أعراس الثعالب – 6 –

ربيع نعيم مهدي
rabee3mahdi77@gmail.com

2020 / 9 / 29

للتذكير: الأحداث من نسج الخيال ولا علاقة لها بما حصل على أرض الواقع..

(45)
شكلت الساعة الرابعة مساءً نقطة تحولٍ في مسار الأحداث، إذ شهدت حدوث أول تعرضٍ شرس قادته كتيبة الدبابات لاقتحام أسوار الوزارة، تزامنت معه غارة جوية لإضعاف المقاومة التي كان ردها أشرس من المتوقع، فمحصلة خسائر الهجوم سجلت سقوط طائرة وتدمير دبابة، بالإضافة الى مقتل عددٍ من الجنود.
في لحظات الهجوم لم يستطيع أحد إدراك ما يحدث، أحد الجنود المهاجمين ذرف الدمع عند اطلاقه النار، كان قريبا جداً من الأسوار، واستطاع ان يسمع صوت الزعيم، تسللت كلماته بين أزيز الرصاص محملة بذكرياتٍ عن حرب مضت منذ سنين.
- ثورة تموز لن تموت..
كلمات الزعيم هذه ظلت تتردد في ذهن الجندي عندما امتثل للأوامر بالانسحاب وانهاء التعرض الذي تمكنوا فيه من قتل عبدالكريم الجدة.

(46)
الرائد عبد الله مريوش آمر إحدى السرايا التي استمات في صدّ الهجوم، أعاد النظر في الأحداث التي شهدتها تلك الفترة القصيرة من الزمن، أدرك ان الشعارات التي ألقاها الزعيم على مسامع مقاتليه لن تعيد قطعات المهاجمين الى معسكراتها.
اتخذ قراره وطلب من جنود السرية الاستعداد للقيام بهجوم مضاد، ثم توجه الى العقيد عارف يحيى وأقنعه بقدرته على التسلل ومهاجمة كتيبة الدبابات من الأزقة المحيطة بساحة الميدان.
عاد الى تجمع السرية وشرح خطته مشدداً على عدم إطلاق النار إلا بأمر منه حتى وإن تعرضوا لإطلاق نار ٍ من المتآمرين، وقبل ان يعطي أمره بالشروع أمسك بيده ضابط الصف حمد واخذه مبتعداً عن الجنود.
- سيدي.. مضى زمن طويل وانا تحت أمرتك.. انت تعلم انني خضت معارك كثيرة، لكنني لا أريد الذهاب معك.. سأبقى هنا للدفاع عن الزعيم
- حمد.. المعركة خاسرة.. بقائك هنا استسلام للقتل
- لقد اتخذت قراري .. ثم من الافضل ان يبقى أحد هنا لحمايتكم.. سأحرص على ان لا تكونوا هدفاً لبنادقنا.
تسلل الرائد عبد الله بجنوده وهو على يقين بأن المهاجمين في انتظار ان تصبح السرية في مرمى النيران للانقضاض عليها، وهذا ما كان يخشاه حمد، الذي اطلق رشقات من الرصاص بلا هدف، القصد منها ارسال اشارة مفادها ان السرية تمردت على معسكر الزعيم.

(47)
جرس الهاتف رن كثيراً في مكتب عبد الكريم قاسم قبل ان يرفع السماعة المرافق وصفي طاهر ويُجب على اتصال السفير السوفييتي، الذي طلب منه ابلاغ الزعيم ان بلاده على استعداد للقيام بإنزال جوي في بغداد خلال 12 ساعة.
يونس الطائي الذي بقي مرافقاً للزعيم في تلك الساعات استغرب من رفض الأخير للمساعدة.
- اتصل بالسفير وابلغه بأن الموقف لا يستوجب طلب المساعدة من أي أحد.. وابلغه بأننا لا نريد استبدال الانكليز بالسوفييت..
ثم التفت الى يونس واستدرك
- لقد فعلنا المستحيل لإنقاذ البلاد من الاستعمار البريطاني.. ومن الغباء ان نفتح الابواب ليكون الروس هم المستعمرين الجدد

