. إذ تسجل عزوفهم عن التفاعل مع القضايا ومشكلات مجتمعهم، وإيثارهم لموقف الفرجة بما يفرضه عليهم من عجز وصمت.
وفي ضوء رصد وقراءات لواقع المشاركة الاجتماعية والسياسية قبل ثورة 25 يناير 2011 م، نجد أن حالة العزوف عن المشاركة يمكن ردها إلي مجموعة من المتغيرات والعوامل التي تتفاعل معا بين هذه الكتل الخاملة من الجماهير فآثرت البقاء في مقاعد المتفرجين تجاه ما يحدث في وطنهم، وما يحدث في شئون حياتهم.
واهم هذه المتغيرات هي العوامل التاريخية ألبنانية التي شكلت ورسخت ما يمكن أن نسميه ثقافة الرضا بالمقسوم والاستكانة والخضوع والطاعة والصبر علي المكروه والاستسلام للمشيئة أيا كان مصدرها سواء كان الله أو الحاكم أو الأب أو كبير العائلة.
كما إن ثقافة الصمت والفرجة والطاعة والامتثال سلبت عموم المصريين قدرتهم علي الإبداع والفعل الخلاق، والمبادرة، أو عطلت هذه القدرات حال وجودها واستنفارها من اجل تجديد حياتهم أو تحقيق سعادتهم.
إن أصل الداء في الثقافة المصرية السائدة هو قيامها علي فكرة الاستبداد، استبداد الذكر بالأنثى، والكبير بالصغير، والحاكم بالمحكومين، والسلطة بالمواطنين في سياق من علاقات القهر والتسلط والطغيان والاحتكار مقابل الخضوع والاستسلام الذي حول القطاعات الشعبية الواسعة من المصريين إلي كتل خاملة وخامدة تبدو وكأنها قد جبلت علي الاستبعاد وعدم النهوض بمسئولياتها تجاه صياغة حياتهم وتجديدها.
إن هذه الوضعية تطرح ضرورة إحداث تغيير جذري في التراث الثقافي المصري والمخزون المعرفي المتراكم في الشعور الجمعي لدي جموع المصريين والذي تم إدخاله خلال عمليات التنشئة والتطبيع الاجتماعي التي تعرضوا لها منذ ولادتهم وعلي امتداد حياتهم.
وهذا هو التراث الذي في إطاره يفهمون ويفسرون خبراتهم المعاصرة وسلوكهم وتصرفاتهم الآنية والمستقبلية، ويتحدد في ضوئه رؤيتهم للعالم المحيط بهم ولدورهم في هذا العالم، وكل ما يحملونه من قيم عن الحرية والعدل، والخير والشر، والحلال والحرام.
وفي هذا السياق تطرح مسألة بناء الديمقراطية ونشرها وترسيخها في المجتمع المصري كثقافة مجتمعية بديلة لثقافة الاستبداد والقهر والخضوع والاستسلام..
وعملية بناء الديمقراطية وترسيخها في كل مجالات الحياة المجتمعية بالنظر إليها كثقافة مجتمعية تنتشر وتسود بحيث يستخدمها الأب مع أسرته، والرجل مع المرأة، وفي قطاعات الإعمال، والمؤسسات التعليمية، وتنظيمات المجتمع المدني.. وهذا الجانب الثقافي هو الأساس والقاعدة التي يقوم عليها وينطلق منها الجانب الإجرائي والعملي من بناء الديمقراطية.
ويتضمن الوجه الثقافي للديمقراطية ثلاثة أبعاد مهمة هي:
أولا: البعد المعرفي الخاص بتكوين وعي المواطنين وإنضاج هذا الوعي بمفهوم الديمقراطية بكل مشتملاتها من كفالة حرية الفكر والاعتقاد والتعبير والتنظيم والمساواة القانونية وسيادة القانون واحترامه، واحترام وكفالة حقوق الإنسان، وحرية تكوين أحزاب سياسية في إطار تعددي حقيقي، والانتخابات الدورية كأساس للمشاركة الشعبية واستقلال القضاة، والتداول السلمي الحقيقي للسلطة في سياقات قوامها الحرية والعدل.
وثانيا: البعد المتعلق بالجانب الوجداني والقيم والاتجاهات الموجهة والضابطة والمرتبطة بالديمقراطية. كالعقلانية والعلمية والتسامح والنسبية والتعدد التنوع، وقبول حق الاختلاف والتعايش معه، والحوار والسلام، ونبذ العنف والتطرف.وهي القيم والاتجاهات التي تصبح طابعا مميزا للفكر وللأفعال السلوكية وعلي أساس المطابقة بين الفكر والعمل.
وثالثا: البعد المتعلق بالجانب السلوكي وهو الجانب المرئي للديمقراطية والذي يتم تنميته من خلال التفاعلات المجتمعية والاجتماعية الجارية في المجتمع.
وهذه الإبعاد الثلاثة تؤكد إننا بصدد قواعد وقيم وسلوكيات يمكن تعلمها وتمثلها في كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية من الأسرة إلي المدرسة وفي المؤسسات الدينية وفي مؤسسات العمل.
وبتعليم هذه القواعد والقيم السلوكية وبتمثلها في كل مستويات وجودنا سنكون مهيئين للمطالبة بالديمقراطية وممارستها في المجال السياسي وعلي مستوي ألدوله وأجهزة الحكم.
وبذلك يكون الهدف الاستراتيجي العام لنشر التوعية بالديمقراطية يتحدد بضرورة إحداث تغيير جذري واسع النطاق في الثقافة السائدة والمزاج العام السائد لدي عموم المصريين لإنجاز إصلاح ديمقراطي حقيقي.
وهذا الهدف الاستراتيجي يمكن تجسيده في مجموعة من الأهداف الإجرائية تتحدد فيما يلي:
ـ زيادة وعي القطاعات الشعبية المصرية (وخاصة الشباب والنساء) بمفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان من خلال نشر المعارف المتصلة بالمفاهيم والمبادئ الديمقراطية.
ـ تعبئة المواطنين وتحفيزهم علي المشاركة والنهوض بمسئولياتهم تجاه صنع حياتهم وتجديدها من خلال تشجيعهم وتدربيهم وحفزهم علي المشاركة في حوارات مفتوحة عن الديمقراطية والحرية.
ـ زيادة وعي المواطنين وتنظيمهم بما يؤهلهم للتفاعل وتحمل مسئولية واجباتهم المدنية كمواطنين أحرار.
ـ نشر ثقافة التسامح الديني والاحترام المتبادل لأصحاب العقائد المختلفة والمغايرة وقبول الحق في الاختلاف والتعايش معه وتشجيع ثقافة الحوار ونبذ التعصب والتطرف.
ـ الوعي بحقوق وحريات الإنسان ودعمها واحترامها والدفاع عنها.

رئيس الجمعية المصرية للتنمية العلمية والتكنولوجية
عضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World