استعداداً لتشرينية جديدة

ساطع هاشم
hashem59@yahoo.com

2020 / 11 / 13

انتقلت مرحلة الانفجارات الجماهيرية العفوية القوية ضد النظام الطائفي بالعراق الى مرحلة من الهدوء والحذر وربما مراجعة الذات، كما حدث مع انتفاضة البصرة سنة 2018 عندما قمعت، وربما ستفاجئنا الجموع الشبابية بقواها العفوية الصاخبة مرة أخرى قريباً او بعيداً، بما هو اقوى واشرس من اية انتفاضة سابقة شهدها العراقيون ضد الإسلام السياسي تماماً مثلما حدث بعد عام على تظاهرات البصرة
لا نستطيع ان نتحدث عن ثورة تشرين وكأنها أمور مضت وانتهت حيث تحالفت كل قوى العراق الخيرة ضد الإسلام السياسي متجسدة في حركة الشباب العفوية، وانعطاف الرأي العام داخل وخارج العراق نحو تأييدهم، وقد تميزت بأتحاد عناصر غير متجانسة بتاتاً ولكن تحت لواء مشترك ضد عدو مشترك ضد عقيدة سياسية واجتماعية رجعية انتهى زمانها وهذه اهم ظاهرة جديدة بالساحة العراقية
ويسعى الطغاة الان لاحداث الفتنة بينهم وجعل الحركة ونضالها ضيقة في سبيل إصلاحات طفيفة وشكلية بدل اسقاط النظام، وهذه الحيل قد نجحت لوقت طويل لكنها وصلت الان الى طريق مسدود تماماً خاصة بعد افلاس الدولة وخزينة المال وانهيار أسعار النفط وتهريب العملة
لقد لاحظنا ان معظم قادة الانتفاضة شباباً يافعين دون سن الثلاثين، وبسبب حداثة سنهم واندفاعهم المتواصل والمتفاني فقد اصبحوا هدفاً على قائمة التصفية التي اعدها القتلة والقناصة باوامر مباشرة وغير مباشرة من المستعمر الإيراني وجلاوزة خامنئي كما بينت التقارير، ومع هذا القتل المتواصل من قبل الميليشيات الغادرة الذي قتل قرابة الالف شاب وشابة مع مئات من المعتقلين مجهولين المصير وآلافاً من الجرحى، فلم يتركوا مسرح التظاهرات بل وسعوا من نطاق عملهم ولم ينسوا ان هدفهم هو اسقاط هذا النظام
ولا يبدو ان هذا النظام سينهار بسرعة لأنه صار يعرف كيف يتعافى كلما ضعف، ولكنه لابد ان ينهار اخيراً مهما بلغت الاعيب المجرمين بهلوانية واتقان
والسؤال الان:
كيف سيستعدون للانتفاضة القادمة؟
وكيف سيوحدون جميع الفئات الساخطة على عصابات الإسلام السياسي ونظامهم اللصوصي، في روابط ومنظمات جيدة التنظيم استعداداً للمرحلة القادمة؟
ونحن نعرف الان ان هناك جبهة سياسية قد تشكلت مؤخراً، تضم ابرز حركات التنسيق التي شاركت بالاعتصامات، وهناك تواصل فيما بينها، ولكن لم نعرف بعد الخطوات القادمة والتكتيك اليومي الذي سيتبعه هذا التجمع، وكيف سيستمر.
خاصة وان جماهير العراق قد افقرها مادياً ودجنها وركبها الفقهاء ورجال الدين، واستغلوها لمصالحهم لسنوات طويلة، وصار عندنا اغبى جمهور بالشرق الأوسط وربما بالعالم، حيث ضَحت الجماهير بنفسها واموالها في سبيل الرجعيين، واصبحت مطية بيد المراجع الدينيين التافهين يوجهونها أينما أرادوا، واصبح العراق مثال على غياب عقل الجماهير عندما تقودهم مجموعة من اللصوص الرعاع المجرمين بعد ان اشاعوا التعصب والعنصرية اعتماداً على تهور العامة لاستدراجها نحو البغضاء والطائفية والحرب، بواسطة جيش مسلح هائل من الكهنة والروزخونية وتجار الدين الآثمين من أعضاء حزب الدعوة والمجلس الأعلى وقوات بدر والصدر والقائمة تطول، وعلى قاعدة هذه الشعبية الرخيصة بين الغوغاء يتغذى ويعيش الإسلام السياسي وينشر فساده منذ سبعة عشر سنة.
ورغم ان انتفاضة تشرين قد غيرت الكثير من هذا الواقع المزري، حيث ساعدت على تحرير عقول الناس من رجس الدعاية الدينية ولو قليلا، وعلمتهم على ادراك انهم ليسوا مجبرين على تقديس المراجع والمنابر وان بمقدورهم محاربة ودحر طبقة رجال الدين المتعفنة واحزابها وميليشياتها، وانتزاع السلطة السياسية منها، الا ان الطريق مازال طويلا، بفعل الدعم الكبير الاعلامي والعسكري الذي يتلقاه هذا النظام وزبانيته من المستعمرين الايرانيين بشكل خاص.
كلنا يشعر ان هناك آلاماً غامضة تستولي على ثوار تشرين في كل مكان، حتى ليبدو ان كل ما شاهدناه من بطولة وتضحية وتفاني حتى الان قد تبدد بالفضاء، ولم يبق سوى الظلمات والمظالم تحيطهم من كل جانب، غير ان الواقع يقول، بأن الأغلبية الصامتة لم تعد صامتة، وان الانتفاضة مستمرة ولكن بأشكال ثورية مختلفة
لا خَيْرَ فِي عَيْشِ الْجَبَانِ يَحُوطُه مِنْ جَانِبَيْهِ الذُّلُّ وَالإِمْلاقُ (البارودي)



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World