الانتفاضة بين وعي السلطة والوعي الجماهيري

جلال الصباغ
a.marzouq@yahoo.com

2020 / 10 / 13

دائما ما تحاول السلطة جعل فكرها فكر حتمي ونهائي وغير قابل للتغيير فعلى مدار سنين طويلة من سيطرة القوى القومية الشوفينة كالبعث ومن بعده القوى الإسلامية وشركاؤهم من القوميين الكرد الذين جاءوا مع الاحتلال الأمريكي في ٢٠٠٣، عملوا بكل طاقتهم على تأبيد ايدولوجيتهم بمختلف الوسائل، حيث مارست هذه القوى زراعة وعي جماهيري يضمن بقائهم على رأس السلطة، إلا أن حركة التاريخ والمجتمع، غير ثابتة وكل واقع سواء أكان ماديا او فكريا لا بد له من إنتاج نقيضه، تعبيرا عن الصراع الحتمي بين السلطة والطبقة التي تمثلها وبين الطبقة الأخرى التي تشكل غالبية المجتمع وهي الطبقة المُستغلة.

هذا الصراع الحتمي انتج لنا منذ انطلاق الحراك الجماهيري في شباط من عام ٢٠١١ وعيا نقيضا لايدولوجيا السلطة الطائفية القومية، وأخذ هذا الوعي في التشكل والتبلور على مراحل، وصولا إلى أكتوبر من العام الماضي، حيث رفضت الجماهير كل ما جاءت به منظومة ٢٠٠٣، مطالبين بإسقاطها ودفن كل ما نتج عنها من أمراض طائفية وقومية وعشائرية، سُرقت من خلالها ثروات الجماهير ومُورست تحت مظلتها الحروب الطائفية والقتل على الهوية والتهجير والخطف والتصفيات، بالإضافة إلى سيطرة القوى الدينية والعشائرية والقومية والمناطقية التي كانت أدوات النظام في بسط هيمنته وتسويق وعيه وايدولوجيته البالية.

وفق منطق الصراع الطبقي القائم على أساس واقعي على الأرض بين الجماهير الكادحة والمفقرة التي عانت ولا تزال من نهب ثرواتها وغياب شبه تام للخدمات وسط ظهور مليارديرية الأحزاب ورجال الدين والمتحالفين معهم، تشكل الوعي الجديد لعمال ومعطلي وشبيبة ونساء العراق الذين قادوا انتفاضة أكتوبر على مدار عام كامل من عمرها.

مع المرحلة الأولى من انطلاق الانتفاضة التي شارك فيها الملايين من المواطنين، تبين للجميع بزوغ مرحلة جديدة من تاريخ البلاد، وعبر عن ذلك الوعي الاجتماعي الجماهيري الساعي والمناضل من أجل الخلاص من السلطة وووعيها الزائف الذي يحول الصراع الطبقي إلى صراعات جانبية هدفها توريط الجماهير وحرف نضالاتها باتجاهات تخدم السلطة وبقائها.

وسط هذا التحول في الوعي الذي قد يتقدم ويتأخر بحسب الواقع الموضوعي، تعمل قوى السلطة على إعادة بث الوعي المناقض لوعي الجماهير عبر أعلامها الهائل وأدواتها المتمثلة باستغلال الدين والعشيرة وتوظيفهما في الترويج لوعي النظام، كذلك عن طريق حملات التشويه والطعن والتزييف التي تضخ الأكاذيب والدعاية بالضد من الانتفاضة وكل ما يتعلق بها، وهنا تظهر بعض القوى من المترددين والانتهازيين والاصلاحيين وهم يتبنون خطاب السلطة، ويحاولون تصوير اي عملية تغيير جذرية بأنها ليست من صالح الجميع، وما هم في حقيقتهم سوى مجموعات من المنتفعين المستفيدين من بقاء النظام.

ان الوعي الزائف والوهمي الذي هو وعي السلطة، يحاول إعادة إنتاج نفسه، لكن الأثر الذي تركه طوال الفترة الماضية شكل وعيا نقيضا لدى الجماهير، لا يمكن تغييره او السيطرة عليه، بل إن هذا الوعي المتشكل لو تنظم في عمل سياسي ثوري محكم ووحد نضالات الجماهير الساعية للخلاص، لكانت قوى الاسلام السياسي من التاريخ، بل لكانت في مزبلة التاريخ.

ان الواقع المعاشي للناس والصراع داخل هذا الواقع هو الذي يخلق الوعي، وليست أفكار المثقفين او رجال الدين او ما شابه. واذا ما أرادت الجماهير أنتصار وعيها الثوري التحرري الرافض للنظام وكل ما ينتج عنه، فيجب أن تدرك أن الوعي الرافض يحتاج إلى أدوات ووسائل من أجل تسلم السلطة، وهذه الأدوات تتمثل بالتنظيم السياسي عالي المستوى من أجل الوقوف بوجه فاشية وبطش السلطة ومليشياتها.



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World