هموم وتطلعات الشعب في السينما الكولومبية

سمير حنا خمورو
samir.khamarou@yahoo.fr

2020 / 11 / 3

اختتم مهرجان بانوراما السينما الكولومبية، الدورة الثامنة 2020 في باريس بالاعلان عن فوز الافلام الفائزة، في فئة الافلام القصيرة، اختارت لجنة التحكيم بالاجماع منح فيلم "الارض المحروقة ARDE LA TIERRA" للمخرج خوان كاميلو أولموس ومدته 29 دقيقة من انتاج 2019. يتناول هذا الفيلم الوثائقي ببراعة طقوس يعتقد المرء أنها جاءت مباشرة من العصور الوسطى. في منطقة تقع في شمال كولومبيا تشبه ما موجود في اسبانيا من حفلات مجنونة (مصارعة الثيران). تجمع ضخم يختار فيه افضل المربين اشرس واقوى ما لديهم من الثيران لمواجهة مجموعة من المتطوعين الشجعان. وعلى صوت الفرق الموسيقية وانفجار الألعاب النارية، تتبع الكاميرا أحد هؤلاء المربيين في تنظيم الاحتفالات ، ومن خلال ذلك نكتشف مجتمعًا بأكمله منغمسا بإفراط في اقص طقوس هذا الاحتفال الصاخب لإمتاع الاغنياء. اصبح هذا العيد الدموي تدريجياً مسرحاً لنظام اجتماعي راسخ ، مكوّن من مواجهات دائمة ، تتفاقم بفعل هذيان جماعي يبدو أنه يتجاوز كل وعي. يغرقنا الفيلم في التوحش والبدائية عند الانسان، يستغل المخرج كل هذا ليذكرنا بغطرسة وهشاشة وجودنا وراء الضجيج والعَرق والدم. تقليد يوضح تمامًا تجاوزات المجتمع الأبوي حيث تؤدي التفاوتات القوية إلى جعل الأشخاص الأكثر حرمانًا يقدمون حياتهم لتسلية الأغنياء. اما جائزة لجنة تحكيم (طلاب السينما)، فقد ذهبت الى فيلم "ليمبو LIMBO" اخراج إلكسندر فتال مدته 25 دقيقة انتاج 2019 . القصة في شاحنة تتحول إلى غرفة مظلمة ، حيث تختلط وتمتزج الأحلام بالواقع ، يسترجع "أليكس" الحرب بين مجموعات متمردة والحكومة من خلال هذه الرحلة التي تشبه الحلم ، سيتعين على أليكس مواجهة الشيطان الذي يعيش داخله ، ويكشف عن حياة كان يحاول طمسها في طي النسيان. الفيلم بصريًا رائع، تصبح فيه الصورة الرقمية نفسها مختبرًا حقيقيًا للتطوير، من حيث استثمار ما تمنحه هذه التقنية الواسعة في مجال الصورة والصوت. المؤثرات الرقمية في هذا الفيلم هو مثال على قوة الوسيلة في خدمة الكلمة ويسمح لبطل الرواية ، الضحية وضحية الصراع في كولومبيا ، أن يروي قصته بشكل مختلف.

وحصل فيلم "شمس مسطحة SOL DEL LLANO"، روائي قصير سيناريو المخرجة مانويلا ايرين اسبيتيا 20 دقيقه انتاج 2020 على جائزة جمهور المهرجان. يروي قصة فتاة صغيرة (أميلي)، البالغة من العمر 9 سنوات، تعمل رغم صغر سنها وببراءة اخراج والدتها من الأزمة العاطفية التي تمر بها، عن طريق استثمار المناظر الطبيعية في السهل الكولمبي الجميل.

