الورقة البيضاء ... مزيد من البؤس والفقر والبطالة للجماهير والمزيد من الغنى والتوحش لأقطاب النظام

جلال الصباغ
a.marzouq@yahoo.com

2020 / 10 / 31

طرحت حكومة الكاظمي قبل أيام ورقتها البيضاء في خطوة ظاهرها محاولة لإصلاح النظام الاقتصادي في العراق، لكنها في الحقيقة كارثة تقع على رؤوس الكادحين والعمال والفقراء والذين يشكلون الغالبية العظمى من الشعب.

جاء في الخطوط العامة لهذه الورقة أنها تهدف إلى "إعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع تطبيقا لمبادئ الدستور" إن إعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد تعني في حقيقتها رفع الدعم الحكومي عن جميع القطاعات وخصخصة هذه القطاعات وهو ما شرحته الورقة في تفاصيلها اللاحقة.

دعونا نفكر قليلا، هذه الخصخصة المقترحة لقطاعات مثل الكهرباء والصحة والتعليم والبنى التحتية والبطاقة التموينية وغيرها، ماذا تعني؟ إنها باختصار عملية تحويل ملكية هذه القطاعات إلى من يستطيع شرائها، ومن يستطيع شرائها هم ناهبي المال العام طوال السنوات الماضية الذين أصبحوا مليارديرات عن طريق سرقاتهم واستيلائهم على مقدرات الدولة، كما تعني أن ممتلكات الشعب ستكون بيد الشركات العالمية والمحلية التي تفرض الأجور التي تعجبها وتسرح العاملين فيها متى شاءت ومع أي أزمة تواجهها دون ضمان. ما يعني في المحصلة النهائية سيطرة المالكي وعبد المهدي والحلبوسي وأسامة النجيفي ومقتدى الصدر ومسعود بارزاني والمرجعيات الدينية وغيرهم من الشخصيات والجهات وحواشيهم من الرأسماليين الكبار التي أذاقت الناس الأمرين على اقتصاد البلاد بشكل تام ورسمي.

إن هذه الورقة المشئومة لم تلقى من النقد والشرح ما يوضح تفاصيلها للمجتمع، هذا المجتمع المنتفض ضد السلطة وقواها منذ أكثر من عام والعازم على اقتلاعها من الجذور، تفاجئ اليوم بورقة اقتصادية ستسرح الآلاف من العمال وستعمل على جعل العاملين في القطاعين العام والخاص أسرى بيد النظام الاقتصادي الرأسمالي النيوليبرالي.

تقول هذه الورقة في احد بنودها "تقدم الدولة هذه الخدمات بشكل مجاني أو شبه مجاني، لأن المواطنين يفترضون أن على الحكومة توفيرها بوصفها حقوقا مكتسبة، ويؤدي ذلك إلى سوء الخدمات المقدمة في ظل الهدر الكبير وتزايد الطلب غير الضروري" إن هذا البند يوضح بشكل صريح سعي السلطة في العراق إلى رفع يد الدولة عن أي شكل من أشكال الدعم الحكومي وتقديم الخدمات وبالتالي إنهاء مسؤولية القطاع العام تجاه المجتمع، كما أنها تسعى لجعل كل الخدمات المقدمة للمواطنين بيد فئة محددة هي ذاتها قوى السلطة الطائفية والمليشياوية والقومية، حيث يقوم هؤلاء بمزيد من الاستعباد والنهب للجماهير المثقلة أساسا بسبب انعدام الخدمات والبطالة والسكن في العشوائيات.

إن هذه الورقة التي يتبين لكل مطلع أن سياسات البنك الدولي وصندوق النقد ومن خلفها القوى الرأسمالية العالمية هي من وضعت خطوطها العريضة، تستمر في وضع شروطها ومن هذه الشروط هي " تصنيف الشركات بين ناجحة يتم خصخصتها كليا أو جزئيا، أو تحويلها إلى شركات مساهمة مختلطة، ومتعثرة يتم إعادة هيكلتها لتحويلها إلى شركات ناجحة خلال ثلاث سنوات، وفاشلة يتم تصفيتها" إن السعي لخصخصة الشركات أو إعادة هيكلتها يعني في المحصلة الأخيرة القضاء على هذه الشركات على اعتبار أنها طوال الفترة الماضية وبفعل ذات السياسات التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة، قد تم نهبها وتحطيمها وإعادة هيكلتها كما هو الحال مع شركات وزارة الصناعة ، إذ تم محاربتها بشكل ممنهج ما أصابها بالشلل التام.

تستمر ورقة الكاظمي البيضاء في سعيها لتحطيم كل أمل للجماهير في تحسن وضعهم الاقتصادي، فها هي تقول " استقطاب أعداد كبيرة من موظفي القطاع العام منخفضي الإنتاجية ومنخفضي الأجر وإعادة توجيههم إلى برامج الأشغال العامة" أي بكلمة أخرى تسريح هذه الأعداد الكبيرة من هؤلاء الموظفين ورميهم في الشارع بحجة عدم إنتاجيتهم، ولسنا نعلم من جعل هؤلاء غير منتجين أليست سياسات وتخريب قوى وأحزاب النظام للمؤسسات الحكومية والشركات التي كانت تنتج وتسد حاجات البلاد من مختلف البضائع في فترات سابقة.

تسعى ورقة السلطة البيضاء إلى تخفيض الرواتب بنسب تتراوح بين 25% إلى 12% خلال ثلاث سنوات كما أنها تمنع تعيين أي وجبات جديدة في القطاع العام بأي شكل من الأشكال، ولسنا نعلم كيف ستحل هذه الورقة المشكلات الاقتصادية وعشرات الآلاف بل الملايين من العراقيين عاطلين عن العمل وانتفاضتهم لا تزال إحدى أهم ركائزها هي المطالبة بالتعيين وتوفير فرص العمل!

هذا جزء بسيط مما تحمله هذه الورقة التي ستضيف جيوشا جديدة من العاطلين عن العمل، وستجر الجماهير في حال تطبيقها إلى جحيم حقيقي، مضافا إلى الجحيم الذي تعيش فيه منذ تولي الإسلاميين وشركاؤهم السلطة، والذين منذ جاءوا على القطار الأمريكي وهم يمثلون بشكل كامل سياسات من جاء بهم.

تبين الورقة البيضاء الوجه القبيح للسلطة، والجماهير الساعية للخلاص منها عن طريق الانتفاضة ومختلف أشكال الرفض والاحتجاج الأخرى، أمام تحدي ومواجهة بالضد من هذه السلطة الساعية لاستكمال مشروعها الرأسمالي المدعوم من القوى الرأسمالية العالمية واذرعها ومؤسساتها، ولا سبيل لديها سوى استكمال نضالها واقتلاع هذا النظام والتوجه نحو الاشتراكية، من خلال تنظيم جماهير العمال والكادحين والمعطلين والشبيبة والنساء وجميع الشرائح والفئات لأنفسهم في مجالسهم الثورية التي تسعى لإقامة سلطة الجماهير بعيدا عن القوى البرجوازية التي جلبت ولا تزال الكوارث والفقر والحروب.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World