كرة القدم -طقس- لتجييش الجماهير والهدف دائما إضفاء -الشرعيات- ومزيد تمرير الوعي المستلب

بشير الحامدي
bechirhaamdi@gmail.com

2020 / 10 / 5

في عصرنا الحاضر أصبح من غير الجائز الحديث عن نشاط بشري غير ممكن التوظيف بشكل مباشر أو غير مباشر لصالح القوى المهيمنة عالميا ومحليا فكل الأنشطة تقريبا صارت بهذا الحد أو ذاك موظفة لغاية ما لا تخرج عن مجالات نشاط المهيمن بصفة عامة.
الرياضة بصفة عامة وكرة القدم تحديدا ولئن ظهرت في البداية كنشاط طابعه العام ترفيهي قليل النفعية بالنسبة للمجتمع ولم يقع الاهتمام بها من قبل الباحثين مثلما وقع الاهتمام بنظم العمل و بالسلوك وبالأنثروبولوجيا وبالعلوم الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية وبالطب والفيزياء وبعلوم التسويق والدعاية وباستراتيجيات الاستهلاك إلا أنها صارت تحظى باهتمام كبير من قبل الدارسين والفلاسفة والشركات الناشطة في مجال الربح والدعاية والإعلان وزحفت كنشاط رئيسي على رأس اهتمامات الإعلام بمختلف وسائله وتحولت من نشاط على هامش الدورة الاقتصادية وعلى هامش المجتمع إلى نشاط في قلب هذه الدورة الاقتصادية وفي قلب اهتمامات المجتمعات والدول وظهرت مفاهيم جديدة منتجة للربح متصلة بالرياضة عموما وبرياضة كرة القدم تحديدا مثل الاستحقاقية والجدارة والتفوق وأضحت هذه المفاهيم قيما حضارية وواحدة من القيم التي تبني بها الدول مثالها عن النجاح وعن إدارة الحياة المدنية وتغذي الفكرة الرائجة كثيرا في مجتمعات اليوم حول التنافس والجدارة والتفوق ونشر قيم التسامح.
لم يكن أمر توظيف كرة القدم وتحويلها من نشاط هامشي في الدورة الاجتماعية إلى نشاط للربح في البداية يتقدم بشكل سريع لكن ومع العولمة والثورة التكنولوجية والتطور الكبير والمثير لوسائل الاتصال أمكن ذلك ومن مجرد نشاط موظف تقريبا بدرجة كبيرة لخدمة الأقطاب السياسيين في العالم أي ارتباط الرياضة وكرة القدم بالسياسة ( صراع الاتحاد السوفياتي وبلدان أروبا الشرقية ضد أمريكا وبلدان أروبا الغربية) خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية وحتى تسعينات القرن الماضي تحولت الرياضة إلى نشاط أساسه اقتصادي و أصبحت تنفق المبالغ الضخمة في هذا النشاط كما أصبح مجالا واسعا للمضاربة والاحتكار مثله مثل مختلف الأنشطة المحتكرة من قبل رأس المال المعلوم وباتت كرة القدم مؤسسة للربح في كل مكان قبل كل شيء مثلها مثل أي سلعة أو منتوج آخر موجه للاستهلاك والغاية الأولى منه هو الربح وإنعاش المؤسسة الاقتصادية بصفة عامة.
ومثلما للسلع مستهلكوها فلكرة القدم أيضا مستهلكوها وجمهورها. لقد تحولت كرة القدم إلى سلعة وأداة للتسويق في نفس الوقت وتضاعف جمهورها وأصبح يطالب دوما بالمزيد من هذه السلعة وبالمزيد من استهلاكها وتحولت كرة الكرة من حمالة لصراع بين الأمم كما كانت بعد الحرب العالمية الثانية إلى مجال صراع وتنافس بين الشركات لغاية الربح والمزيد من الربح.
طبعا وككل مستهلك لا يختلف جمهور كرة القدم في استهلاكه لهذه اللعبة عن استهلاكه لبقية السلع في السوق. فالجمهور عموما لا يستهلك أفيونا واحد بل مجموع أفيونات اجتهدت شركات الربح في تحويلها إلى أمر لازم للناس على امتداد المعمورة وعموما مجتمعاتنا اليوم تغص بهذه الأفيونات المتعددة من السلع والمظاهر والانتماءات وتستهلك على نطاق واسع وكرة القدم لا تختلف كثيرا عن بقية الأفيونات حيث أنها مثلها تماما تحقق لحظة تعاطف مشترك هاربة في المكان والزمان منشودة وغير معبر عنها أشبه بذلك الطقس الديني الذي يأخذ الناس إلى متخيل مشترك للانتماء يتجدد باستمرار ولكنه في حقيقته ليس أكثر من سراب يغطي الهوة السحيقة التي سحبت إليها الشركات الربحية الناس بتسليع كل نشاط بشري على وجه الأرض.
طبعا كرة القدم العربية ينسحب عليها مجمل تحليلنا السابق مع مراعاة بعض الفروقات المعروفة بينها وبين كرة القدم في أماكن أخرى من العالم .فمجتمعاتنا بخصوصية تخلفها وارتباطاتها وتطورها المشوه والهجين قد أنتجت إلى جانب ما وقع الحديث عنه سلفا مظاهر أخرى متخلفة كالعنف والارتشاء وشراء الذمم والغش وغياب الإدارة الرشيدة وهي كلها مظاهر فساد منتشرة اليوم وسائدة في ميدان كرة القدم وفي الرياضة عموما وفي مجمل الأنشطة الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة وتجد أسبابها في الطرائق التي تدار بها مجتمعاتنا وبها تهيمن الطبقة السائدة وهو وضع يعاد إنتاجه باستمرار ولا يمكن الخروج منه هكذا بمجرد تشريح الظاهرة أو الوقوف على أسبابها فالرياضة وكرة القدم فرع من فروعها هي مظهر من مظاهر مواصلة السياسة ولكن بطرق أخرى.
فأندية رياضية بمثابة الأصل التجاري للمضاربة لمجرمين وفاسدين وجمعيات يعشش فيها الفساد وتبيض فيها الأموال لا يمكن أن تحقق غاية الرياضة الأولى .
إن نوادينا الرياضية كأحزابنا كجمعياتنا كنقاباتنا: وجه من وجوه المشهد العام المفبرك المضروب...
وأخيرا يمكن القول أن الرياضة وكرة القدم واحتفالاتها قبل و أثناء وبعد مازالت طقس ...احتفالٍ تجيّش فيه الجماهير بوسائل رمزية لإضفاء "الشرعيات" على السلطات والمراكز المهيمنة لتمرير المعنى والهدف دائما استمرار الوعي المستلب.
ـــــــــــــــــــــــ



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World