الفانوس غير السحري

ساطع هاشم
hashem59@yahoo.com

2020 / 10 / 12

منذ سنة 1701 وحتى بداية القرن العشرين كانت الاناجيل الرسمية المطبوعة في اوربا تبدأ بمقدمة تقول بأن رب العالمين قد خلق الارض في تمام الساعة التاسعة صباح يوم 23- اكتوبر/ تشرين الاول من سنة 4004 قبل الميلاد، ثم تبعها بخلق جميع انواع الكائنات الحية عليها بالأيام الستة الاولى التي تبعتها.
وهذا التحديد الكنسي الصارم قد الغي وازيل لاحقا, بعد ان واجه معضلة كبيرة ووقع في مأزق بعد نشر كتاب عالم الجيولوجيا الاسكتلندي جارلس لايل (1797 -1875) كتابه – مبادئ الجيولوجيا- سنة 1832 والتي وضع فيها الاساس العلمي لما يعرف حاليا بالأزمنة الجيولوجية وطبقات الارض, حيث قال بان الارض قد تشكلت وفقا لنفس العمليات الطبيعية القديمة والتي مازالت تعمل حتى اليوم, وبأن سطح الارض نتيجة لعمليات فيزيائية وكيميائية وبيولوجية مستمرة خلال فترات جيولوجية طويلة الامد, وتعتبر شروحاته العلمية الرائدة والاولى في مجال تحليل تغير المناخ وتفسير الزلازل والبراكين وغيرها والتي تطورت وتغيرت وتعمقت كثيرا بعد ذلك نتيجة للاكتشافات المستمرة في علم الجيولوجيا وعلم تاريخ الارض
وكان لكتاب لايل هذا اعظم الأثر على جارلس دارون مبتكر نظرية التطور واصل الانسان والذي كان طالبا في كلية اللاهوت والاديان ويغير مسار حياته ويتجه الى العلم ويترك خزعبلات الكنيسة، واصبح لايل فيما بعد اقرب اصدقائه واكثر الاشخاص الذين ساعدوا على نشر نظرية التطور والابحاث المتعلقة بها.
اما عندنا فلقد بات الشفاء من هؤلاء الذين نشروا أفكار الظلام والعبودية والروح البربرية وقدسوها لا يتم بعد الان الا بسحقهم مع شعاراتها ومقدساتهم دفعة واحدة امراً لا فرار منه، ومع هذا فهناك من يردد علينا صباحاً ومساء بأن ما يقوم به البرابرة امر طبيعي، فهو نتاج طبيعي لمن عاث بالأرض فساداً قبلهم، مثل القول بان ما تفعله الطبيعة جميل والامراض والفيروسات طبيعية اذن فالامراض جميلة، وهكذا يواسي بعضهم بعضاً وتمنعهم عفونة الجنس البشري المسبب لهذه المآسي عن التفكير السليم، والاستفادة من تجارب الأمم المتقدمة ودفن الخرافات.
لا يوجد نظام عالمي او محلي ملائم بعد ينقذنا من انتشار هذه الامراض السياسية المدمرة، ولا يوجد علاج اثبت صلاحيته، وكل هذا بحاجة الى وقت ونحن بانتظار المجزرة التالية التي ستسببها هذه الفيروسات الدينية الفتاكة والمريض المؤمن وحده هو الذي يتحمل وزر الاصابة، فمن سيتحدث عن المجتمعات الضعيفة المصابة وعن الافات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الأخرى الناتجة عن هؤلاء وغير القابلة للشفاء؟
يقال انه عاش في بلاد الاغريق بالفترة 412 – 323 BC – قبل الميلاد – فيلسوف يقال له ديوجين او ديوجينيس Diogenes – اشتهر بحمله فانوساً مضيئاً وهو في عز النهار، وعندما كان يُسأل يقول انه يبحث عن إنسان مخلص او عن الإنسان المخلص، ومن أقواله عندما قابله الاسكندر المقدوني: ابتعد حتى لا تمنع عني أشعة شمسي، واعتبر نفسه مواطنا عالميا وليس محليا مرتبطا بأرض بعينها. ويعتبر الان في تاريخ الفلسفة أحد رواد ومؤسسين فلسفة الشك وغياب الثقة بالعالم والمجتمع، والتي ترى بان الفضيلة هي الهدف الأساسي بالحياة وان تبيانها ينبغي ان يكون تطبيقياً وليس نظرياً.

ورغم ان هناك الكثيرون من الذين يعيش بيننا اليوم يحمل مثل هذا الفانوس، ويقولون احياناً كلاماً خلاباً في محاولة لانتاج ايدلوجيات جديدة مضادة لما هو سائد الان، لكن قليلين من اكتشف ونشر لنا بشكل واسع ومعمق وعلمي مقنع طبيعة الأفكار الشريرة التي استولت على البشر، ولا ندري بعد اذا ما كان هناك أحداً ما سيوقع العقوبة على المعتقدات العفنة التي رسخت على مر العصور ثم بعثت من جديد كأتحاد سياسي عنيف من اجل التخلف، وكيف ستكون تلك العقوبة والاهم من كل هذا وذاك متى؟
لم تتحدد ملامح المستقبل الذي تريده الغالبية بعد، ويبدو أحياناً ان مايريدونه، وذلك وفقاً للاحتجاجات والانتفاضات المتواصلة، مثل فلم لم نشهد منه سوى ربعه الأول فانقطع، وبه عالماً حزيناً مليئاً بالبكاء والنحيب وشخوص متذبذبة ساخرة وجادة سطحيين ومتعلمين عاديين وموهوبين لها رغبات تريد تلبيتها وليس اهداف بعيدة المدى تريد تحقيقها، وتريد الإمساك بالماضي والحاضر والمستقبل دفعة واحدة وكأنهم يطالبون بالسراء والضراء وبالسرور والبكاء في نفس الوقت، غير ان الزمن يعزلهم ويتركهم للموت وحيدين باستمرار، بسبب رفضهم التخلي عن الماضي التعيس وغير المتلائم مع الحاضر، ولهذا فالارهاق يثقل رؤوس الجميع والمعركة تتجدد كل نهار ولا ادري اذا كنا سنعلم في الاخير شيئاً ما عن نهاية لهذا الصخب.
أيعمى العالمون عن الضياءِ ؟ (المتنبي)



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World