أما بالنسبة لجوائز فئة الفيلم الطويل فقد اختارت لجنة التحكيم منح جائزتها مناصفة لفلمين:
(عائلة كولومبية A COLOMBIAN FAMILY)، وفيلم ( لابو LAPÜ ).
عائلة كولمبية، فيلم وثائقي طويل، سيناريو واخراج تانيا وول سورينسن. مدته 80 دقيقة انتاج دنمارك 2020. تجد " ييرا " البالغة من العمر 29 عامًا، والتي عاشت في كوبا منفية، في إبرام اتفاق سلام بين حركة "فارك" الجيش الثوري لكولومبيا والحكومة في عام 2016 - بعد حوالي 30 عامًا من بدء القتال - فرصة لإعادة الاتصال بينها وبين امها المناضلة ، " روبي " عمرها 56 سنة تعيش وحدها في شقة صغيرة متهدمة في منطقة فقيرة. تعود ييرا الى كولومبيا لزيارة والدتها وهي نفسها أماً الان لطفلة عمره 8 سنوات، بعد أن أمضت عشر سنوات في المنفى في كوبا، تريد أن تعطي ابنتها الأسرة التي لم تكن لديها من قبل. وتتذكر انها عاشت طفولة مهملة في ظل الصراعات السياسية واضطهاد والديها. وتخبر والدتها أن أيا منها لا يعيش السعادة، وتترك المخرجة يتحدثان عن حياتهما وتطلعاتهما، واستعادة ذكرياتها عندما كانت طفلة من خلال الصور، ومنها صورة الكلية وذكريات وفاة والدها، وتحاول اقناع امها بشدة ان تلتحق بها حيث تعيش الان في كندا ولكن روبي رغم سلسلة التهديدات التي تتلقاها بالقتل، وعلى الرغم من حالة كولومبيا غير المستقرة تحاول التوفيق بين رغبتها في الاستمرار في رعاية مجتمعها وإعادة التواصل بشكل كامل والعيش قرب ابنتها التي غابت عنها فترة طويلة. قد أصبح هذا الآن صراعًا داخليًا وليس خارجيًا، تعيش معضلة صعبة، إذا اختارت ابنتها ، فإنها تتخلى عن شعبها. روبي في النهاية لا يمكنها التخلي عن مُثُلها السياسية واختيار عائلتها بدلاً من ذلك. لقد عملت المخرجة بجد لبناء علاقة مع بين الشخصيتين، اللذين ينفتحان في حضورها ، حتى عندما تكون حضورًا ثالثًا اثناء المحادثات الحميمة.

بالنسبة لييرا، المعركة مختلفة ، حيث تحاول إبرام اتفاق سلام خاص بها بين الماضي والحاضر. علاقة ييرا وروبي ، على الرغم من أن لها سياق سياسي محدد ، هي نوع من مزيج الفوضى الذي يعيشه الناس في جميع الدول التي تعيش مشاكل سياسية كبيرة وهجرة وحروب داخلية. ستكون معركة الإرادات بين الأم وابنتها مألوفة لدى الكثير من المشاهدين بعد التغيير ، إلى جانب الرغبة في محاولة التوفيق بين ما حدث في الماضي، وبين الحاظر الملتبس. ورغم عدم اهتمام المخرجة بالوضع السياسي والحرب المدنية والحالة المضطربة والفقر في كولمبيا بشكل مباشر ولكن المشاهد يشعر انها حاضرة بقوة في خلفية المشاهد.

وفيلم الطويل الاخر ( لابو LAPÜ )، وثائقي درامي، للمخرجين سيزار أليخاندرو خايميس، وخوان بابلو بولانكو، مدير التصوير أنجيلو فاتشيني.
يروي الفيلم حكاية طقوس شعب وايو في كولومبيا. دوريس، امرأة شابة، في إحدى الليالي التي عصفت بها الرياح تحلم بأبن عمها الذي توفي منذ أكثر من عشر سنوات، والمدفون في وسط صحراء واكيرا، وهي علامة بالنسبة لهذا الشعب من الأمريكيين الأصليين ، معلنا عن بداية طقوس مهمة، وفقًا لتقليد شعب (الوايو) ، يجب على دوريس الشابة أن تستخرج الرفات، وتقوم بتنظيفها ودفنها مرة أخرى. ترافقها في رحلتها ظلال الصحراء وأصواتها في رحلة جسدية وروحية لاستخراج الرفات ، في نشوة انجذاب مرضي حيث تنهار الحواجز بين الحياة والموت، لتقابل جثة ابن عمها للمرة الأخيرة قبل دفنها النهائي حتى يعود الانسجام للحياة، ويمحو الحدّ بين الأحياء والأموات بحسب معتقد وتقاليد شعب الوايو.
للوقت مفهومًا مختلفًا، يرافق بعض من الطقوس الأكثر حميمية للاجداد لهذا المجتمع الأصلي في صحراء لاواكيرا ، شمال كولومبيا. ويؤكد أهمية الأحلام والتواصل مع الموتى في ثقافة هذا المجتمع الأمومي. شارك الاهالي ببساطة متناهية وغير مفتعلة في المحادثات فيما بينهم حول هذه الطقوس الرائعة والغريبة. حتى أن دوريس تتحدث مع ابن عمها الميت، دون ان تنتبه للكاميرا التي تراقبها بفضول.
ان المخرجين انتهزا الفرصة ببراعة، وتولد مشاركة بالتعاون الوثيق مع السكان الاصليين، وكانوا ابطال العمل لإنتاج فيلمًا إثنوغرافيًا شاعريا وشبيهًا بالحلم. فيلم رائع وتسجيل وثائقي. لا تهتم رؤية الكاميرا للطقوس فحسب ، بل تهتم أيضًا بالأشخاص الحاضرين ، الذين تعكس وجوههم نفس الفضول ونفس الانبهار الذي نجده لدينا في تجربة فريدة وغير عادية.