(48)
خارج أسوار الوزارة وبحلول الساعة الخامسة تعززت القدرة الهجومية مع وصول فوجين من المشاة، وقوة أخرى اتخذت من شاطئ الكرخ موضعاً لها للقيام بهجمات محدودة هدفها المشاغلة، فيما انتظرت القوة المكلفة باقتحام الوزارة اطلاق ساعة الصفر للهجوم، والتي ترك أمرها بيد مؤذني الجوامع.
فمع التكبيرة الأولى لأذان المغرب شنت قطعات الانقلاب هجومها وتمكنت من فتح ثغرة استطاعت من خلالها احتلال احدى مباني الوزارة، لكنها توقفت عند هذا الحد، فالقتال في المباني يمنح الافضلية للمدافع، والأمر الاهم ان قيادة القوة المهاجمة كانت تخشى من تعاظم الهجمات التي تتعرض لها من مجاميع الشيوعيين التي تتسلل من أزقة بغداد القديمة.

(49)
- سيادة الزعيم.. إن سمحت لي.. في هذه اللحظات أجد من الواجب تقديم المشورة لكم.. منذ ساعات وانا أرى العسكر وهم يتسربون كالرمل من اليد، الوقت ينفد والحال يتغير.. واجد من اللازم ان تتفاوض معهم لإنهاء هدر الدم.
تلك هي المشورة الخجولة، والتي نطق بها يونس الطائي بعد حلت فترة من الهدوء اغتنمها رئيس أركان الجيش أحمد صالح العبدي وتسلل هارباً وكأن الأمر لا يعنيه.
كان الزعيم يراقب الهاربين بصمت، ولم يحاول منع أي احدٍ من اللحاق برئيس الأركان.

(50)
خلف الاسوار، ارتفعت راية بيضاء، ثم تقدم حاملها بضع خطواتٍ وتوقف، أعاد التلويح بها لأكثر من مرة، حتى أدرك أحد ضباط القوة المهاجمة ان هذا الشخص يحمل رسالة.
جنديان تقدما الى حامل الراية واختطفاه الى قائد القوة المهاجمة، والذي طلب منه ان يستقل ناقلة الجنود لإيصاله الى مقر القيادة.
في تلك الرحلة القصيرة شاهد المفاوض يونس الطائي مئات الجثث المتناثرة على قارعة الطريق، بعضها سحق تحت سُرف الدبابات، والبعض الآخر لا زال يمسك بالعصى والسكين.
- ألا يوجد غير هذا الطريق؟
- كل الطرقات متشابهة هذا اليوم..
هكذا اجاب قائد الناقلة على سؤال الطائي، ربما أراد ان يقول له "لقد قتلنا الكثير هذا اليوم، ولن نتردد في قتل المزيد إذا لزم الأمر"، لكنه أحجم واكتفى بهذا الرد المختصر.

(51)
- "لا تشترِ العبد إلا والعصا معه… إن العبيد لأنجاس مناكيد"..
أثار عبد السلام عارف العجب لإلقائه هذا البيت الشعري، بعد ان طُلب من محسن الشيخ راضي الخروج لاستقبال مفاوض الزعيم، فالقصد غير مفهوم لدى الحضور، لذلك استدرك ضاحكاً
- رحم الله ابو الطيب المتنبي.. يبدو انه كان قومياً بالفطرة..

(52)
في مواجهة عبد السلام وقف الطائي وسأل بدون مقدمات
- من أين نبدأ؟
- ما هي شروطك في المفاوضات؟
- وقف اطلاق النار
- وماذا بعد؟
- استسلام الزعيم ومن معه والسماح لهم بالخروج من العراق اليوم أو في صباح الغد
- ثم؟
- لا شيء.. غداً ستكون السلطة في قبضتكم
هنا تحدث البكر واعترض
- قد لا يكون السماح لهم بالخروج أمراً مقبول، فقد نضطر لإجراء محاكمة شكليّة، وربما تحتاج الى يومين أو ثلاثة لإتمام إجراءاتها
- انتم تعرفون بأن الزعيم ليس بتلك السذاجة التي تجعله يصدق أو يقنع بهذا القول..
انهى عبد السلام عارف ذلك الحديث القصير من المفاوضات وامسك بيد يونس الطائي وخرج معه
- ارجو منك ان تسمعني جيداً .. لو كان الأمر بيدي لرقصت فرحاً وانهيت المعركة.. لكنني لست صاحب قرارٍ هنا فهم يشكلون أغلبية.. ما رأيك في ان تذهب الى معسكر الرشيد وتتحدث مع طاهر يحيى، لعله يستطيع إقناعهم..

(للحكاية بقية)



https://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World