عالم الاجتماع الدكتور المنصف وناس ....كما عرفته

حسين سالم مرجين
mrginhussein@yahoo.com

2020 / 11 / 8

انتقل إلى رحمة لله تعالى الأستاذ الدكتور المنصف وناس الذي وافاه الأجل يوم الأربعاء الموافق 4 نوفمبر 2020م، ويعد الدكتور المنصف وناس من أبرز القامات العلمية في علم الاجتماع بالجامعة التونسية، ومهتم بالشأن الليبي، حيث كرس جل حياته بالبحث والتشخيص والكتابة عن الشأن الليبي، وله عدة كتب عن ليبيا منها : السلطة والمجتمع والجمعيات في ليبيا سنة 2000، وكتاب تاريخ فزان المجهول سنة 2012، وكتاب الشخصية الليبية بين ثالوث القبيلة والغنيمة والغلبة سنة 2014، وكتاب " ليبيا التي رأيت، ليبيا التي أرى: محنة بلد" 2017م.
عرفته في إحدى اللقاءات العلمية التي أقيمت في تونس حيث كان وجهَهُ البشوش وابتسامته المعتادة التي يخالط فيها الفزع والحزنُ والقلق والخوف جراء الحاصل في ليبيا، وبالرغم من كونه كان يمتلك مستودع من الأسرار والكتب والوثائق عن ليبيا، إلا أنه كان دائمًا يضج رأسه بالتساؤلات عن ليبيا، ليعود بعد ذلك إلى الصمت ويغرق فيه، وكانت كلماته عن ليبيا تحمل في داخلها معاني وقيم تحاول أن تقرع رؤوس البحاث والمهتمين بالشأن الليبي قرعًا.
سألني في شتاء 2019 هل قرأت كتابي الجديد هو كتاب " ليبيا التي رأيت، ليبيا التي أرى: محنة بلد" 2017م، فقلت له أنك لم تعطني نسخة منه، وفي اليوم التالي جاءني وأهداني كتابه، وطلب مني قراءته وتقييمه، كما طلب مني شيء غريب؛ وهو رمي كتابه في حال عدم قبولي لأفكاره وتحليلاته، وشعرت آنذاك بأنه ربما تعرض لصدمة أو لواقعة مؤلمة جراء تشخيصه وتحليله عن الأوضاع في ليبيا، حيث رأيت القلق يجد إلى نفسه سبيلاً، خاصة من نقد بعض الأساتذة والبحاث الليبيين اتجاه كتاباته عن ليبيا، والتي قد تخرج في بعض الأحيان عن سياقها الأكاديمي والأخلاقي المتعارف عليه، فتصبح من النقد الأفكار إلى التجريح الشخصي، فالكثير من المشاعر قد تخنق صاحبها إن ظلت دفينة، لقد شعرت وأنا أقرأ الكتاب المذكور بأن الدكتور المنصف وناس يمتلك الروح الوطنية الليبية، وأنه منحنا سنوات عمره من أجل قضية البحث والكشف عن مشاكلنا التي عجز بعض بحاثنا وأساتذتنا السيوسولوجيين التطرق إليها، في الحقيقة استمتعت كثيرًا بقراءة ذلك الكتاب الجد مهم، واستفدت منه الكثير سواء من حيث المنهجية المتبعة أو التشخيص والتحليل أو التفسير أو التقييم والتقويم، وعند الانتهاء من عملية القراءة والمراجعة قمت بتدوين بعض الملاحظات والاستنتاجات، وقمت بإحالة ما كتبت إلى الدكتور منصف وناس فجاءني هذا الرد على بريدي الإلكتروني، كتب فيه :
حضرة الدكتور حسين مرجين،
تحية تقدير ومودة
لقد تلقيت باهتمام ما تفضلت بكتابته عن كتابي؛ وتفاجات لما وجدته من موضوعية وأمانة في التعامل مع الكتاب قل نظيرهما، على الرغم من بعض الاختلافات في النظر إلى التطورات. فما كنت أعتقد أن الدنيا ماتزال بمثل هذه الموضوعية. تكرمت وأشرت إلى بعض النقائص في التحليل. ولكني لم اش أن يكون الكتاب بحجم 600 صفحة؛ فيصبح عندها غير قابل للقراءة
فشكرًا مرة أخرى على هذا الكرم وأني استئذانك في نشر هذا المقال في إحدى المجلات العلمية التونسية خاصة وأني أجريت له مراجعة لغوية بسيطة جدًا.
مع خالص التقدير،،، المنصف وناس.
لقد افتقدنا باحثًا من طراز مميز، فهو يُحاول دائمًا في جل كتاباته وأبحاثه أن يكون مدققا ومحققا ويتقصى الأسباب ويتعرف على دواعيها وصولًا إلى الحقائق، ومن ثم يطرح المعالجات المطلوبة، كما أنه يمتلك روح المغامرة البحثية التي يفتقدها جل البحاث السيوسولوجيين أو الأنثروبولوجيين في المنطقة العربية.
لقد أصبحت كتب وأبحاث المنصف وناس مستودع أسرار، لقد صارت مخزن حكايا وصارت ذبالة حزن معتق.
وختامًا لا يسعني سوى أن أرضي بقضاء الله وقدره فالموت علينا حق.. فيرحمك الله أيها ...المنصف... إنا لله وإنا اليه راجعون.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World