وكانت جائزة الجمهور من حصة فيلم وثائقي طويل (ضباب السلام) LA NIEBLA DE LA PAZ سيناريو واخراج جويل ستانكول، مدير التصوير بوريس جيفارا وجويل ستانكول ، مونتاج كارولينا كامبوس. داخل أحد معسكرات قوات المعارضة اليسارية في أعماق الغابة ، يتبع "ضباب السلام" عمل اثنين من مقاتلي "فارك" قبل اتفاقيات السلام وأثناءها وبعدها. يكتب المقاتل "تيو" مذكرات رفاقه المقاتلين المجهولين . كتابة قصص الحياة والأحلام والدوافع والحب ... في الوقت نفسه ، يصور "بوريس" مفاوضات السلام خلف الأبواب المغلقة بين قادته في القوات المسلحة الثورية لكولومبيا (فارك) والحكومة الكولومبية. وثائق على شريط فيديو لعملية التفاوض في هافانا ، وجوه وأصوات هؤلاء المقاتلين الآخرين المعروفين ... تجري خوض "معركتين" متوازيين: حوار في ظل حرارة ضبابية لكوبا ، ومعركة الأسلحة والتخلي عنها في الضباب الذي يغمر شروق الشمس في الغابة ... بعد انتهاء المهمة وتسليم الأسلحة ، ماذا بعد؟ وهم يعيشون على أعتاب التغيير التاريخي بعد قتال استمر لاكثر من ثلاثين سنة ، يقاتل الجميع لجعل أصواتهم جزءًا من رواية الحرب والسلام. وفي مواجهة العودة الوشيكة للحياة المدنية التي تعد بأن تكون معقدة ، فهم لم يعرفوا غير العيش داخل الخيام في الغابات والجبال وحمل السلاح... يبحث المقاتلين في ذكرياتهم التي يمكن أن تغذي وتؤجج نار الحرب أو على العكس من ذلك تهدئتها وتضميد ومعالجة ماضي عنيف.
يقول المخرج عن فيلمه، الذاكرة عبارة عن تناقض لفظي، يمكن أن تكون كنزًا عظيمًا ، ولكنها يمكن أن تكون أيضًا فراغًا كبيرًا عندما يختبر المرء غياب الذكريات. عملية التناقض تفسر المأساة الحتمية في علاقات الوجود. وبهذا المعنى ، يمثل ضباب السلام العلاقة المأساوية التي لا تنضب بين الذاكرة في تاريخ الصراع في كولومبيا والمحاولات العبثية للتهدئة.

نكتشف في الأفلام الأربعة عشر المعروضة عن كولومبيا، سينما مهمة لا تبتعد عن هموم وتطلعات شعب ناضل لفترة طويلة ضد الديكتاتورية والحكومات العسكرية، قدمت هذه الافلام نظرة شاملة لكولومبيا، لأراضيها وشعوبها وثقافاتها ، وللنزاع الذي لا يزال يعاني منه البلد.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World